[حديث: أن امرأةً كانت تقم المسجد]
460# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن واقد) ؛ بالقاف والدَّال المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو أحمد بن عبد الملك بن واقد الحرَّاني البصري، أبو يحيى، المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وفي «التقريب» : (أنَّه ثقة تُكلم فيه بلا حجة) (قال: حدثنا حمَّاد) ؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، زاد الأصيلي: (ابن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت) ؛ بالمثلَّثة: هو أبو محمَّد البناني البصري، (عن أبي رافع) هو نُفيع الصائغ التَّابعي الكبير، كما سبق؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه: (أنَّ) بفتح الهمزة (امرأة أو رجلًا) وكلمة (أو) للشك من أبي رافع، أو أبي هريرة، أو ثابت (كانت تقم) ؛ أي: أو كان يقم؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نصر ينصر) ؛ أي: يكنس (المسجد) ؛ أي: النَّبوي _فاللَّام للعهد_ من القُمامة، وهي الزبالة والكناسة، فحذف في هذا الباب ما يتعلق بالمذكر، عكس ما سبق في باب (كنس المسجد) ، وكلٌّ منهما جائز.
وزعم العجلوني أن ما هنا أولى.
قلت: لم يبين وجه الأولوية، ولا وجه لما زعمه، بل كل [1] منهما جائز، وليس أحدهما أولى من الآخر، وقال الدماميني:(حذف «أو كان» كما سبق، فحذف من الأول خبر المؤنث، وهنا خبر المذكر؛ اعتبارًا بالسَّابق؛ ليكون جاريًا على المهيع الكثير، وهو الحذف
[ص 652]
من الثاني؛ لدلالة الأول) انتهى.
قال القسطلاني: (نعم؛ في رواية أبي ذر: «كان يقم المسجد» ؛ بالتذكير) انتهى، واستدل العجلوني بهذه الرواية على أولوية ما هنا، كما سبق، قلت: وهو لا يدلُّ لما قاله؛ لأنَّ هذه الرواية ذكرت كبقية الروايات، فليست تدل على الأولوية، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنَّه أكثر الروايات: (كانت) بالتأنيث؛ فليحفظ.
وقوله: (ولا أراه) بِضَمِّ الهمزة؛ أي: لا أظنه (إلا امرأة) من كلام أبي رافع، ويحتمل أن يكون من كلام أبي هريرة، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: والضَّمير في (أراه) يرجع إلى الشَّخص المذكور الذي كان يقمُّ المسجد.
وأمَّا قوله: (فذكر) أي: أبو هريرة (حديث النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أي: الذي تقدم ذكره قريبًا: (أنَّه) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (صلَّى) ؛ أي: صلاة الجنازة (على قبره) ؛ أي: الرجل، فهو من كلام أبي رافع لا غير، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (قبرها) ؛ أي: المرأة، وفي رواية: (على قبر) ؛ بالتنكير.
وزعم الكرماني أن لفظة: (أنَّه) يحتمل أن يكون تفسير الحديث، فلا يكون المذكور إلا الصلاة، وأن يراد به ذكر الحديث الذي فيه: (أنَّه صلى على قبرها) ، فالمذكور جميع الحديث الذي تقدم في باب كنس المسجد، انتهى، قلت: وهذا كله صادر من غير تأمُّل؛ لأنَّ قوله: (فذكر حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم) صريح في أنَّه ذكره بتمامه، وأن من جملة الحديث أنَّه عليه السَّلام صلَّى على قبرها، فالضَّمير في (أنَّه) يتعين رجوعه إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، ثم رأيت البرماوي قال: (والضمير في «أنَّه» راجع إلى النَّبي عليه السَّلام) انتهى، قلت: فلا حاجة إلى ما زعمه الكرماني؛ لأنَّ لفظ السياق يردُّه، كما لا يخفى؛ فافهم.
ففي الحديث المطابقة للتَّرجمة، وفيه: الحضُّ على كنس المسجد وتنظيفه؛ لأنَّه عليه السَّلام إنَّما خصَّه بالصَّلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي عنه عليه السَّلام: (أنَّه كنس المسجد) ، وفيه: الترغيب في شهود الجنائز لا سيما الصَّالحون.
وفيه: جواز الصلاة على القبر، وهو مروى عن علي وأبي موسى، وهو قول الأوزاعي وأحمد والشَّافعي، ومنعها الإمام الأعظم، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثَّوري، واللَّيث، ومالك، وأجابوا عن حديث الباب ونحوه: بأنه خصوصية ورحمة للميت؛ يدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» : (إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) ، وما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن يزيد بن ثابت قال: (خرجنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؛ فقيل: فلانة، فعرفها وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها» ... ) ؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ صلاته كانت خصوصية، وقد سبق بقية الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فيراجع، والله أعلم.
[1] في الأصل: (كلًّا) ، وليس بصحيح.