[حديث حذيفة: رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده]
389# وبالسند إلى المؤلف قال: (حَدَّثَنَا) هكذا رواية الأربعة، وفي رواية: (أخبرنا) (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) : هو ابن عبد الرحمن الخاركي البصري، ونسبته إلى خارك؛ بالخاء المعجمة والراء، وهو من سواحل البصرة (قال: حَدَّثَنَا) هكذا للأربعة أيضًا، وفي رواية: (أخبرنا) (مَهْدِيٌّ) ؛ بفتح الميم بلفظ المفعول: هو ابن ميمون أبو يحيى الأزدي المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومئة، (عَنْ وَاصِلٍ) : هو ابن حيان الأحدب، (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) ؛ بالهمز: هو شقيق بن سلمة، (عَنْ حُذَيْفَةَ) ؛ بضم الحاء المهملة: هو ابن اليمان رضي الله عنه: (أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا) قال إمام الشَّارحين: لم يعلم اسمه؛ يعني: أنه رآه يصلي وحده منفردًا في الصحراء أو في المسجد بعيدًا عن الناس (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ) بضم المثناة التحتية أوله (وَلَا سُجُودَهُ) ؛ أي: لا يطمئن فيهما، والجملة وقعت صفة لقوله: (رجلًا) (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) ؛ أي: فلما أدَّى الرجل صلاته الناقصة من إتمام الركوع والسجود، والقضاء يجيء بمعنى الأداء؛ كما في قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [الجمعة: 10] ؛ يعني: أدِّيت.
قلت: وقد يجيء القضاء بمعنى الفراغ، يقال: قضيت صلاتي؛ أي: فرغت منها، والمعنى: فلما فرغ الرجل من صلاته؛ (فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ) هو ابن اليمان؛ أي: للرجل المذكور: (مَا صَلَّيْتَ) ؛ أي: ما صليت صلاة كاملة، فالنفي عنه الصلاة نفي كمال؛ لأنَّ إتمام الركوع والسجود لا ينفي الركوع والسجود، فإن إتمام الركوع والسجود ليس من أجزاء الصلاة الركنية، بل من أجزائها المسنونة، فالكل من الركنية لا ينتفي بانتفاء الجزء من المسنون، ولا يلزم منه انتفاء إحدى الركوع والسجود المستلزم لانتفاء الصلاة، لأنَّ إتمام الركن ليس بركن، بل هو مسنون، وهو لا ينافي الصحة.
وما زعمه القسطلاني من أن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الركوع يلزم منه انتفاء الركوع المستلزم لانتفاء الصلاة ممنوع، وإنَّما ذكره؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه وهو باطل؛ لأنَّه لا يلزم من انتفاء تمام الركوع انتفاء الركوع بالكلية؛ لأنَّ الركن هو الركوع وهو مطلق الانحناء، كما أجمع عليه أهل اللغة، وإتمام الركوع سنة مكمِّل للركن، فالمكمِّل إذا انتفى؛ لا يلزم منه انتفاء الكل، كما لا يخفى، ويدل على ذلك قوله: (قَالَ) ؛ أي: أبو وائل: (وَأَحْسِبُهُ) ؛ أي: أظنه؛ أي: حذيفة بن اليمان (قَالَ) ؛ أي: للرجل المذكور: (لَوْ مُتَّ) : روي فيه كسر الميم من مات يمات، وضمِّها من مات يموت، وفي رواية: (ولو مت) (مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ) النبيِّ الأعظم (مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ أي: على غير طريقته الكاملة المتناولة للفرض والنفل، فالمراد به التغليظ، والشك من الراوي، ويدلُّ على أنه تغليظ قوله تعالى في آية الحج: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ ... } ؛ الآية [آل عمران: 97] ، وقوله عليه السلام: «من استطاع منكم الحج ولم يحج؛ فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» ؛ فإن المراد من الآية والحديث التغليظ إجماعًا؛ لأنَّه لو لم يحجَّ حتى مات؛ فلا يحكم عليه بالموت على الكفر إجماعًا، فكذا هذا، على أنَّ هذا الحديث لا يدل على أنَّ الاطمئنان فرض، بل سنة أو واجب؛ لأنَّ المراد
[ص 513]
به التغليظ، كما ذكرنا، ويحتمل أنَّ حذيفة لم ير فعل صلاة الرجل حقيقة، بل رأى شبحًا من بعيد قائمًا وقاعدًا [1] ، ثم رآه فأخبره بأنه قد صلى، فيحتمل أنَّه لم ير حقيقة فعله على أنَّ هذا لا يدل على الفرضية؛ لأنَّ حذيفة لم يأمره بالإعادة، ولا ذكر أنَّه يعيد، ولو كان صلَّى صلاة فاسدة؛ لأمره بالإعادة، ولم يذكر في الحديث أنَّه أعاد صلاته ولا أنَّه أمره بالإعادة، وهذا يدل على صحة صلاته.
وقال ابن البطال: قوله: ما صليت؛ يعني: صلاة كاملة، ونفى عنه العمل بقلَّة التجويد فيها، كما تقول للصانع إذا لم يجد: ما صنعت شيئًا؛ يريد الكمال، وهو يدل على أن الطمأنينة سنة.
قال إمام الشَّارحين: هذا التأويل لمن يدَّعي أن الطمأنينة في الركوع والسجود سنة، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، ومالك بن أنس، والجمهور، وعند الإمام أبي يوسف ومحمد بن إدريس أنها فرض، انتهى.
قلت: والصواب: الأول، وما رواه الطبراني عن أنس مرفوعًا: «ومن لم يتمَّ لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها؛ خرجت وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله تعالى لفَّت كما يلفُّ الثوب الخلق، ثم ضرب بها وجهه» ، وما رواه ابن خيثم: «ساجدًا كخرقة ملقاة وعليه عصافير لا يشعر بها» ، فإنَّه يدل على التهديد، والتخويف، والتغليظ، لا على عدم الصحة، يدل عليه أنه قال: (من لم يتم لها خشوعها ... ) إلى آخره، فإن الخشوع في الصلاة ليس فرضًا إجماعًا، بل هو مستحب، وكذلك الركوع والسجود؛ فإنَّ الإتمام فيهما سنة أيضًا، وحيث قرب عدم تمام الخشوع مع عدم تمام الركوع والسجود دلَّ ذلك على أن إتمامهما سنة، كما لا يخفى، والله أعلم؛ فافهم، فقام لنا الدليل على أن الاطمئنان في الأركان سنة أو واجب وليس بفرض، والعناد بعد ذلك مكابرة؛ فليحفظ.
[1] في الأصل: (قائم وقاعد) ، ولعل المثبت هو الصواب.