فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 860

[حديث: أفلا كنتم آذنتموني به دلوني على قبره]

458# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب) ؛ ضد الصلح، هو البصري الأزدي القاضي بمكة، الواشحي؛ بمعجمة فمهملة؛ نسبة إلى واشح؛ بطن من الأزد، (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت) هو أبو محمَّد البناني البصري، قال بكر بن عبد الله: (من سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت، يظل يراوح بين قدميه وجبهته) ، وكان يقوم الليل خمسين سنة رحمه الله تعالى، (عن أبي رافع) هو نُفَيْع؛ بِضَمِّ النُّون، وفتح الفاء، وسكون التحتية، الصائغ التَّابعي الكبير، قال إمام الشَّارحين: ولقد وهم من قال إن أبا رافع صحابي وقال: وهو رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قاله، فإن ثابتًا البناني لم يدرك أبا رافع الصَّحابي، انتهى، قلت: فإن أبا رافع الصَّحابي مولى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسمه فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، قاله في «الاستيعاب» ؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه: (أنَّ) بفتح الهمزة (رجلًا أسود أو امرأة سوداء) كلمة (أو) فيه للشك.

قال إمام الشَّارحين: (الشك فيه إمَّا من ثابت أو من أبي رافع، ولكن الظَّاهر أنَّه من ثابت؛ لأنَّه رواه عنه جماعة هكذا، وأخرج البخاري أيضًا عن حمَّاد بهذا الإسناد قال: «ولا أراه إلا امرأة» ، وأخرجه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «امرأة سوداء» من غير شك، ووقع في رواية البيهقي من حديث ابن بريدة عن أبيه: أن اسم المرأة أم محجن) انتهى كلامه، قلت: وحديث ابن بريدة سنده حسن، ورواية ابن خزيمة تعيَّن أنَّ الشك من ثابت، وبه جزم أبو الشيخ في كتاب «الصلاة» بسند مرسل، فالأرجح أنَّ الشك من ثابت؛ فليحفظ.

قال ابن حجر: فإن كان محفوظًا؛ فهذا اسمها، وكنيتها أم محجن، انتهى، قلت: لاشك أن كون اسمها أم محجن؛ لأنَّه رواه البيهقي بسند حسن هكذا كما رأيت، ولا ريب أنَّه هو المحفوظ.

وفي «المنحة» : (اسمها أم محجن، وقيل: محجنة، وأما الرجل؛ فلم يُسمَّ) انتهى، قلت: وعلى هذا فاسمها محجنة، وكنيتها أم محجن؛ فتأمل.

وذكر ابن منده في الصَّحابة: خرقاء: امرأة كانت تَقُم المسجد، انتهى، قلت: يحتمل أنَّ هذه المرأة غيرها، وأن اللاتي [1] يقمن المسجد غير واحدة؛ لأنَّ مرادهن الثواب والفضل، فكل واحدة تباشر يومًا، والله أعلم.

وزعم في «المنحة» تبعًا للكرماني أنَّ الشك من أبي هريرة، قلت: وهو بعيد عن النَّظر، ويدل عليه ما أخرجه ابن خزيمة الذي ذكره قريبًا إمام الشَّارحين؛ فافهم.

(كان) أو كانت (يقُم) ؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نَصَرَ ينْصُر) ؛ ومعناه: كنس (المسجد) ؛ أي: النَّبوي من القُمامة؛ بالضم، وهي الزبالة، وقال إمام الشَّارحين: القمامة؛ بالضم: الكناسة، قاله ابن سيده، وقال اللحياني: قمامة البيت ما كسح منه فألقى بعضه على بعض، وهي لغة حجازية، والمِقمَّة؛ بكسر الميم: المكنسة، وفي «الصِّحاح» : والجمع: القمام.

وتقديرنا: (أو كانت) هو المناسب لسابقه أو يجعل اسم (كان) ضمير المذكور أو الشخص؛

[ص 648]

فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «كان يقم المسجد» ؛ أي: يكنسه، فإن قلت: و «التقاط الخرق ... » إلى آخره من جملة التَّرجمة، وليس في الحديث ما يدل عليه، قلت: أجاب الكرماني: بأنه لعل البخاري حمله بالقياس على الكنس والجامع بينهما التنظيف) انتهى.

قلت: ويدل عليه أنَّ الكنس أعم من التقاط الخرق ونحوها، والتكنيس يستلزم التقاط الخرق؛ لأنَّه إذا كنس التراب والقشَّ؛ فبالأولى أن يكنس الخرق؛ فافهم.

وأجاب ابن حجر، فزعم أنَّ الذي يظهر من تصرف البخاري أنَّه أشار بكل ذلك إلى ما وَرَد في بعض طرقه صريحًا، ففي طريق العلاء المتقدم: (كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد) ، وفي حديث بريدة المتقدم: (كانت مولعة بلقط الأذى من المسجد) ، ثم زعم وتكلف من لم يطلع [2] على ذلك، فزعم أنَّه يؤخذ من إتيان النَّبيِّ القبرَ حتى صلى عليه، فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد، انتهى.

