فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 860

[حديث: البزاق في المسجد خطيئة]

415# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم) ؛ بالمدِّ: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج (قال: حدثنا قتادة) : هو ابن دعامة التابعي المفسر (قال: سمعت أنس بن مالك) هو الأنصاري: أنَّه (قال: قال النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) والجملة فعلية محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) (البُزَاق) ؛ بضمِّ الموحَّدة، وفتح الزاي؛ ما يخرج من الفم (في المسجد) الألف واللام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد، ومثله مصلَّى الجنازة والعيدين.

قال إمام الشَّارحين: (وهو ظرف للفعل، فلا يُشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه؛ تناوله النهي) انتهى.

قلت: لأنَّه حينئذٍ يصدق عليه أنه بصق في المسجد، وفي رواية مسلم: (التفل في المسجد) ؛ بالمثناة الفوقية، وفي رواية أبي داود: (وكفَّارته أن تواريه) ؛ أي: تغيِّبه؛ يعني: تدفنه (خطيئة) ؛ أي: إثم، وأصلها بالهمزة، ولكن يجوز تشديد التحتية، قاله إمامنا الشَّارح.

قلت: فأفاد أن الرواية بالهمز، ويجوز التشديد؛ فافهم.

(وكفَّارتها) أي: الخطيئة (دفنها) ؛ أي: في تراب المسجد، ورمله، وحصائه إن كانت هذه الأشياء فيه، وإلا؛ فيخرجه، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من دخل هذا المسجد، فبزق فيه أو تنخَّم؛ فليحفر فليدفنه، فإن لم يفعل؛ فليبزق في ثوبه، ثم ليخرج به» ، وقوله: «فإن لم يفعل» ؛ أي: فإن لم يحفر أو لم يمكن الحفر؛ فليبزق في ثوبه، وروى الطبراني في «الأوسط» عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفَّارته دفنه» ، وإسناده ضعيف، وزعم النووي أن هذا في غير المسجد، وأما المصلِّي في المسجد؛ فلا يبزق إلا في ثوبه.

قلت: وما زعمه مخالف لصريح الأحاديث، ولهذا قال القاضي عياض: (البزاق إنَّما يكون خطيئة إن لم يدفنه، فمن أراد دفنه؛ فليس بخطيئة) .

قال إمام الشَّارحين: (ويرد على ما زعمه النووي أحاديث كثيرة، وكلها تدل على أن ذلك كان في المسجد، فقد روى أحمد في «مسنده» من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا بإسناد حسن: «من تنخَّم في المسجد؛ فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فيؤذيه» ، وروى أحمد أيضًا والطبراني بإسنادٍ حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «من تنخَّع في المسجد، فلم يدفنه؛ فسيِّئة، وإن دفنه؛ فحسنة» ، وفي حديث أبي ذرٍّ عند مسلم: «وجدت في مساوئ أعمال أمتي النُّخامة تكون في المسجد لا تدفن» ، قال القرطبي: «فلم يثبت لها حكم السيِّئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل فيه وبتركها غير مدفونة» ، وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة: أنه تنخَّم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم تكتب عَلَيَّ خطيئة) انتهى.

قلت:

[ص 554]

وكأن النووي لم يطلع على هذه الأحاديث حتى قال هذا الكلام المخالف لصريح الأحاديث الواردة في ذلك، وزعم القسطلاني أن حاصل النزاع بين النووي والقاضي عياض: أن ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله: «البزاق في المسجد خطيئة» ، وقوله: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه» ، فالنووي يجعل الأول عامًّا، ويَخصُّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي عياض يجعل الثاني عامًّا، ويَخصُّ الأول بمن لم يرد دفنها، وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر؛ كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر) انتهى.

قلت: وما زعمه ممنوع، فإنَّه ليس ههنا عمومان متعارضان ولا متفقان، فإن قوله: «البزاق في المسجد خطيئة» ليس عامًّا، بل هو خاص بمن كان يبزق في المسجد، فإنَّه صريح الحديث؛ بدليل قوله: «وكفَّارتها دفنها» ، ولهذا ترجم المؤلف بـ (باب كفَّارة البزاق في المسجد) ، وإنَّ قوله عليه السَّلام: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه» عامٌّ في جميع الأحوال، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، ومثله عن معاذ بن جبل، ونهى عنه مطلقًا عمر بن عبد العزيز، ويؤيده الأحاديث السابقة عند أحمد والطبراني وغيرهما؛ فليحفظ.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفيه التصريح بسماع قتادة عن أبي هريرة، فانتفى تدليسه؛ فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت