[حديث: أن رسول الله سَابَق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء]
420# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) : هو التنيسي الكلاعي الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع) : هو مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر) : هو ابن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما: (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سابق) من المسابقة؛ وهي السبق الذي يشترك فيه الاثنان، وباب المفاعلة يقتضي ذلك (بين الخيل) على حُلَل أتته من اليمن، فأعطى السابق: ثلاث حلل، وأعطى المُصلِّي: حُلتين، والثالث: حلة، والرابع: دينارًا، والخامس: درهمًا، والسادس: فضة، وقال: «بارك الله فيك وفي كلكم [1] ، وفي السابق، والفِسْكِل» ، وهو بكسر الفاء والكاف، وسكون المهملة، آخره لام؛ الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل، قاله ابن التين (التي أُضمرت) ؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، من الإضمار، يقال: ضمر الفرس _بالفتح_ وأضمرته أنا، والضُّمْر _بضمِّ الضاد المعجمة، وسكون الميم_: الهزال، وكذلك الضمور، وتضمير الفرس: أن يعلف حتى يسمن، ثم يرده إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا.
وفي «النهاية» : (وتضمير الفرس: هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا؛ لتنحف، وقيل: تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها، فيذهب رهلها، ويشتد لحمها، ورَهَلَها _بفتح الراء والهاء واللام_ من رهِل لحمه؛ بالكسر: اضطرب واسترخى، قاله الجوهري، والمضمر: الذي يضمر خيله لغزو أو سباق، والمضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل، ويكون وقتًا للأيام التي تضمر فيها) ، قاله إمام الشَّارحين.
(من الحَفْياء) ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، وبالتحتية، والألف ممدودة، قال السفاقسي: (وربما قرئ بضمِّ الحاء مع القصر، وقدم بعضهم الياء على الفاء؛ وهو اسم موضع بقرب المدينة، والخيل التي أضمرت هي التي كانت المسابقة [2] بينها، وكان فرس النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بينها يسمى: السَّكْبَ_بتشديد السين المهملة، وسكون الكاف، وفتح الباء الموحدة_ وكان أغر محجلًا، طلق اليمين، له مسحة، وهو أول فرس مَلَكه، وأول فرس غزا عليه، واشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي: الضرس، فسماه عليه السَّلام السَّكْب، وسابق عليه فسبق، وفرح به، وهو أول فرس سابق عليه فسبق، وفرح المسلمون به) ، قاله إمام الشَّارحين.
(وأَمَدها) بفتح الهمزة والميم؛ أي: غايتها (ثنية الوَداع) ؛ بفتح الواو، عند المدينة، وبينها وبين الحفياء خمسة أميال أو ستة أو سبعة، وسميت بذلك؛ لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها، والثنية لغة: الطريقة إلى العقيقة، واللام فيه للعهد، كذا في «عمدة القاري» .
(وسابق) عليه السَّلام أيضًا (بين الخيل التي لم تُضَمَّر) ؛ بضمِّ المثناة الفوقية، وفتح الضاد المعجمة، وتشديد الميم المفتوحة، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية: بضمِّ المثناة، وسكون الضاد، وتخفيف الميم؛ يعني: لم تجلل عليها؛ ليكثر عرقها، ويقوى لحمها، بل كانت كعادتها، وليس المراد منه: أنها مهزولة، بل هي متوسطة في السمن؛ فافهم.
(من الثنية) ؛ بالمثلثة، والنون، والتحتية؛ هي الموضع المذكور آنفًا (إلى مسجد بني زُرَيْق) ؛ بضمِّ الزاي المعجمة، وفتح الراء، وسكون التحتية، آخره قاف، وبنو زريق بن عامر بن حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وإضافة المسجد إليهم إضافة تمييز وتعريف؛ حيث إنَّهم بنوه لا للملك، كما تقدم، وهذا موضع المطابقة للترجمة.
وقال صاحب «التوضيح» : (بنو زريق بطن من الخوارج) ، ورده إمام الشَّارحين فقال: (تفسيره بهذا ههنا غلط، والصحيح هو الذي ذكرناه) انتهى.
قلت: والظاهر أن قوله: (من الخوارج) تحريف من الناسخ، فزاد الألف، وأبدل الراء واوًا، فإنَّه قريب التصحيف؛ فافهم.
وقوله: (وأن) بفتح الهمزة (عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب (كان فيمن سابق بها) ؛ أي: بالخيل أو بهذه المسابقة، كذا
[ص 560]
قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.
قلت: والظاهر أن يقال بها؛ أي: بالخيل التي لم تضمر؛ لأنَّها أقرب مذكور؛ فافهم، يجوز أن يكون مقول ابن عمر بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة، كما تقول عن نفسك: العبد فعل كذا، ويجوز أن يكون مقول نافع، انتهى.
قلت: والظاهر الثاني، فإن المسابقة على الخيل التي لم تضمر يدل على قوة راكبها وشجاعته، ولهذا كان عليه السَّلام يسابق على الخيل التي لم تضمر وعلى التي أضمرت، وإن المسابقة على التي أضمرت يدل على قوة نفس الخيل وشدتها، فالمسابقة على التي لم تضمر أبلغ وأشد في القوة والشجاعة، فإن الدابة قوية بقوة راكبها؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دليل على جواز المسابقة بين الخيول، وجواز تضميرها وتمرينها على الجري، وإعدائها لذلك؛ لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرًّا وفرًّا، وهذا بالإجماع، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ... } ؛ الآية [الأنفال: 60] ، وكان الجاهلية يفعلونها، فأقرها الإسلام، ولا يختص جوازها بالخيل خلافًا لقوم، والحديث محمول على ما إذا كان بغير رهان، والفقهاء شرطوا فيها شروطًا، منها: جواز الرهان من جانب واحد، وأمَّا من الجانبين؛ فقمار إلا بمحلل، وقد علم في موضعه، وليس في الحديث دلالة على جواز ذلك، ولا على منعه، وفيه: تجويع البهائم على وجه الصلاح، وليس من باب التعذيب، وفيه: بيان الغاية مقدار أمدها، وفيه: جواز إضافة المسجد إلى بانيه أو إلى مصلٍّ فيه، كما ذكرناه، وكذلك يجوز إضافة أعمال البر إلى أربابها، ونسبتها إليهم، وليس في ذلك تزكية لهم) انتهى.
[1] في الأصل: (كلمكم) .
[2] تكرر في الأصل: (المسابقة) .
[1] في الأصل: (كلمكم) .
[1] في الأصل: (كلمكم) .