قلت: وهذا كلام صادر من غير تأمل؛ لأنَّه كيف يترجم المؤلف بشيء، ويشير في ترجمته إلى طريق لم يذكره هو تحت ترجمته ولا في بابه، وهذا من أبعد البعيد؛ لأنَّه لو كان مراده الإشارة إليه؛ لكان يضعه في الباب تحت تلك التَّرجمة.

فإن قلت: عدم ذكره له؛ لكونه غير موافق لشرطه؛

قلت: إذا كان غير موافق لشرطه؛ يكون غير محتج به، ولا يصلح دليلًا لما ترجم له، ولهذا ترك ذكره وإنما أراد بقوله: (والتقاط الخرق) بالقياس على الكنس؛ لأنَّ كلًّا منهما المراد به: التنظيف، ولأنَّ الكنس أعم وأشمل.

وقوله: (وتكلف ... ) إلخ؛ مراده به: ابن بطال الشَّارح؛ لأنَّه ذكره في «شرحه» ، وسنذكر عبارته، وهو غير تكلف [3] ، فإنَّ صلاته عليه السَّلام على قبره؛ إكرامًا وتعظيمًا له؛ حيث إنَّه كان ينظف المسجد، فيؤخذ منه الترغيب في تنظيف المسجد، ويدل عليه أنَّه عليه السَّلام سأل عنه ولم يسأل عن غيره من الناس ممن دُفن ولم يعلم به، وإن علم بدفن أحد؛ لم ينقل أنَّه صلَّى عليه، ولم يقل لهم: (أفلا آذنتموني به) ، فسؤاله عليه السَّلام وصلاته عليه إنَّما كان لأجل كونه كان يكنس المسجد، وينظفه فجعل ذلك إكرامًا له وتعظيمًا؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية ابن حجر، فإنَّه مشهور.

(فمات) ؛ أي: الرجل، أي: أو ماتت المرأة، (فسأل النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم عنه) ؛ أي: أو عنها؛ أي: عن حاله أو حالها، ومفعول (سأل) محذوف؛ أي: سأل الناس عنه، (فقالوا) ؛ أي: الناس؛ يعني: الصَّحابة (مات) ؛ أي: أو ماتت، وفي «عمدة القاري» : وفي رواية البيهقي: أنَّ الذي أجاب النَّبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، انتهى، قلت: لكن يعكر عليه قوله ههنا: (فقالوا) ؛ بصيغة الجمع الذكور، إلا أن يقال: إنَّهم اشتركوا في الجواب، ونص على أبي بكر؛ لكونه أفضل الصَّحابة وأعظمهم منزلة؛ فتأمل.

(قال) : ولأبوي ذر والوقت: (فقال) ؛ بالفاء؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (أفلا) : الهمزة إما مقدمة من تأخير؛ لدلالة الآتي عليه، أو في محلها، لكن قال إمام الشَّارحين: ولابد من مقدر بعد الهمزة، والتقدير: أدفنتم؟ [4] فلا (كنتم آذنتموني) ؟؛ بفتح الهمزة مع المد؛ أي: أعلمتموني (به) أو بها؛ أي: بموته أو بموتها حتى أصلي عليه، وعند المؤلف في (الجنائز) : (فحقروا شأنه) ، ولابن خزيمة: (قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك) .

وفي «عمدة القاري» : وإنما قال ذلك؛ لأنَّ صلاته عليه السَّلام عليهم رحمة ونور في قبورهم، على ما جاء في رواية مسلم: (أن امرأة أو شابًّا ... ) ؛ الحديث، وزاد في آخره: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم» ، قيل: لم يخرِّج البخاري هذه الزيادة؛ لأنَّها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيَّن ذلك غير واحد من أصحاب حمَّاد بن زيد.

قلت: قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة [5] ، فإمَّا أن يكون عن ثابت عنه عليه السَّلام مرسلًا، كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت، عن أنس، عنه عليه السَّلام، رواه غير حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع فلم يذكرها، ووقع في «مسند أبي داود الطيالسي» عن ثابت بهذه الزيادة، وزاد بعدها: (فقال رجل من الأنصار: إن أبي أو أخي مات أو دفن؛ فصلِّ عليه، فانطلق معه عليه السَّلام ... ) ؛ الحديث، انتهى.

(دلوني على قبره، أو قال: على قبرها) كلمة (أو) للشك، يحتمل من ثابت، ويحتمل من أبي رافع، والأظهر الأول كما سبق، (فأتى) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (قبره) ولابن عساكر: (قبرها) ، (فصلى عليه) وفي رواية: (عليها) ، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: فلانة، فعرفها، وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها» ، ثم أتى القبر فصفنا خلفه، فكبَّر عليه، انتهى.

قال صاحب «التلويح» : وهذا يحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأنَّ يزيد قُتل باليمامة سنة ثنتي عشرة، وخارجة توفي سنة مئة أو أقل من ذلك، وسنه سبعون سنة، فلا يتجه سماعه منه بحال، كذا في «عمدة القاري» .

قال ابن بطال: (وفي الحديث الحض على كنس المساجد، وتنظيفها؛ لأنَّه عليه السَّلام إنَّما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي أنَّه عليه السَّلام كنس المسجد) انتهى، وسلمه إمام الشَّارحين، واعترضه ابن حجر تعصبًا بأنه تكلف، وقد سبق رده قريبًا، فلا تغفل.

وقال إمام الشَّارحين:(وفي الحديث: استحباب الإعلام بالموت.

وفيه: أن على الراوي التنبيه على شكه فيما رواه مشكوكًا.

وفيه: خدمة الصالحين، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده.

وفيه: المكافأة بالدعاء والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.

وفيه: الرغبة في شهود جنائز الصالحين.

وفيه: جواز الصلاة على القبر، وهي مسألة خلافية؛ فجوَّزها طائفة؛ منهم: علي، وأبو موسى، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، والشَّافعي، ومنعها طائفة؛ منهم: النخعي، والحسن البصري، والثَّوري، وهو قول الإمام الأعظم أبي حنيفة، واللَّيث، ومالك، ومنهم من قال: إنَّما يجوز إذا لم يصلِّ الولي أو الوالي، ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يَبْلَ جسده، وقيل: أبدًا)انتهى.

[ص 649]

وقال الكرماني: (وفي الحديث: جواز الصلاة على القبر، وأنَّها لا تجوز عليه إلا عند حضور قبره) انتهى، قلت: فالحديث حجة على الشَّافعي في جوازه الصلاة على الغائب؛ لأنَّه عليه السَّلام سأل عنه حتى دلوه على قبره، فقام فصلى عليه، ولم يصلِّ في مسجده عليه صلاة الغائب، كما لا يخفى.

وزعم العجلوني أنَّ مذهب الشَّافعي أنَّه تصح الصلاة عليه، ولو بعد بلائه على الصَّحيح؛ لبقاء عجب الذنب، انتهى.

قلت: ويردُّ هذا أنَّه عليه السَّلام صلى عليه قبل ثلاثة أيام؛ لما رواه ابن حبان من حديث خارجة بن زيد المتقدم، وفيه: (فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد ... ) ؛ الحديث، ومن المعلوم أن الجديد: ما دفن يومه إلى دون الثلاثة أيام، ويدل على ذلك حديث الباب؛ لأنَّه قال: (فمات، فسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقالوا: مات ... ) ؛ الحديث، فأتى بالفاء التعقيبية بألفاظه الدَّالة على أنَّهم لمَّا رجعوا من دفنه سألهم عليه السَّلام عنه، ثم بادروا إلى الصلاة على قبره، وهذا يدل على أنَّ الصلاة بعد ثلاثة أيام لا تجوز، كما لا يخفى.

ومذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين أنَّه إذا صُلِّي على جنازة؛ لا تعاد الصلاة عليها ثانيًا؛ لأنَّها غير مشروعة، وصلاته عليه السَّلام إنَّما كانت خصوصية ورحمة به، يدل عليه قوله عليه السَّلام: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم» ، رواه مسلم، وقوله عليه السَّلام: «فإنَّ صلاتي عليه رحمة له» ، رواه ابن حبان في «صحيحه» ، فهذا دليل واضح على أنَّ صلاته عليه كانت خصوصية ورحمة للميت، كما صرح به الحديث، وله عليه السَّلام أن يخصَّ ما شاء بمن شاء؛ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فافهم.

واستثنى أئمتنا الأعلام ما إذا صلى على جنازةٍ غير الوليِّ ثم حضر الوليُّ بعد الصلاة؛ فله أن يعيد الصلاة عليها، وإذا لم يصلِّ عليه حتى دفن؛ صلى على قبره مالم ينتفخ أو ينفسخ، وقدَّره المتأخرون بثلاثة أيام، ومذهبنا هو الصَّواب، وحديث الباب يدل عليه، وكذلك حديث مسلم وحديث ابن حبان، كما رأيت بيانه، وسيأتي تمام الكلام عليه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.

[1] في الأصل: (التن) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (يضطلع) .

[3] في الأصل: (تكليف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (إذ دفنتم) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (رافع) ، وهو سبق نظر.

[1] في الأصل: (التن) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (يضطلع) .

[3] في الأصل: (تكليف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (إذ دفنتم) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (التن) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (يضطلع) .

[3] في الأصل: (تكليف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (إذ دفنتم) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت