[حديث: كان رسول الله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر]
399# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن رجَاء) ؛ بالمد مع تخفيف الجيم: هو البصري الغُداني؛ بضم الغين المعجمة (قال: حدثنا) وللأربعة: (حدثني) ؛ بالإفراد (إسرائيل) : هو ابن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، (عن) جده (أبي إسحاق) : هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي الهمداني التابعي، لا يقال: إنه مدلس؛ لأنَّا نقول: إن المؤلف ساقه في (التفسير) من طريق الثوري بلفظ: (عن أبي إسحاق: سمعت البراء) (عن البَراء) ؛ بفتح الموحدة، والراء المخففة (بن عازب) : هو أبو عمرو أو أبو عامر الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، الصحابي الجليل رضي الله عنه، وسقط: (ابن عازب) للأصيلي، (قال: كان رسول الله) : وللأصيلي: (النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) : إفادة (كان) الدوام والاستمرار (صلَّى نحو) أي: جهة (بيت المَقْدس) ؛ بفتح الميم، وسكون القاف، مصدر ميمي؛ كالمرجع، وذلك بالمدينة المنورة (ستة عشر شهرًا) : من الهجرة على الأصح، كذا زعمه النووي، (أو سبعة عشر شهرًا) : هو الصحيح، وهو قول أبي إسحاق، وابن المسيب، ومالك بن أنس، والشك من البراء، وكذا وقع الشك عند المؤلف في رواية زهير وأبي نعيم، ورواه أبو عوانة في «صحيحه» من رواية أبي نعيم، فقال: (ستة عشر شهرًا) من غير شك، وكذا في رواية مسلم من رواية الأحوص، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة، ووقع في رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: (سبعة عشر شهرًا) ، كذا قاله الشَّارح، ثم قال: والجمع بينهما أن من جزم بـ (ستة عشر) ؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بـ (سبعة عشر شهرًا) ؛ عدهما معًا، ومن شك؛ تردد فيهما، وذلك أن قدومه عليه السَّلام المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: (سبعة عشر شهرًا، وثلاثة أيام) ، وهو مبني على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول، وقال ابن حبيب: (كان التحويل في نصف شعبان) ، وهو الذي نقله النووي وأقره، ورجح في «شرح مسلم» رواية: (ستة عشر شهرًا) ؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلا إن ألغي شهرا القدوم والتحويل؛ فافهم.
وجاءت فيه روايات أخرى، ففي «سنن أبي داود» و «ابن ماجه» : (ثمانية عشر شهرًا) ، وزعم الطبري (ثلاثة عشر شهرًا) ، وفي رواية: (سنتين) ، وأغرب منهما: (تسعة أشهر، وعشرة أشهر) ، وهما شاذتان، انتهى.
وزعم الطبري أن صلاته عليه السَّلام كذلك كانت بأمر الله تعالى له، انتهى.
قلت: ويحتمل أنها كانت عن اجتهاد منه عليه السَّلام، وفي حديث الطبري من طريق ابن جريج قال: (أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة) ، وفي حديث ابن عباس عند أحمد من وجه آخر: (أنه عليه السَّلام كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه) .
قلت: ويجمع بينهما بحمل صلاته في المدينة على الاستمرار باستقبال بيت المقدس، كذا قيل، وفيه نظر، وقد صرح في حديث الطبري بطريق الجمع بين حديث الباب وحديث ابن عباس؛ فافهم.
(وكان رسول الله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحب أن يُوجَه) ؛ بضم أوله، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يؤمر بالتوجه (إلى الكعبة) وفي حديث ابن عباس عند الطبري: (وكان يدعو وينظر إلى السماء) .
قلت: روي: أنه عليه السَّلام قال لجبريل: «وددت لو أن الله يصرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها» ، فقال: إنَّما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل عليه السَّلام يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي يسأل ربه، (فأنزل الله عز وجل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} ) ؛ أي: تردد وجهك في جهة السماء؛ تطلُّعًا للوحي، وقيل: معناه: تحول وجهك إلى السماء، فيكون قوله: {فِي السَّمَاءِ} متعلقًا بقوله: {تَقَلُّبَ} ؛ بتقدير: في النظر إلى السماء، وكان الظاهر أن يقول: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، إلا أن تقلب الوجه لمَّا كان أبلغ في انتظار الوحي؛ كان ما عليه النظم أبلغ، وكلمة (قد) : للتكثير؛ ومعناها: كثرة الرؤية؛ لأجل طلب مقصوده، قال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 144] : اصرفه شطر المسجد الحرام؛ أي: نحوه، والمراد به: الكعبة، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة؛ لأنَّه عليه السَّلام كان في المدينة، والبعيد عنها يكفيه مراعاة الجهة، (فتوجه) عليه السَّلام بعد نزول الآية (نحو الكعبة) ؛ أي: جهتها، وإنما كان يحب أن يوجه إليها؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وأسبق القبلتين بالنسبة إلى أهل الإسلام، ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنَّها كانت مفخرةً لهم، وأمنًا، ومزارًا، ومطافًا، ولأجل مخالفة اليهود؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا، ثم يتبع قبلتنا، ولولا نحن؛ لم يدر أين يستقبل؟ فعند ذلك كره عليه السَّلام أن يوجه إلى قبلتهم، فحقق الله تعالى رجاءه صلَّى الله عليه وسلَّم.
(وقال السفهاء من الناس) ونزول آية: {قَدْ نَرَى} متقدمة في النزول على قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] ، ذكره القرطبي (وهم اليهود) : هذا تفسير من البراء بن عازب، ومثله روي عن ابن عباس رضي الله عنهم، وقال الحسن: (هم مشركو العرب) ، وقال السدي: (هم المنافقون) ، ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ لأنَّ كل واحد منهم من هؤلاء الفرق سفهاء طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فالظاهر إبقاء اللفظ على عمومه، وقد وصف الله تعالى هؤلاء الفرق بالسفاهة في قوله تعالى: وَمَن يَرْغَبُ
[ص 529]
عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130] ؛ أي: أذلها بالجهل والإعراض عن النظر، فإنه لا شك أن كل فرقة منهم راغبون عن ملة إبراهيم، فيكونون سفهاء، فكأنه قال: هؤلاء الراغبون عن ملة إبراهيم قالوا عند إيجاب التوجه إلى الكعبة: ( {مَا وَلاَّهُمْ} ) ؛ أي: ما حولهم وصرفهم ( {عَن قِبْلَتِهِمُ الَتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ) ؛ أي: التي كانوا على التوجه إليها، وهي بيت المقدس، وكلمة (ما) في {مَا وَلاَّهُمْ} : استفهامية مرفوعة المحل على الابتداء، و {وَلاَّهُمْ} : خبره، والجملة في موضع النصب بالقول، يقال: تولى عن ذلك؛ أي: انصرف، وولاه غيره؛ أي: صرفه، والقِبْلة: فعلة، وقد اشتهر أن الفِعلة: للمرة، والفَعلة: للحال؛ كالجِلسة والقَعدة، نقله في عرف الشرع إلى الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وسميت قِبْلة؛ لأنَّ المصلي يقابلها وهي تقابله؛ فافهم.
وإنما قال اليهود ذلك؛ بناءً على أنَّهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام، لما زعموا أن نسخها بمعنى البداء، والرجوع عنها بداء، وذلك محال في حق الله تعالى؛ لعلمه بعواقب الأمور، والبداء والرجوع في الشاهد مبني على الجهل بالعواقب؛ كمن بنى بناء، ثم نقضه بما يبدوويظهر له أنه مخطئ وغالط في الفَرض الذي بنى بناءه عليه، واليهود إنَّما قالوا ذلك _وذهبوا إلى امتناع أن ينسخ الله حكمًا مما شرعه أولًا_؛ لجهلهم بتفسير النسخ وحده، ولو عرفوه؛ لما نفوه، فإن النسخ عبارة عن انتهاء الحكم إلى وقت معين؛ لانتهاء المصلحة التي شرع الحكم لها، وبيان حكم جديد لمصلحة أخرى في وقت آخر مع بقاء الحكم الأول مشروعًا، ومصلحة وقت كونه مشروعًا وليس فيه ما فهمته اليهود، وأمَّا المشركون والمنافقون؛ فإنما قالوا ذلك من حيث إنهم أعداء الدين، والأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا؛ لم يتركوا مقالًا، فمنهم من يقول: ما بالهم كانوا على قبلة، ثم تركوها مع أن الجهات لمَّا كانت متساوية في جميع الصفات؛ كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى مجرد عبث، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم؟ وقال المنافقون: اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده؛ فلذلك توجه إليه، وقال آخرون: تحير في دينه؛ حيث لم يثبت على دين، وقال ابن عباس: لمَّا حولت القبلة؛ جاءت جماعة من اليهود، وقالوا: يا محمد؛ ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ فكن على بيت المقدس؛ نتبعك ونصدقك، وأرادوا بذلك فتنة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فسماهم الله تعالى: سفهاء؛ لأنَّهم كانوا نوافل إبراهيم والكعبة بناؤه، وقبلة إسماعيل، ومع ذلك رغبوا عنها قبل، كان موسى عليه السَّلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، فهي قبلة الأنبياء كلهم عليهم السلام.
( {قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ) ؛ يعني: أن الأمكنة كلها والنواحي بأسرها لله تعالى ملكًا وتصريفًا، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه، وشيء من الجهات إنَّما يصير قبلة لمجرد أن الله تعالى أمر بالتوجه إليه، فله أن يأمر كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب الألوهية ونفوذ قدرته ومشيئته {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] ، ولعل الوجه في التعبير عن جميع النواحي والأطراف بالمشرق والمغرب أن الشمس بحسب اختلاف حركاتها، وتبدل مطالعها ومغاربها متناولة لأكثر النواحي والجهات، فأقيم الأكثر مقام الكل، كذا قيل، فاتبع اليهود هوى أنفسهم، واستقبلوا المغرب، واتخذوها قبلة، وزعموا أن موسى عليه السَّلام كان في المغرب حينما أكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه، كما قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} [القصص: 44] ، واتبع النصارى هوى أنفسهم أيضًا، واستقبلوا المشرق، واتخذوا جهته قبلة، وزعموا أن مريم حين خرجت من بلدها؛ مالت إلى الشرق، كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16] ، والمؤمنون استقبلوا الكعبة؛ طاعة لله تعالى وامتثالًا لأمره، لا ترجيحًا لبعض الجهات المتساوية على بعض بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل الله تعالى ورسوله، ومولد حبيبه عليه السَّلام.
( {يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ) [البقرة: 142] : وهو توجه العباد إلى الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ووجه استقامته كونه مشتملًا على الحكمة والمصلحة موافقًا لما هداهم الله إليه بأن أمرهم بذلك، وأوجبه عليهم؛ فافهم.
(فصلى) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة العصر؛ لقول البراء بن عازب في باب (الصلاة من الإيمان) : (وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ... ) ؛ الحديث، وصلى (مع النبيِّ) الأعظم) (صلَّى الله عليه وسلَّم رجل) اسمه عباد بن نَهِيك _بفتح النون، وكسر الهاء_ قاله أبو عمرو، أو عباد بن بشر بن قيظي، قاله ابن بشكوال، وفي رواية باب (الصلاة من الإيمان) : (وصلى معه قوم) (ثم خرج) أي: الرجل (بعدما صلى) وكلمة (ما) إما مصدرية أو موصولة؛ أي: بعد صلاته أو بعد الذي صلى؛ أي: انصرف من صلاته، واستقبال القبلة، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (فصلى مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رجال) ؛ بالجمع.
قال الكرماني: (فصلى) : هذه الرواية يرجع الضمير في قوله: (ثم خرج) إلى ما دل عليه (رجال) ، وهو مفرد، أو معناه: ثم خرج خارج.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (بل معناه على هذه الرواية: ثم خرج خارج منهم، فيكون الفاعل محذوفًا) انتهى.
(فمر) أي: ذلك الرجل في طريقه (على قوم من الأنصار) : من بني حارثة، وهم أهل مسجد يعرف الآن بمسجد القبلتين (في صلاة العصر) وكأنه عليه السَّلام صلى العصر في أول وقتها، وهؤلاء القوم صلوا العصر في آخر وقتها المستحب، فلا منافاة؛ فافهم.
(نحو) أي: جهة (بيت المَقْدس) : مصدر ميمي؛ كالمَرْجع، وفي رواية الكشميهني: (في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس) ، وفي الرواية السابقة:
[ص 530]
(وهم راكعون) ؛ يعني: حقيقة، أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، (فقال) أي: الرجل: (هو يشهد) : أراد به نفسه، ولكن عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد، باب جرد من نفسه شخصًا، أو على طريقة الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى، ويؤيده الرواية في باب (الإيمان) بلفظ: (أشهد) (أنَّه صلى) أي: العصر (مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ أي: بالمدينة، (وأنَّه) عليه السَّلام (توجه) في صلاته (نحو) جهة (الكعبة) وللأربعة: (وأنَّه نحو الكعبة) ، (فتحرف القوم) : الذين صلُّوا العصر نحو بيت المقدس (حتى) أي: إلى أن (توجهوا) [1] ؛ أي: في استدارتهم (نحو) أي: جهة (الكعبة) وهم في صلاتهم، فأتموها لجهة الكعبة.
ففيه: المطابقة للترجمة حيث توجه نحو الكعبة التي استقرت قبلة أبدًا في أي حالة كان المصلي صلاة الفرض.
وفيه: جواز التحري والاجتهاد في أمر القبلة، فلو تحرى لجهة وشرع في الصلاة، ثم تبدل اجتهاده وهو في الصلاة لجهة أخرى؛ استدار وأتم صلاته، ولو صلى الظهر مثلًا كل ركعة إلى جهة بالتحري؛ جازت صلاته، كما لا يخفى.
وفيه: بيان شرف النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وكرامته على ربه؛ حيث أعطاه ما أحب واختار.
وفي الحديث: أنه عليه السَّلام صلى العصر، ويدل عليه الرواية في الباب السابق، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر؛ أي: متوجهًا للكعبة، وعند ابن سعد في «الطبقات» : (أنه عليه السَّلام صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون) ، وعند ابن سعد: (أنه عليه السَّلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى عليه السَّلام لأصحابه ركعتين، ثم أمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي: مسجد القبلتين) .
قلت: والظاهر من هذا أنه عليه السَّلام وقع له ذلك مرات متعددة، ويحتمل أنه عليه السَّلام صلى الظهر في آخر وقتها، أو قدم صلاة العصر على وقتها المستحب، فالراوي رآه يصلي صلاة الظهر قرب العصر، فظن أنها العصر، فعبر بما رآه، أو رآه يصلي في أول وقت العصر مقدمها على وقتها المستحب، فظن أنها العصر، فعبر عنها، ويحتمل أنه عليه السَّلام صلى في بيت أم بشر ناسيًا، فأمر بالاستقبال، وقول ابن سعد عن الواقدي: (صلاة الظهر أثبت عندنا) ؛ ليس بشيء بعد تصريح الإمام البخاري في باب (الصلاة) عن البراء: (أنه عليه السَّلام صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر) ؛ أي: متوجهًا إلى الكعبة، ولا شك أن ذلك أثبت؛ لأنَّ صاحب الدار أدرى؛ فليحفظ.
وجاء في رواية ابن عمر في «البخاري» ، و «مسلم» ، و «النسائي» : (أنه عليه السَّلام صلى الصبح) ، قال إمام الشَّارحين: (والتوفيق بينها وبين رواية الباب أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني؛ لأنَّهم كانوا خارجين عن المدينة؛ لأنَّ قباء من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها) انتهى.
وفيه: جواز نسخ الأحكام عند الجمهور إلا طائفة لا يقولون به، ولا يعبأ بهم؛ لموافقتهم لليهود، واختلف في صلاته عليه السَّلام إلى بيت المقدس وهو بالمدينة كمكة؛ فقال جماعة: لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، ثم لما قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثم نسخ، وزعم البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] ؛ أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر؛ أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفًا لليهود، وقال قوم: كان لبيت المقدس، وفي حديث عند ابن ماجه: (صلينا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين) ، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وكذلك في المدينة، فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس؛ فافهم.
وفي الحديث: دليل على نسخ السنة بالقرآن عند الإمام الأعظم والجمهور، وهو حجة على الشافعي؛ حيث منعه.
وفيه: دليل على قبول خبر الواحد.
وفيه: وجوب الصلاة إلى القبلة، وتقرر الإجماع على أنها الكعبة.
وفيه: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين أو جهات، كما قدمنا.
وفيه: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، وفي هذا الباب أبحاث تقدمت [2] في باب (الصلاة من الإيمان) ، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (توجوا) ، وليس بصحيح.