[حديث: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا]
434# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد) : غير منسوب، وفي رواية ابن عساكر: (محمد بن سلَام) ؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وعزاها صاحب «عمدة القاري» لابن السكن؛ فإنَّه صرَّح به في روايته (قال أخبرنا) ؛ بالجمع، وللأصيلي بالإفراد (عَبْدة) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة آخره هاء، هو لقبه، واسمه عبد الرحمن بن سليمان، (عن هِشام بن عُروة) ؛ بكسر الهاء في الأول، وضم العين المهملة في الثاني، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما: (أن أم سَلَمة) ؛ بفتح الهمزة في «أن» ، وفتح المهملات في «سلمة» ؛ أم المؤمنين، واسمها: هند _على الأصح_ بنت أبي أمية المخزومية، هاجر بها زوجها إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة؛ مات زوجها، فتزوجها النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.
(ذكرتْ) بتاء التأنيث (لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كَنيسة) ؛ بفتح الكاف: معبد اليهود، ويقال لها: صِلاة؛ بكسر الصاد المهملة، ويقال: إنَّها معبد النصارى (رأتها) ؛ أي: أم سلمة، (بأرض الحبشة) حين كانت مع زوجها الأول أبو سلمة هناك (يقال لها) ؛ أي: لتلك الكنيسة، و «يُقال» ؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول: (مارِيةُ) ؛ بتخفيف الراء والتحتية: النقرة، وبتشديدها: القطاة الملساء، قاله إمام الشارحين، وهي بالرفع نائب فاعل «يقال» .
(فذكرتْ) أي: أم سلمة (له) أي: للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (ما رأت فيها) أي: في الكنيسة (من الصور) ؛ أي: التماثيل المصورة، (فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: لها: (أولئكِ) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث، ويجوز فتحها (قوم) ؛ أي: من النصارى، (إذا مات فيهم العبد الصالح) ؛ أي: من نبي أو غيره، (أو الرجل الصالح) : كذلك، وكلمة «أو» للشك من الراوي، والظاهر: أنَّه من هشام؛ (بنوا على قبره مسجدًا) هذا جواب كلمة «إذا» ، (وصوروا فيه) أي: في المسجد (تلكِ الصور) ؛ باللام، وفي رواية: «تيكِ» ؛ بفوقية ثم تحتية، بدل اللام، والكاف فيهما مكسورة، ويجوز فتحها؛ أي: لأجل
[ص 602]
أن يتذكروا عبادته، فيجتهدوا في العبادة.
وقال القرطبي: (وذكر أنَّها صور الأنبياء عليهم السلام والعلماء، وكانت تصوَّر في المساجد؛ ليراها الناس؛ فيزدادوا عبادة واجتهادًا) .
(أولئكَِ) ؛ بكسر الكاف وفتحها (شِرار الخلق عند الله) ؛ بكسر الشين المعجمة، جمع (الشر) ؛ كالخيار جمع (الخير) ، والتجار جمع (التجر) ، وأما الأشرار؛ فقال يونس: (واحدها شر) ، أيضًا قال الأخفش: (شرِّير مثل يتيم وأيتام) .
قال القرطبي: (إنَّما صوَّروا أوائلهم الصور؛ ليتأنَّسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة؛ فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خَلَف من بعدهم خلوف وجهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان: إنَّأسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسد الذرائع في قبره عليه السَّلام) .
وكان ذلك في مرض موته؛ إشارة إلى أنَّه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده، ولمَّا احتاجت الصَّحابة والتَّابعون رضي الله عنهم إلى زيادة مسجده عليه السَّلام؛ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلَّا يصلِّ إليه العوام، فيؤدِّي إلى ذلك المحذور، ثمَّ بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر، انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: «بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور» ؛ لأنَّ الباب معقود في الصلاة في البيعة، وقد مرَّ أنَّها تكره الصلاة في البيعة إذا كانت فيها الصور) انتهى.
وزعم العجلوني والقسطلاني تبعًا لابن حجر أن وجه المطابقة في قوله: (بنوا على قبره مسجدًا) ؛ فإن فيه الإشارة إلى نهي المسلم عن أن يصلي في الكنيسة؛ فيتخذها بصلاته مسجدًا، انتهى.
قلت: وهو قاصر؛ لأنَّ الباب معقود؛ لبيان جواز الصلاة في البيعة، مع عدم الكراهة إذا لم يكن فيها صور، وليس المراد منه النهي عن أن يتخذ المسلم الكنيسة بصلاته مسجدًا، فإنَّه لو كان كما قالوا؛ فلا دلالة في الحديث على الترجمة، فما قاله إمام الشَّارحين هو الصواب.
وفي الحديث: كراهة الصلاة في الكنيسة، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومثلها البيعة، وبه قال الشافعية، وزعم الحنابلة أنَّ الصلاة غير مكروهة، والحديث حجة عليهم، وفيه النهي عن فعل التصاوير، وأنَّه حرام، سواء كان في حيوان أو غيره.
وفيه: منع بناء المساجد على القبور، وفيه: ذم فاعل المحرمات، وفيه: جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وفيه: أنَّ الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
ومقتضى الأحاديث تدل على أنَّ الصور ممنوعة، ثم جاء: (إلا ما كان رقمًا في ثوب) ؛ فخُصَّ من جملة الصور، ثم تثبت الكراهة فيه بقوله عليه السَّلام لعائشة في الثوب: «أخِّريه عني» ، وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» : وهو يدلُّ على المنع من التصوير بشيء؛ أي شيء كان، ويستثنى من ذلك لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة: أنَّه عليه السَّلام تزوجها وهي بنت سبع [1] ، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع، ولُعَبُها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة، وعنها أيضًا قالت: (كنت ألعب بالبنات عند النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان عليه السَّلام إذا دخل؛ يتقمعن منه، فيسريهن إلي؛ فيلعبن معي) أخرجهما مسلم في «صحيحه» ، قال العلماء: وذلك للضرورة الداعية إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن، انتهى.
قلت: هذا أمر باق إلى يومنا هذا؛ فإن البنات يجعلن شيئًا من الخروق وغيره، ويجعلنه كالبنات ويلعبن فيه البنات؛ فهو مستثنًى من النهي للحاجة، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (تسع) ، والمثبت هو الصواب.