[حديث: كنا نصلي مع النبي فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر]
385# وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ) هو الطيالسي البصري (قَالَ: حَدَّثنا بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بنُ المُفَضَّل) ؛ بضم الميم، وفتح الفاء، وتشديد الضاد المعجمة المفتوحة؛ هو الرَّقاشي _بفتح الراء_ العثماني البصري الذي كان يصلي كل يوم أربع مئة ركعة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (غَالِبٌ) ؛ بالغين المعجمة وكسر اللام: ابن خَُطَّاف؛ بضم الخاء المعجمة وفتحها، وتشديد الطاء المهملة (القَطَّانُ) ؛ بالقاف البصري، (عَن بَكر بن عَبْدِ اللهِ) ؛ بفتح الموحدة في (بَكْر) وسكون الكاف: هو المزني البصري، (عَن أَنس بن مَالك) هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه (قَالَ: كُنَّا) أي: معشر الصحابة رضي الله عنهم (نُصَلِّي) ؛ بضم النون: ضمير جماعة الذكور (مَعَ النَبِيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: في مسجده النبوي، (فَيَضَعُ أَحَدُنَا) جملة معطوفة على قوله: (كنا نصلي) ؛ يمعنى: يضع كل واحد من الصحابة (طَرَفَ الثَّوْبِ) ؛ أي: ثوبه المتصل به المتحرك بحركته ضرورة، وهذا كلام إضافي منصوب؛ لأنَّه مفعول (يضع) ، وتقييد القسطلاني الثوب بالمنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته تفسيرٌ وتقييد من عنده، ذكره؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وهو باطل؛ فإنَّ الأصل في الثوب أن يكون متصلًا به ومتحركًا بحركته لغة وعرفًا عند أهل التحقيق، ودعوى القسطلاني باطلة، والمثبت مقدَّم على النافي، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.
قال إمام الشَّارحين: وفيه: حكاية قول الصحابي عما يفعله والنبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يشاهده ولا ينكره؛ فيكون تقريرًا منه عليه السَّلام.
فإن قلت: كان أنس خلف النبي عليه السَّلام؟
قلت: نعم؛ وما كان يخفى على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم شيء من أحوال من كان خلفه في الصلاة؛ لأنَّه عليه السَّلام قد كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه، كما ثبت في «الصحيح» ؛ فيكون قول الصحابي: (كنَّا نفعل كذا) من قبل المرفوع، ولا سيَّما قد اتفق الشيخان على تخريج هذا الحديث في «صحيحيهما» ، وكذلك أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، انتهى؛ فافهم.
[ص 509]
(مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) متعلق بالجملة قبله، وفي رواية النسائي: (كنَّا إذا صلينا خلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالظهائر؛ سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر) ، وفي رواية مسلم وأبي داود: (بسط ثوبه فسجد عليه) ، وفي رواية ابن أبي شيبة: (كنَّا نصلي مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في شدة الحر والبرد، فيسجد على ثوبه) .
وهذا الحديث حجة قوية ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه من جواز السجود على الثوب من غير كراهة في شدة الحر والبرد، وهو قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم قال: (صلى عمر رضي الله عنه ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر، فطرح طرف ثوبه بالأرض، فجعل يسجد عليه، ثم قال: يا أيها الناس؛ إذا وجد أحدكم الحر؛ فليسجد على طرف ثوبه) ، ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيم أيضًا وعطاء، وفعله مجاهد، وقال الحسن: لا بأس به، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن الشعبي، وطاووس، والأوزاعي، والنخعي، والزهري، ومكحول، ومسروق، وشريح، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال صاحب «التهذيب» من الشافعية: وبه قال أكثر العلماء، والحديث حجة على الشافعي؛ حيث لم يجوِّز ذلك، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: وأوَّل الحديثَ الشافعيُّ؛ فحمله على الثوب المنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: لفظ الحديث يرد هذا؛ لأنَّه قال: (طرف ثوبه) ، وهو دالٌّ على المتصل به المتحرك بحركته، وكذلك قوله في رواية مسلم وأبي داود: (بسط ثوبه، فسجد عليه) ؛ فإن اللفظ يدلُّ على المتصل به؛ لأنَّه قد عقَّب السجود بالبسط، وكذلك يدلُّ على المتصل به قلة الثياب عندهم، انتهى.
قلت: وهو ظاهر؛ لما سبق في «الصحيح» عنه عليه السَّلام أنه قال: «أَوَلِكلِّكم ثوبان؟!» ؛ يعني: لا يجد أحد منهم إلا ثوب واحد، فإذا كان هذا حالهم بشهادة النبيِّ الأعظم صاحب الرسالة العظمى والنبوة الكبرى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلا شكَّ أنَّ المراد بالثوب هو المتصل به المتحرك بحركته ضرورةً.
وزعم البيهقي أنَّ رواية الإسماعيلي: (فيأخذ أحدنا الحصى في يده؛ فإذا برد؛ وضعه وسجد عليه) ، يؤيد ما قاله الشافعي؛ لأنَّه لو جاز السجود على شيء متصل به؛ لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
وردَّ بأنَّ هذا لا ينهض؛ لأنَّه إنَّما كان يبرَّد الحصى؛ حيث لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته له؛ لأنَّ من المعلوم أن الحرَّ حرُّ الحجاز، والرجل منهم لم يلبس إلا ثوبًا واحدًا [1] ؛ لشيئين؛ أحدهما: من القلة، والثاني: من الحر؛ ففي شدة الحر يلبسون القمص، وهو ساتر للعورة فقط، وليس له فضلة، فإذا كان كذلك؛ فيبرِّد الحصى.
وتعلق الشافعي بحديث خباب قال: (شكونا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حر الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا) ؛ أي: لم يزل شكوانا، وبما روي عنه عليه السَّلام أنَّه قال: «ترب جبينك يا رباح» .
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة [2] ، ولو ثبت؛ فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر، ويقال: إنَّه منسوخ بقوله عليه السَّلام: «أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم» ، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال: (جاءنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يديه في ثوبه إذا سجد) ، رواه أحمد وابن ماجه.
فإن قلت: هذا محمول على المنفصل الذي لا يتحرك.
قلت: هذا بعيد؛ لقوله: (بسط ثوبه، فسجد عليه) ؛ لأنَّ الفاء فيه للتعقيب.
وكل حديث احتج به الشافعي؛ فهو محتمل، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين؛ فهو محكم، فيحمل المحتمل على المحكم، انتهى.
قلت: ويحتمل حديث خباب أنَّ المراد به: مرض الصداع؛ فأمره عليه السَّلام بتتريب الجبين؛ لأجل إزالة الصداع، وذلك أنَّ الصداع يحصل من تسديد المسام، فبالتتريب يتفتح المسام، فيزول، فهو عليه السَّلام طبيب الأرواح والأشباح، فالدليل إذا طرقه الاحتمال؛ بطل الاستدلال به.
ويدل أيضًا على بطلان ما ذهب إليه الشافعي ما روي عن جماعة من الصحابة أنَّهم رووا سجوده عليه السَّلام على كور عمامته؛ منهم: أبو هريرة أخرج حديثه عبد الرزاق في «مصنفه» ، ومنهم: عبد الله بن عباس أخرج حديثه أبو نعيم في «الحلية» ، ومنهم: عبد الله بن أبي أوفى أخرج حديث ابن أبي حاتم في كتابه «العلل» ، ومنهم: عبد الله بن عمر أخرج حديثه أبو القاسم تمَّام بن محمد الرازي في «فوائده» ، فهؤلاء أربعة من أصحاب النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا يفتون بجواز السجود على الثوب من عمامته وذيله ونحوهما، وهو ضرب من الإجماع؛ لأنَّه لم يروَ عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ المصلي يجوز له أن يسجد على كور عمامته وفاضل ثوبه، وهو الصواب.
وزعم البيهقي أنَّ سجوده عليه السَّلام على كور عمامته لم يثبت.
وردَّ بأنَّه قد ثبت في «الصحيح» ، وكذلك في الكتب الستة، وحديث ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفى جِيَادٌ، كما قاله النُّقَّاد الموثوق بهم، وما كان منهم ضعيفًا؛ فبتعدد طرقه يقوى أو يشيد بالقوي، والمثبت مقدم على النافي، ودعوى الجرح غير مقبولة؛ لأنَّها نفي والمقبول الصحة، إذا علمت هذا؛ قام لنا الدليل على جواز السجود على كور عمامته، وهو الحقُّ، والعناد بعد ذلك مكابرة.
وقال إمام الشَّارحين: وقد مرَّ الكلام فيه مستوفًى، وبما ذكرناه ههنا يحصل الجواب عمَّا قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين المتحرك وغيره، والاستدلال بقوله عليه السَّلام: «ترب وجهك» ، وحديث الباب أيضًا يردُّ ما ذكره.
وقوله: (والقياس على سائر الأعضاء) قياس بالفارق، وقياس في مقابلة النص، ونحن قد عملنا أولًا بحديث الباب، فإنَّه مُحكَمٌ لا يحتمل غيره، وبالقياس أيضًا؛ فهو أقوى.
وقوله: (وفيه أنَّه عليه السَّلام كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده) : يردُّه أنَّه إذا سجد على البساط أو نحوه؛ يجوز بالإجماع،
[ص 510]
فإن احتج بقوله عليه السَّلام: «مكِّن جبهتك وأنفك من الأرض» ؛ فنحن نقول بموجبه؛ وهو وجدان حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها؛ لا يجوز، انتهى.
قلت: وعلى كلٍّ فكلُّ دليل لنا محْكم، وما استدل به محتمل، فالصواب ما قلنا.
وزعم ابن حجر أنَّ في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد تعارضه، ونقول: إنََّّ تقديم الظهر رخصة والإبراد سنة، وإذا قلنا: أحاديث الأمر بالإبراد ناسخة؛ لا يبقى تعارض؛ فافهم.
وممَّا يستنبط من الحديث أنَّ العمل اليسير في الصلاة عفوٌ؛ لأنَّ وضع طرف ثوبه في موضع سجوده عملٌ، انتهى، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (ثوب واحد) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (مشهورة) ،وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (ثوب واحد) ، وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (ثوب واحد) ، وليس بصحيح.