فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 860

[حديث: أنَّ رجلين من أصحاب النبي خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة]

465# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن المثنى) بلفظ المفعول من التثنية، هو ابن عبيد العنزي البصري (قال: حدثنا معاذ بن هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو هشام المذكور، (عن قتادة) هو ابن دعامة السدوسي البصري (قال: حدثنا أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هو الأنصاري، خادم النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (أَنَّ رجلين) بفتح الهمزة (من أصحاب النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: الأنصار، وهما: عباد بن بشر وأسيد بن حضير، كما عند المؤلف في (مناقب الأنصار) ، وقال حمَّاد: حدثنا ثابت عن أنس: (كان أسيد وعباد بن بشر عند النَّبي صلى الله عليه وسلم) ، وقال السفاقسي: (هما عباد بن بشر وعويم بن ساعدة) انتهى.

قلت: يرده ما ذكرناه عن المؤلف.

و (عَبَّاد) : بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة، و (بِشْر) : بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة، الأنصاري، قُتل يوم اليمامة، و (أُسيد) : بِضَمِّ الهمزة، مُصغَّر أسد، و (حُضَيْر) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، و (عُوَيم) : بِضَمِّ العين المهملة، وفتح الواو، مصغر عوم، انتهى.

(خرجا) أي: الرجلان (من عند النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: بعدما صليا صلاة العشاء معه عليه السَّلام في مسجده النَّبوي، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في ليلة مظلِمة) ؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل، من أظلم الليل؛ بمعنى: ظهر، وقال الفراء: (ظلِم _بالكسر_ وأظلم بمعنًى) انتهى، (ومعهما مثل المصباحين) ؛ أي: نور مثل نور المصباحين، والجملة محلها نصب على الحال بالواو والضمير، وجملة: (يضيئان بين أيديهما) : محلها نصب على الحال من (المصباحين) ، أو صفة لهما، لكنه بعيد، و (يضيئان) : من أضاء، تقول: ضاءت النَّار، وأضاءت مثله، وأضاءته النَّار، يتعدى ولا يتعدى، قاله الشَّارح، وقال الإمام الزمخشري: (أضاء؛ بمعنى: نور، متعد، وبمعنى: لمع، لازم، و «أظلم» يحتمل التَّعدي، ويحتمل عدمه، وهو الظَّاهر) ، فـ (بين أيديهما) _أي: أقدامهما_: مفعول فيه إن كان (أضاء) لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًا؛ فليحفظ.

(فلما افترقا) أي: الرجلان؛ أي: كل واحد (صار مع كل واحد منهما) أي: من الرجلين (واحد) ؛ أي: نور واحد يضيء له وحده، وارتفاعه على أنَّه فاعل (صار) (حتى أتى أهله) ؛ أي: منزلهم؛ أي: وانتهى؛ لانتهاء الحاجة.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دلالة ظاهرة لكرامة الأولياء، ولا شك فيه، وفيه رد على من ينكر ذلك) انتهى.

قلت: وذلك لأنَّ الإضاءة لهما كرامة ببركة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، ومعجزة له، وخصهما بهذه الكرامة؛ لاحتياجهما إلى النور حيث خرجا من عنده في ليلة مظلمة، ولإظهار سر قوله عليه السَّلام فيما رواه أبو داود وغيره: «بَشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» ، فجعل الله لهما في الدنيا بعض ما ادَّخر لهما في الآخرة.

ثم قال إمام الشَّارحين:(وقد وقع مثل هذا قديمًا وحديثًا، أمَّا قديمًا؛ فمن ذلك ما ذكره ابن عساكر وغيره عن قتادة بن النعمان: «أنَّه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عرجون، فأضاء له العرجون» .

وفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس: حدثني أبي: «أنَّ أبا عبس كان يصلِّي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة يخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة» .

ومن حديث كثير بن زيد، عن محمَّد بن حمزة بن عمرة الأسلمي، عن أبيه قال: «كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير» ، وفي لفظ: «نفرت دوابنا ونحن في مشقة ... » ؛ الحديث.

وأمَّا حديثًا؛ فمن ذلك ما يثبت بالتواتر عن جماعة من طلبة العلم الثقاة: أنَّهم كانوا مع الشيخ الإمام العلامة حسام الدين الرهاوي _مصنف «البحار» وغيره_ في وليمة بمدينة عينتاب في ليلة مظلمة شاتية، فلما تفرقوا؛ أراد جماعة أن ينوروا على الشيخ إلى باب داره؛ لشدة الظلمة، فما رضي بذلك فردهم، فرجعوا، وتبع الشيخ جماعة من بُعْد، فقالوا وهم يحلفون: إنَّهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس؛ أحدهما عن يمين الشيخ، والآخر عن شماله، فلم يزالا معه إلى أن وصل إلى باب داره، فلما فتح الباب ودخل الشيخ؛ ارتفع النوران، ولقد أخبرني عنه جماعة بكرامات أخرى غير ذلك، وهو أحد مشايخي الذين انتفعت بهم، وأخذت عنهم)انتهى كلام إمامنا الشَّارح رضي الله عنه.

ووجه مطابقة الحديث ومناسبته قد ذكرناها فيما سبق أول الباب مع مزيد كلام، والله أعلم.

[ص 667]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت