[حديث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية]
30# وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) ؛ بالموحدة الأزدي البصري (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج (عن واصل) بن حَيَّان بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشددة، وفي رواية: (عن واصل الأحدب) ، وفي رواية: (هو الأحدب) ؛ أي: الأسدي الكوفي، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، (عن المعرور) ؛ بعين مهملة ورائين مهملتين بينهما واو، وفي رواية زيادة: (ابن سويد) بضم السين؛ أبو أمية الأسدي الكوفي (قال) وفي رواية: (وقال) : (لقيت أبا ذر) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء؛ جندب_ بضم الجيم والدال المهملة وقد تفتح_ ابن جُنادة_ بضم الجيم_ الغفاري؛ نسبة إلى قبيلة من كنانة، القائل: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال، المتوفى (بالرَّبَذَة) سنة اثنتين وثلاثين؛ وهي بفتح الموحدة والراء المشددة، والذال المعجمة؛ موضع بينه وبين المدينة ثلاث مراحل، قريبة من ذات عرق، (وعليه) ؛ أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّة) ؛ بضم المهملة واللام المشددة؛ وهي إزار ورداء، ولا يسمى حُلَّة حتى يكون ثوبين، وسميت بذلك؛ لحلول أحد الثوبين على الآخر، (وعلى غلامه) قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: واسم هذا الغلام لم يبين في الروايات، ويحتمل أن يكون أبا مرواح مولى أبي ذر (حُلَّة) ؛ أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّة؛ فهي ثلاثة أحوال، (فسألته عن ذلك) ؛ أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وإنما سأله عن ذلك؛ لأنَّ عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون ثياب سيده، والذي فعله أبو ذر؛ كان خلاف المألوف، (فقال) أبو ذر: (إني ساببت) ؛ بموحدتين؛ أي: شاتمت (رجلًا) ؛ هو بلال المؤذن مولى أبي بكر رضي الله عنهما (فعيرته) بالعين
[ص 20]
المهملة؛ أي: نسبْته إلى العار (بأمه) ، وفي (الأدب) : (وكانت أمه أعجمية؛ فنلت منها) ، وفي رواية: (فقلت له: يا ابن السوداء) ، (فقال لي النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر؛ أعيرته بأمه؟!) ؛ بالاستفهام الإنكاري التوبيخي، وهذا كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية فيه، ولذا قال له عليه السلام: (إنك امرؤٌ) ؛ بالرفع خبر (إنَّ) ، وحركةُ عينِ كلمتِه تابعةٌ للامها في الأحوال الثلاث؛ كما وضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني؛ فراجعه (فيك جاهلية) ؛ بالرفع مبتدأٌ قُدِّم خبرُه؛ وهو (فيك) .
وروي: أنه لمَّا شكاه بلال؛ قال له عليه السلام: «شتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟!» قال: نعم، قال: «حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية» ، فألقى أبو ذر خده على التراب، ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه؛ فوطئ خده؛ كذا في «القسطلاني» .
(إخوانكم) في الإسلام (خَوَلكم) ؛ بفتح أوله المعجمة والواو؛ أي: خدمكم أو عبيدكم، وقدم الخبر على المبتدأ؛ للاهتمام بشأن الأخوة، ويجوز أن يكونا خبرين؛ أي: هم إخوانكم هم خولكم، وأعربه الزركشي بالنصب؛ أي: احفظوا، قال: وقال الإمام أبو البقاء العكبري [1] الحنفي: إنَّه أجود، اهـ.
ورواه المؤلف في (حسن الخلق) : «هم إخوانكم» ، قلت: وهو لا يرجِّح تقدير الرفع كما قيل؛ لأنَّ هذا الحديث هنا لم يصرح بقوله: هم إخوانكم، وهذه الاحتمالات مبنية على هذه الرواية المذكورة هنا، وفيما يأتي يتعيَّن الرفع ويرتفع الاحتمال؛ فافهم.
(جعلهم الله تحت أيديكم) ؛ مجاز عن القدرة أو الملك، (فمَن) موصولة مبتدأ (كان أخوه) : اسم (كان) (تحت يده) : منصوب خبر (كان) ، والجملة صلة الموصول، وقوله: (فليطعمه) ؛ بضم المثناة التحتية: خبر المبتدأ، والفاء لتضمنه معنى الشرط، و (الفاء) في (فمَن) ؛ فإنها عاطفة على مقدَّر؛ تقديره: وأنتم مالكون إياهم فمن ... إلخ، (مما يأكل) يجوز أن تكون (ما) موصولة والعائد محذوف؛ تقديره: مِن الذي تأكله، وأن تكون مصدرية؛ أي: مِن أكله، وإنما لم يقل: مما يطعم؛ رعاية للمطابقة؛ لأنَّ الطعم يجيء بمعنى الذوق، (وليُلبسه) ؛ بضم المثناة التحتية (مما) أي: من الذي (يلبس) ؛ أي: يلبسه؛ بفتح المثناة التحتية، ويجوز في (الفاء) في (فمَن) أن تكون سببية؛ كما في {فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] ، و (مِن) للتبعيض، فإذا أطعمه مما يقتاته؛ كان قد أطعمه مما يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كل مأكوله [2] على العموم، لكن يستحب له ذلك.
(ولا تكلفوهم ما) أي: الذي (يغلبهم) ؛ أي: تعجز قدرتهم عنه، والنهي فيه للتحريم، (فإن كلفتموهم) ؛ أي: ما يغلبهم؛ (فأعينوهم) عليه، ولا يخفى أنه يلحق بالعبد الدابة، والخادم، والأجير، والضيف، ويستفاد من الحديث: النهي عن سب العبيد وتعييرهم، والحث إلى الإحسان إليهم والرفق بهم، قال القسطلاني: وإن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنَّما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريفَ النَّسبِ نسبُه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويفيد الوضيعَ النَّسبِ التقوى [3] ، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ، اهـ.
قلت: وهذا موافق لما قدمته لك، وهو يدل على بطلان قول هذا المتعصِّب الذي قد أحدث في الشريعة أمرًا يوصل إلى هتك الشريعة في حق أهل البيت، والله الموفق، وفيه الحث على التواضع وعدم الترفع على المسلم وإن كان عبدًا، وفيه جواز إطلاق الأخ على الرقيق، والله أعلم.
[1] في الأصل: (العبكري) .
[2] في الأصل: (مالوله) .
[3] في الأصل: (بالتقوى) .
[1] في الأصل: (العبكري) .
[2] في الأصل: (مالوله) .
[1] في الأصل: (العبكري) .
[2] في الأصل: (مالوله) .