[حديث: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]
437# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمة) ؛ بفتح الميم واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو القعنبي المدني، (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني التابعي، (عن سعيد بن المسيّب) ؛ بفتح التحتية وكسرها، هو المدني التابعي، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي رضي الله عنه (أنَّ) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النون (رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بالنصب: اسمها، وخبرها: جملة قوله (قال: قاتل الله اليهود) ؛ أي: قتلهم الله؛ لأنَّ فَاعَل (يجيء) بمعنى فَعل أيضًا، كقولهم سافر وسارع بمعنى: سفر وسرع، ويقال: معناه: لعنهم الله، ويقال: عاداهم الله، ويقال: القتال ههنا: عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدى اللعنة واحد، وإنَّما خصص اليهود ههنا بالذكر بخلاف ما تقدم؛ لأنَّهم أسسوا هذا الاتخاذ وابتدؤوا به، واتبعتهم النصارى، فهم أظلم، أو لأنَّهم أشد غلوًّا فيه، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة، جواب سؤال سائل يقول: ما سبب قوله: قاتل الله اليهود؟ فأجاب بقوله: «اتخذوا ... » إلى آخره.
ومطابقة [1] الحديث لترجمة الباب المترجم ظاهرة مما سبق، وفيه: منع البناء على القبر؛ لأنَّ أبا داود أخرج هذا الحديث، وترجم له: (باب البناء على القبر) ، وروي أيضًا عن أحمد ابن حنبل: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سمع جابرًا يقول: (سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن يقعد على القبر وأنيقصَّص، وأن يبنى عليه) ، وأخرجه مسلم أيضًا والترمذي، وفي روايته (وأن يكتب عليها) ، والنسائي أيضًا، وفي روايته (وأن يزاد عليه) انتهى.
قلت: ففيه النهي عن القعود على القبر، ومقتضاه التحريم، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أنَّ القعود على القبر؛ لقراءة القرآن لا يكره، وكذلك وطؤها؛ لما رواه مالك في «الموطأ» : أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها، وفي «الصحيح» تعليقًا، قال نافع: (كان ابن عمر يجلس على القبور) ، ووصله الحافظ أبو جعفر الطحاوي، ثم أخرج عن زيد بن ثابت مرفوعًا قال: (وإنَّما نهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الجلوس على القبور؛ لحدث، أو بول، أو غائط، وأمَّا الجلوس لغير ذلك؛ فلم يدخل في النهي عن ذلك) ، وهذا قول الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال مالك.
وفي الحديث الذي عند أبي داود النهي عن أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ومقتضى النهي التحريم، وقد صرَّح أئمتنا الأعلام بحرمة البناء عليه، وتجصيصه؛ للزينة، وأمَّا الكتابة؛ فقال صاحب «المحيط» : (إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر، ولا يمتهن به؛ جازت، أما الكتابة من غير عذر؛ فلا) انتهى والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (مطابقته) ، وليس بصحيح.
[ص 605]