فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 860

[حديث: من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل]

393 # (قال) أي: المؤلف: (وَقَالَ) بالواو (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) : هو المديني: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) ؛ بالمثلثة: هو البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) ؛ بضم الحاء المهملة: هو الطويل التابعي (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ) ؛ بفتح الميم الأولى وضم الثانية بينهما تحتية ساكنة (بنُ سِيَاهٍ) ؛ بكسر السين المهملة في آخره هاء (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) : هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

قال إمام الشَّارحين: (وهذا معلق وموقوف، أمَّا التعليق؛ فقوله: «قال: قال علي بن عبد الله» ، ففاعل «قال» الأول: هو البخاري، وفاعل «قال» الثاني: ظاهر وهو شيخه علي ابن المديني، وأمَّا الوقف؛ فإن أنسًا لم يرفعه) انتهى.

(قَالَ) ؛ أي: ميمون لأنس، ولأبوي ذر والوقت: (فقال) ، وسقطت هذه الكلمة عند الأصيلي: (يَا بَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، أصله: يا أبا حمزة، فحذفت الهمزة للتخفيف، وأبو حمزة كنية أنس بن مالك؛ (وَمَا يُحَرِّمُ) ؛ بالتشديد من التحريم، وكلمة (ما) : استفهامية، وهو بواو العطف على شيء محذوف، كأنه سأل عن شيء قبل هذا، ثم قال: (وما يحرم) ، ولم تقع الواو في رواية الأصيلي وكريمة، قاله إمام الشَّارحين.

وقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر؛ حيث زعم أن الواو استئنافية.

ورده إمام الشَّارحين (فقال: الاستئناف كلام مبتدأ، وحينئذ لا يبقى مقول لـ «قال» ، فيحتاج إلى تقدير) انتهى.

قلت: والقاعدة: أنه إذا اجتمع التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين، على أن الكلام متعلق بما قبله؛ فلا وجه لجعله استئنافًا؛ فافهم

(دَمَ الْعَبْدِ) أي: الرجل المسلم (وَمَالَهُ؟) ؛ يعني: ما يدخل دم المسلم وماله في العصمة حتى لا يجوز التعرض له بسوء بغير حق، وإنما وصف المسلم بالعبودية؛ لأنها أشرف المقامات، ولهذا اختارها تعالى لنبيِّه الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] ؛ فافهم.

(فَقَالَ) أي: أنس بن مالك لميمون: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وحده لا شريك له، في ألوهيته بذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بأن أقر بذلك وصدق، (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) أي: طلب التوجه لقبلتنا؛ وهي الكعبة، (وَصَلَّى صَلَاتَنَا) أي: بالركوع والسجود والقعود، (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا) ؛ أي: المذبوحة بأيدي المسلمين، فإن اليهود لا تأكل ذبيحة المسلمين؛ (فَهُوَ الْمُسْلِمُ) حقًّا فيحرم دمه وماله إلا بحق؛ يعني: من فعل هؤلاء الثلاثة؛ فهو معصوم الدم والمال إلا بحقها، (لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) أي: من النفع، (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ) ؛ أي: من المضرة،

[ص 520]

والتقديم يفيد الحصر؛ أي: له ذلك لا لغيره، كذا قاله إمام الشَّارحين.

ثم قال:(فإن قلت: الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، والسؤال هنا عن سبب التحريم، فالجواب كيف يطابقه؟

قلت: المطابقة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: «من شهد ... » إلى آخره: هو الجواب وزيادة؛ لأنَّه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها؛ علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه)انتهى.

قلت: وأمَّا طائفة الدروز المشهورين بديارنا الشريفة الشامية المعتقدين الحلول والتناسخ؛ فأفتى الإمام المحقق شيخ الإسلام حامد أفندي العمادي بإباحة دمهم ومالهم، واسترقاق نسائهم وذراريهم، وبذلك أفتى جدي الإمام النحرير شيخ الإسلام زين الدين أفندي بن سلطان الحنفي، وتبعه جماعة من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقد رأيت فتوى بذلك عليها خطوطهم التمسها الوزير الأعظم حين دخل الشام وعصوا عليه، فقاتلهم وانتصر عليهم، وإلى الآن أشرارهم قائمة، وفتنهم دائمة، اللهم؛ أهلكهم ولا تبق [1] لهم أثرًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

393# (وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم المصري: (أخبرنا يحيى) زاد الأربعة: (ابن أيوب الغافقي) : هو المصري (قال: حدثنا حُميد) ؛ بضم الحاء المهملة: هو الطويل التابعي، ولابن عساكر: (وقال محمد) ؛ أي: المؤلف: (قال ابن أبي مريم: حدثني) ؛ بالإفراد (حميد) (قال: حدثنا أنس) : هو ابن مالك الأنصاري رضي الله عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) .

قال إمام الشَّارحين: (هذا أيضًا معلق، وقد وصله أبو نعيم، وفي هذا فائدة: وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس، لكن طعن فيه الإسماعيلي، وقال: الحديث حديث ميمون، وإنما سمعه حميد منه، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: «عن حميد: حدثنا أنس» ، ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي، عن حميد، عن ميمون قال: سألت أنسًا ... ؛ الحديث) انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال:(رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدًا لم يسمعه من أنس؛ لأنَّه يجوز أن يكون سمعه من أنس، ثم استثبته فيه من ميمون، فكأنه تارة يحدث به عن أنس؛ لأجل العلوِّ، وتارة عن ميمون؛ للاستثبات، وقد جرى عادة حميد وغيره بهذا الطريق.

فإن قلت: جاء عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ، وجاء عن ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم» ، وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟

قلت: إنَّما اختلفت هذه الألفاظ وزادت ونقصت؛ لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئًا فشيئًا، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه، فصار كل منها في زمانه شرطًا لحقن الدم وحرمة المال، ولا منافاة بين الروايات ولا اختلاف)انتهى.

قلت: وقد قدمنا أن حديث أبي هريرة محمول على أنه عليه السَّلام قاله وقت قتاله للمشركين، وحديث ابن عمر محمول على أهل الكتاب المقرين بالتوحيد، الجاحدين لنبوة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على من دخل في الإسلام، ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتل حتى يذعن لذلك؛ فافهم، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (ولا تبقي) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت