فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 860

[حديث: ضع من دينك هذا]

457# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولابن عساكر: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمَّد) هو ابن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري، المعروف بالمسندي، المتوفى يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عثمان بن عُمر) ؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن فارس البصري العبدي (قال: أخبرنا يونس) هو ابن يزيد الأيلي، (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب المدني، (عن عبد الله بن كعب بن مالك) هو الأنصاري السلمي المدني (عن كعب) ؛ أي: أبيه ابن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأنزل فيهم: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... } الآية [التوبة: 118] ، المتوفى بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عمي رضي الله عنهم: (أنه) بفتح الهمزة؛ أي: كعبًا (تقاضى) ؛ بالضَّاد المعجمة؛ أي: طالب، وهو على وزن (تفاعل) ، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قاله الشَّارح، وقوله: (ابنَ أبي حدرد) بنصب (الابن) مفعول لـ (تقاضى) ؛ لأنَّه متعد إلى مفعول واحد وهو الابن، قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان (تفاعل) من (فاعل) المتعدي إلى مفعول واحد كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد، انتهى، قلت: فقد أطلق الكرماني في محل التقييد، والمراد: الثاني، كما لا يخفى.

وقوله: (دينًا) : منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين؛ قاله الكرماني.

قال الشَّارح: إنَّما وُجِّه بهذا؛ لأنَّا قلنا أن (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، انتهى.

قلت: وعلى هذا فليس (دينًا) منصوب بـ (تقاضى) ؛ لأنَّ (تقاضى) مطاوع (قاضى) المتعدي إلى اثنينن فيتعدى لواحد، وقول «القاموس» : من تقاضاه الدين؛ بمعنى: أقبضه لا طالبه، كما ذكره المؤلف في باب (الصلح) .

وقول العجلوني: (ويجوز أن يكون بمعنى: سأله الدين، فيصح أن ينصب مفعولين) ؛ ممنوع؛ لأنَّ اللَّفظ يرده، فإن المقاضاة غير السؤال، كما لا يخفى.

واسم أبي حدرد: عبد الله بن سلامة، كما صرح به البخاري في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما بعدها، توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة، وقال الذهبي: عبد الله بن سلامة بن عُمَيْر؛ هو عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي، أُمِّر على غير سرية، وحروف (حَدْرَد) كلها مهملات، والحاء والرَّاء مفتوحتان، والدَّال ساكنة، وقال الجوهري: حدرد: اسم رجل، ولم يأت من الأسماء على «فعلع» ؛ بتكرار العين غيره، كذا في «عمدة القاري» ، قلت: وهو في الأصل: القصير، ثم جعل عَلمًا؛ فافهم.

وقوله: (كان له عليه) : جملة محلها النصب صفة لقوله: (دينًا) ؛ أي: كان لكعب على ابن أبي حدرد، وكان الدين أوقيتين، كما أخرجه الطَّبراني من طريق الزهري عن كعب: أنَّه عليه السَّلام مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له عليه السَّلام: «هكذا» ؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه» ، (في المسجد) ؛ أي: الشريف النَّبوي، والجار والمجرور متعلق بـ (تقاضى) ، قاله الشَّارح، قلت: فالألف واللَّام فيه للعهد.

وجوز العجلوني أن يكون الجار والمجرور حال من فاعله أو مفعوله أو منهما، انتهى.

قلت: الأول أظهر؛ لأنَّ ذلك صفة لازمة سيق به؛ لأجل مطابقته للتَّرجمة، أما الحال؛ فصفة غير لازمة، فكونه حالًا هنا غير ظاهر، والأظهر الأول كما لا يخفى؛ فافهم.

(فارتفعت) ؛ أي: عَلَتْ عن الأصل (أصواتهما) بالجمع، وهو فيه من قبيل قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله إمامنا الشَّارح (حتى سمعهما) ؛ أي: الرجلين باعتبار الأصوات

[ص 645]

أو باعتبار الصوتين نظرًا إلى أنَّه المراد، ويدل عليه أنَّه عند أبي ذر والأصيلي في روايتهما: (حتى سمعها) ؛ أي: الأصوات (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وقوله: (وهو) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (في بيته) جملة اسمية في محل نصب على الحال من رسول الله عليه السَّلام، (فخرج) أي: النَّبي الأعظم عليه السَّلام من بيته (إليهما) ؛ أي: إلى الرجلين؛ ليفصل بينهما، والفاء للتعقيب، وفي رواية الأعرج: (فمر بهما النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم) .

قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين؛ لأنَّ الخروج غير المرور؟ قلت: وفَّق قوم بينهما بأنَّه يحتمل أن يكون مرَّ بهما أولًا، ثم إنَّ كعبًا لما أشخص خصمه للمحاكمة فتخاصما، وارتفعت أصواتهما، فسمعها عليه السَّلام، وهو في بيته فخرج إليهما) .

واعترضه ابن حجر فزعم أن فيه بعدًا؛ لأنَّ في الطريقين أنَّه عليه السَّلام أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدم؛ لما احتاج إلى الإعادة، والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي.

وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: وقوله: «وفيه بعد» الذي استبعد هذا فقد أبعد؛ لأنَّ إعادة ذلك قد تكون للتأكيد؛ لأنَّ الوضيعة أمر مندوب، والتأكيد بها مطلوب.

وقوله: «والأولى ... » إلخ؛ إن أراد بالأمر المعنوي: الخروج؛ ففيه إخراج اللَّفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة، والأولى أن يكون اللَّفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنَّه عليه السَّلام لما سمع أصواتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، والأحاديث يُفسر بعضها بعضًا، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة، وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: (أنه عليه السَّلام مر به، وهو ملازم رجلًا [1] في أوقيتين، فقال له عليه السَّلام: «هكذا» ؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أدِّ إليه ما بقي من حقه» ) انتهى.

قلت: وهذا هو الصَّواب، وما زعمه ابن حجر باطل ممنوع.

وقوله: (فيه بُعد) ؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر الإشارة إلى كعب بالوضعية في الطريقين ألا يكون عليه السَّلام مر بهما، مع أنَّه قد ثبت في رواية الطَّبراني: (أنه عليه السَّلام مر بهما) كما ساقها إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، وإعادته عليه السَّلام الأمر له بالوضيعة ظنًّا منه عليه السَّلام باحتمال عدم الوضع؛ لأنَّ الأمر فيه للندب، فأعاده؛ للتأكيد ولخوف الغفلة والنِّسيان.

وقوله: (والأولى ... ) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يبين ما معنى هذا الأمر المعنوي؟ وكيف يحمل عليه واللَّفظ في الأحاديث صريح في المعنى الحقيقي؟! فالحمل عليه متعين؛ لأنَّه لا يعدل عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، وههنا يتعين الحمل على الحقيقي، والحمل على المعنوي هنا مخالف لصريح لفظ الأحاديث، فلا يعول عليه مع أن معناه غير ظاهر؛ فافهم.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم معترضًا على إمام الشَّارحين فقال: (أقول: لا شك في استبعاده، واحتمال التأكيد خلاف الأصل، ومراده «والأولى ... » إلى آخره؛ أي: من هذا الوجه المستبعد، وإن كان الأولى منهما بقاء اللَّفظ على حقيقته) انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، بل الصَّواب أنَّه غير بعيد عن الأفهام، والمعنى الصَّحيح الموافق للأحاديث هو ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه لم يُخلَّ بمعنًى من المعاني ويلزم على ما ذكره الزاعم فوت بعض معاني الأحاديث بدون فائدة، وكلامه عليه السلام مصان ومنزه عن عدم الفائدة.

وقوله: (واحتمال التأكيد ... ) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ التأكيد ههنا لازم؛ حيث إنَّ الأمر المذكور للندب لا للفرضية، فلو كان الأمر فرضًا؛ لا يلزم التأكيد، لكن لما كان الأمر فيه للندب؛ كان التأكيد فيه لازمًا، لاسيما أنَّه عليه السَّلام قد ظنَّ أنَّه نسي أو غفل بسبب المخاصمة، فأعاده؛ لأجل التأكيد والتذكير وغير ذلك مما يفيد إتيانه بالوضيعة.

وقوله: (ومراده ... ) إلخ؛ هذا تَنزُّلٌ منه، والمحققون قالوا: لا يجوز العدول عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا، فالحمل على المعنى الحقيقي ههنا متعين؛ لأنَّه الأصل في الكلام، والمعنى عليه في الروايات، وعلى ما زعمه الزاعم؛ يلزم منه الخلل في المعاني والألفاظ، وخلو الأحاديث عن المعنى، وهو غير جائز؛ فاجتنب ذلك ولا تكن من الغافلين، والله أعلم؛ فافهم.

(حتى كَشَفَ) ؛ بفتحات؛ أي: رفع (سِجْف) ؛ بكسر السين المهملة وفتحها، بعدها جيم ساكنة وفاء، قاله إمام الشَّارحين، قلت: وظاهره أن الكسر والفتح سواء، وزعم ابن حجر أنَّه بكسر السين، وقد تفتح فجعل الفتح أقل من الكسر، وهو مخالف لما في «القاموس» ؛ لأنَّه قال: السَّجفويكسر، وككِتَاب، وهو صريح في أن الكسر مساوي للفتح أو أقل من الفتح، وهو يَرد ما زعمه ابن حجر، ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين، أي: ستر (حُجرته) ؛ بِضَمِّ الحاء المهملة: حظيرة الإبل، ومنه: حجرة الدار، تقول: احتجر حجرة؛ أي: اتخذها، والجمع: حُجَر _كغُرْفَة وغُرَف_ وحُجُرات؛ بِضَمِّ الجيم، وهو غاية لقوله: (فارتفعت أصواتهما) ، ووجه جعله غاية أنَّه عليه السَّلام لما سمع صوتهما؛ إما أنَّه رفع صوته حتى أسمعهما أنَّه سيخرج إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، وأنه علم بحالهما، وإما أنَّه قام من مجلسه ومشى حتى انتهى إلى باب حجرته حتى كشف سجفها، فقوله: (فخرج إليهما) يحتمل المعنيين المذكورين، فهذا وجه جعله غاية لقوله: (فخرج إليهما) .

وقد خفي هذا على العجلوني فزعم: (وانظر وجه جعله غاية لقوله: «فخرج إليهما» ولو قال: حين كشف؛ لكان أظهر، فكأنَّه أوَّل «فخرج إليهما» بـ «أراد» ؛ فتأمل) انتهى.

قلت: أما قوله: (وانظر ... ) إلى آخره؛ قد علمت وجهه مما ذكرناه، وقوله: (ولو قال ... ) إلى آخره؛ ممنوع، ولا حاجة إليه مع ظهور وجهه؛ لأنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يصار إلى المجاز عند المحققين، وعدم التأويل أولى من التأويل، ولا ريب أن كلام الراوي أظهر وأولى؛ لأنَّه متضمن لمعانٍ قد خفيت على كثير؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين:(قال ابن سيده: السجف: الستر، وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين؛ فكل شق منه سجف، والجمع: أسجاف وسجوف، وربما قالوا: السجاف والسجف والتسجيف: إرخاء السجف، زاد في «المخصص» و «الجامع» : وبيت مسجف، وفي «الصِّحاح» : أسجفت الستر؛ أي: أرسلته، وقال:

[ص 646]

القاضي عياض: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين، قلت: الذي قاله ابن سيده يرده) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.

قلت: ووجه الرد أنَّه قال: السَّجف: الستر، وهو الأشمل بما قاله القاضي، وكذلك قول «الصِّحاح» : أسجفت الستر: أرسلته، فإنَّه أيضًا أشمل، وكذلك قول «القاموس» : السجف: الستر.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني معترضًا على الشَّارح بأن قول ابن سيده: (وقيل: هو الستران ... ) إلخ، وكذا وقع في قول «القاموس» ؛ هو عين ما قاله القاضي عياض، والشيء إذا كان فيه خلاف؛ لا يرد أحد القولين بالآخر إلا إذا كان منه، انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول ابن سيده: (وقيل) قول ضعيف عند اللغويين؛ لأنَّه صيغة تمريض يأتي بها المؤلفون؛ للإشارة لضعف قول قائله وشذوذه، فهو غير مُعْتد به؛ لأنَّ الذي عليه أئمة اللُّغة هو الأول، وهو ظاهر في الرَّد على القاضي عياض، وكذلك عبارة «القاموس» ؛ لأنَّه قال: (السجف: الستر، سجوف وأسجاف) ، ثمَّ قال: (والسجف: الستران) ، وهو عين كلام ابن سيده، وعلى كلِّ حال فإنَّ القول الثاني شاذ أو ضعيف، والصَّحيح الأول، وهو ظاهر في الرد عليه، فكأنَّه لا خلاف؛ لضعف القول الثاني، فحينئذ صح القول بالرد؛ فافهم.

(فنادى) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (يا كعبُ) بالبناء على الضم (قال) ؛ أي: كعب: (لبيك يا رسول الله) تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي [2] الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لب؛ أي: أنا مقيم على إجابتك وطاعتك إقامة بعد إقامة، أفاده إمام الشَّارحين، (فقال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (ضعْ) على وزن (فع) أمر من وضع يضع، والمراد به: الحط من الدين؛ أي: حط عن غريمك (من دينك) ، والأمر فيه للندب، قاله الشَّارحون، قلت: الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف عنه، وههنا جاء الدليل على الندب كما يفهم من كلامهم، (هذا) مفعول قوله: (ضع) ، وهو إشارة إلى الشطر الآتي (وأومأ) بهمز أوله وآخره؛ أي: أشار عليه السَّلام (إليه) أي: إلى كعب، وقوله: (أي الشطرَ) ؛ أي: النصف، تفسير من الراوي لقوله: (هذا) ، وجاء تفسير (الشطر) بالنصف في رواية الأعرج، كما سيأتي عند المؤلف، و (الشطر) : منصوب تفسير لقوله: (هذا) المنصوب، وضمير (إليه) راجع إلى كعب كما ذكرناه، (قال) أي: كعب: والله (لقد فعلت يا رسول الله) ؛ أي: ما أمرت به، وأخرجت منه الشطر، إنَّما أتى به ماضيًا مؤكدًا باللَّام والقسم المدلول عليه بها وبـ (قد) ؛ مبالغة في امتثال ما أمره به، ولأبي ذر وابن عساكر والمستملي: (قد فعلت) بإسقاط اللَّام و (يا رسول الله) ، (قال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: (قم) خطاب لابن أبي حدرد؛ (فاقضه) ؛ أي: حقه، وهو الشطر على الفور والأمر على جهة الوجوب، لأنَّ رَبَّ الدين لما أطاع بوضع ما أُمر به؛ تعيَّن على المديان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يجتمع على رَبِّ الدين وضيعة ومطل، قاله إمام الشَّارحين.

وفيه إشارة إلى أنَّه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل؛ لأنَّ صاحب الدين يتضرر _كما ذكرناه_ إلا أن يرضى رَبَّ الدين بالتأجيل، فيكون جائزًا؛ لأنَّه قد رضي بماله مؤجلًا، فلا عذر له.

قال إمام الشَّارحين: وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة؛ فبوجهين؛ أحدهما: أن كعبًا لما طالب ابن أبي حدرد بديْنه في مسجده عليه السَّلام؛ لازمه إلى أن خرج النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وفصل بينهما، والآخر: أنَّه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما سنذكرها، فذكر في باب (الصلح) وفي باب (الملازمة) عن عبد الله بن كعب عن أبيه: (أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه ... ) ؛ الحديث، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا إلى الحديث المذكور، على أنَّ ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التَّرجمة بهذه الطريقة، انتهى.

ثم قال:(وفي الحديث دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه عليه السَّلام، وقد أفرد له البخاري بابًا يأتي عن قريب.

فإن قلت: قد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم» ، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا يرفع فيه الأصوات» ، وكذا حديث ابن عمر عند [3] أحمد.

قلت: أجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض، ولكن هذا الجواب لا يعجبني؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: «لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه» ) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.

وزعم ابن بطال: وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد بغير القراءة إلا أنَّه عليه السَّلام لم يُعنفهما على ذلك؛ إذ كان لا بد لهما منه، انتهى.

قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّه ليس في الحديث الإنكار في رفع الصوت في المسجد، وإنما كان خروجه عليه السَّلام إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، ولاحتمال وقوع مشاتمة بينهما توجب التعزير [4] فبادر عليه السَّلام للفصل بينهما، ولهذا قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز؛ لما تركهما النَّبي عليه السَّلام، ولبيَّن لهما ذلك، انتهى.

واعترضه ابن حجر فزعم بأنَّ لِمَن منع ذلك أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به واقتصر على الصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه لو كان تقدم نهيه عن ذلك؛ لما كان يحصل بينهما مخاصمة ورفع صوت، ولكان عليه السَّلام يعيد النَّهي لهما على سبيل التأكيد والتذكير، واقتصاره على الصلح إنَّما كان لأجل تطييب خاطرهما، وحتى لا يحصل بينهما مشاتمة ومنافرة توجب التعزير، فاقتصاره على الصلح كان لأجل هذا لا لأجل ترك المخاصمة، فإن المخاصمة؛ لإظهار الحقوق غير مذمومة سواء كانت في المسجد أو غيره؛ فافهم.

وقال إمامنا الشَّارح:(وفي الحديث جواز الاعتماد على الإشارة؛ لقوله «هكذا» ، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت؛ لدلالتها عليه، فيصح على هذا يمين الأخرس، وشهادته، وأمانه، وعقوده؛ إذا فهم عنه ذلك.

[ص 647]

وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأنَّ نزاعهما لم يكن في الدَّين، وإنَّما كان في التقاضي، وأمّا الصلح على الإنكار؛ فأجازه الإمام الأعظم وكذا مالك بن أنس، وهو قول الحسن وغيره، ومنعه محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن أبي ليلى.

وفيه: الملازمة في الاقتضاء، وفيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحُسن التوسط بينهم، وفيه: قبول الشفاعة في غير معصية، وفيه: إسبال الستور عند الحجرة) انتهى.

وقال ابن بطال: (وفيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة، وفيه: الحض على الوضع عن المعسر والقضاء بالصلح إذا رآه صلاحًا، والحكم عليه بالصلح إذا كان فيه صلاح له؛ لقوله: «قم فاقضه» ) انتهى.

[1] في الأصل: (رجل) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (الثنا) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] زيد في الأصل: (أبي) ، وليس بصحيح.

[4] في الأصل: (التعذير) ، وهو تحريف، وكذا في الموضع اللاحق.

[1] في الأصل: (رجل) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (الثنا) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] زيد في الأصل: (أبي) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (رجل) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (الثنا) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] زيد في الأصل: (أبي) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت