[حديث: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند]
466# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنان) بكسر السين المهملة، ثم نونين، بينهما ألف (قال: حدثنا فُلَيْح) ؛ بِضَمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، ذكره بلقبه؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه عبد الملك بن سليمان (قال: حدثنا أبو النَّضْر) ؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة، ذكره بكنيته؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه سالم بن أبي أمية، (عن عُبيد بن حنين) بِضَمِّ العين المهملة، مصغر العبد، ضد الحر، و (حُنَيْن) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح النُّون، وسكون التحتية، آخره نون، هو أبو عبد الله المدني، المتوفى بالمدينة سنة مئة وخمس، (عن بُسْر) بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة، آخره راء (ابن سَعِيد) بكسر العين المهملة، المدني الزاهد، المتوفى بالمدينة سنة مئة، (عن أبي سعيد) هو سعد بن مالك (الخدري) الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد) ؛ بإسقاط (بُسْر) .
وقال الكرماني: (وقع في بعض النُّسخ: «عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد» ، وفي بعضها: «عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد» ، وفي بعضها: «عن عُبيد وعن بُسْر، عن أبي سعيد» ؛ بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها: «عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سعيد» ؛ بدون الواو بينهما) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: قال ابن السكن عن الفربري: قال محمَّد بن إسماعيل: هكذا رواه محمَّد بن سِنان، عن فليح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سَعِيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عُبيد بن حُنَيْن وعن بُسْر بن سعيد [1] ؛ يعني: بواو العطف، وكذا خرجه مسلم: عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد وبُسْر، عن أبي سعيد، ورواه عن فُلَيح كرواية سعيد بن يونس بن محمَّد عند ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري» : حدثنا محمَّد بن سِنان: حدثنا فُلَيح: حدثنا أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في (فضل أبي بكر) : عن عبيد الله بن محمَّد، عن ابن عامر: حدثنا فُلَيح: حدثنا سالم، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد، وفي (هجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم) : عن إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء» ، وفيه: (فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا) ، وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمَّد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: (لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه؛ فإنما رواه في غير «الموطأ» ) .
قال إمام الشَّارحين: وكأنَّ هذا الاختلاف إنَّما أتى من فُلَيح؛ لأنَّ الحديث حديثه وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الكلام: أنَّ فُلَيحًا كان يروي تارة عن عُبيد وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، والخطأ من محمَّد بن سِنان؛ حيث حذف الواو العاطفة.
وعلى هذا؛ فانتقاد الدارقطني عليه هذا الحديث بقوله: (رواية من رواه عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر غير محفوظة) ؛ لا وجه له مع إفصاحه بما ذكره؛ إذ ليست هذه بعلة قادحة؛ فليحفظ.
(قال) أي: أبو سعيد الخدري: (خطب النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: في مرضه الذي توفي فيه، كما يفيده حديث ابن عبَّاس الآتي، (فقال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في خطبته: (إنَّ الله) سبحانه وتعالى (خيَّر) ماضي التخيير (عبدًا) ؛ أي: فوض إليه الخيار بين الشيئين، وإنَّما ذكره منكرًا للإبهام على السامعين؛ ليظهر فهم
[ص 668]
أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الشرف، وإلا؛ فهو عليه السَّلام العبد المخيَّر (بين الدنيا) ؛ أي: البقاء فيها إلى وقت يعلمه، وسميت دنيا؛ لدنوها وقربها من الزوال (وبين ما عنده) ؛ أي: عند الله؛ وهو الدار الآخرة وما أعد له فيها من النعيم المقيم، وسميت آخرة؛ لتأخرها عن الدنيا، أو لعدم زوالها، فهي آخرة حقيقة.
وقوله: (فاختار) أي: العبد المخيَّر (ما) أي: الذي (عند الله) ؛ أي: من النعيم الدائم، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت، (فبكى أبو بكر) زاد الأصيلي: (الصديق) ؛ أي الأكبر رضي الله عنه، والفاء للسببية.
وقوله: (فقلت في نفسي) ... إلى قوله: (أعلمنا) من كلام أبي سعيد الخدري: (ما يبكي) كلمة (ما) استفهامية مبتدأ، وقوله: (هذا الشيخ) ؛ يعني: أبا بكر الصديق، منصوب على المفعولية، وما بعده بالتبعية، و (يبكي) : من الإبكاء لا من البكاء؛ لأنَّ بكيته؛ بمعنى: بكيت عليه، وهنا المعنى: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا؛ فافهم.
وقوله: (إنْ يكنِ اللهُ خيَّرَ عبدًا؟) قيد للاستفهام؛ أي: إن كان الله خيَّر بعض عباده بين ما ذكر، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (إنْ يكنْ لله عبدٌ خُيِّر) .
قال إمام الشَّارحين: (وإعراب الأولى هو أنَّ «إن» بالكسر: شرطية، و «يكن» : فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ «الله» ؛ كسر؛ لأنَّ الأصل في الساكن إذا حُرك؛ حُرك بالكسر، قال الكرماني: «والجزاء محذوف، يدل عليه السياق» ، قلت: لا حاجة إلى هذا، بل الجزاء قوله: «فاختار ما عند الله» ) انتهى كلام [إمام] الشَّارحين.
واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ فيه نظر؛ لأنَّه ليس المعنى عليه، انتهى.
قلت: واعتراضه ونظره مردودان عليه، بل المعنى عليه صحيح، ويدل عليه دخول الفاء، وهي لا تدخل إلا على الجزاء كما هنا؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة.
ثم قال إمام الشَّارحين: (و «خَيَّر» على صيغة المعلوم من التخيير، و «عبدًا» : مفعوله، والضمير في «فاختار» يرجع إلى العبد، و «ما عند الله» : في محل النصب، مفعوله، وإعراب الرواية الثانية: هو أنَّ «إنْ» أيضًا: كلمة شرط، و «يكنْ» : مجزوم به، وقوله: «عبد» : مبتدأ، وخبره قوله: «لله» مقدمًا، وقوله: «خُيِّر» على صيغة المجهول في محل رفع؛ لأنَّه صفة لـ «عبد» ، والجزاء هو قوله: «فاختار» ) انتهى.
قال العجلوني: (ولم يتعرض لاسم «يكن» أو فاعلها، ولعله ضمير الشأن، والمناسب جعل «عبد» مرفوع «يكن» تامة أو ناقصة، و «لله» : حال منه على جعلها تامة أو ناقصة، وجملة «خير» صفة لـ «عبد» ، أو خبرًا لـ «يكن» ؛ مثل قولك: إن يكن في الدار رجل قائمًا؛ فالأمر كذا؛ فتأمَّل) انتهى.
قلت: وهذا فيه تكلف وتعسف لا حاجة إليه.
وقوله: (ولم يتعرض لاسم «يكن» ... ) إلخ؛ ممنوع، فإنَّه قد صرح بأنَّ الجزاء قوله: (فاختار) ، ولهذا دخلته الفاء، وإذا وجد فعل الشرط وجزاؤه؛ لا حاجة إلى غيره؛ لأنَّه اسمها وفاعلها في الحقيقة.
وقوله: (ولعله ضمير الشأن) : كلام غير موجه؛ لأنَّ كلمة (إن) شرطية، فكيف تجعل للشأن؟! وهو خلاف القواعد.
وقوله: (والمناسب ... ) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فيه تكلفًا لا حاجة إليه، مع كونه غير موافق للمعنى المراد منه؛ فافهم.
وقال الدماميني: (ووقع في بعض النُّسخ: «أن يكون اللهُ عبدًا خيَّر» ؛ بتقديم المفعول مع فتح «أن» وكسرها) .
وقال السفاقسي: (ويصح أن تكون الهمزة _يعني: همزة «إن» _ مفتوحة) ، قال ابن التين: (على أنَّها تعليلية) ، وقال إمام الشَّارحين: بأن [2] يكونمنصوبًا بـ (أن) ، ويكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟
قال ابن حجر: (وفيما قاله ابن التين نظر) ، ولم يذكر وجهه.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (في نظره نظر؛ لأنَّ التعليل هنا لأجل فراقه عليه السَّلام، لا على كونه خُيِّر بين الدنيا وبين ما عنده) .
واعترضه العجلوني، فزعم بل النَّظر في نظره؛ لأنَّه علل بعكس ما قاله، انتهى.
قلت: هذا محاولة وخروج عن الظَّاهر؛ لأنَّه لم يذكر وجه النَّظر بل ذكره رجمًا بالغيب، وعلى فرض كون التعليل بالمعنى المذكور؛ إنَّما هو بحسب ظاهر الأمر، وإنما هو في الحقيقة لأجل الفراق، وهو يستلزم أن يكون خيِّر بين الأمرين، فما زعمه ليس في محله وإنما هو من تحريك عرق العصبية؛ فافهم.
واستشكل جزم (يكن) على فتح (أن) ، وأجاب الكرماني قياسًا على توجيه ابن مالك في حديث: (لن ترع) : بأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن النُّون له، وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين.
وقال العجلوني: (يحتمل أنَّها جازمة؛ كقوله: تعالوا إلى أن يأتنا العيد) انتهى.
قلت: يحتمل كونها جازمة في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، والذي يفهم من كلام إمام الشَّارحين: أنَّه على الفتح بالنصب لا غير؛ لأنَّه قال: بأن [3] يكون منصوبًا بـ (أن) كما ذكرنا عبارته، وظاهر اقتصاره على النصب أنَّه لا يجوز غيره وهو الرواية، واقتصار الكرماني على الجزم وتوجيهه قياسًا كما مر؛ غير ظاهر؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والرواية لا تساعده، وعلى هذا فلا يلزم توجيه الجزم، ولا التعرض إليه؛ لأنَّه غير محتاج إليه؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية العجلوني؛ لأنَّه قد تحرك عرقه؛ فافهم.
(بين الدنيا) متعلق بقوله: (خيِّر) (وبين ما عنده) أي: الله تعالى من النعم الدائمة، (فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبدَ) ؛ أي: المخير بين الأمرين، و (العبدَ) : منصوب؛ لأنَّه تابع لاسم (كان) ، وهو الرواية.
وزعم العجلوني أنَّه يحتمل النصب والرفع، كما يحتمل (هو) المحل وعدمه، انتهى.
قلت: احتمال النصب مع احتمال المحل في (هو) هو الصَّواب؛ لأنَّه الرواية والمعنى عليه، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّ الرفع لا وجه له صحيح، وكون (هو) لا محل له بعيد أيضًا؛ لأنَّه يخل في المعنى، والرواية لا تساعد هذا؛ فليحفظ.
وسقط هنا أيضًا: (فاختار ما عند الله) للأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت.
(وكان أبو بكر) أي: الصديق الأكبر رضي الله عنه (أعلمنا) أي: أكثرنا علمًا؛ حيث فهم أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى حزنًا على فراقه وقال: (بل نفديك بآبائنا وأموالنا وأولادنا) ، وإنما كان أبو بكر أعلم الصَّحابة؛ لأنَّه لم ينكر عليه أحد
[ص 669]
ممن حضر من الصَّحابة حين قال أبو سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا) ، اختصه الشَّارع بالخصوصية العظمى، وأظهر أنَّ للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق، ولهذا (قال) وللأصيلي وأبي ذر: (فقال) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر؛ لا تَبك) ؛ بفتح الفوقية؛ أي: على فراقي، وهذا أمر منه له بالصبر، وأعقبه بتسلية نفسه، وسكون روعه، وعلل ذلك بقوله: (إنَّ أمنَّ الناس) ؛ بنصب (أمنَّ) اسم (إنَّ) ، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية كما في «التنقيح» : (إنَّ من أمن الناس) على حذف اسمها والمجرور صفته؛ أي: رجلًا من أمن، وجوز الدماميني أن يكون على حد قوله عليه السَّلام: «إنَّ من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» ، فأمَّا (من) زائدة في الإيجاب والتعريف على رأي الأخفش، وأمَّا اسمها؛ فضمير الشأن محذوف [4] ، انتهى، (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في صحبته وماله أبو بكر) ؛ أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، من المن؛ بمعنى: العطاء من غير استثابة، ومنه: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ} [ص: 39] ، وقوله: {لاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنَّه مبطل للثواب، لأنَّ المنة لله ولرسوله في قبول ذلك، قاله الخطابي، وقال القرطبي: ووزن «أمن» : «أفعل» من المنة؛ أي: الامتنان؛ أي: أكثر منةً؛ ومعناه: أنَّ أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتن بها، وذلك لأنَّه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال، وبالملازمة، والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل، لكن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بجميل أخلاقه وكرم أعرافه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، ليسنَّ [5] ؛ كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» انتهى.
(ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا) ، قال إمام الشَّارحين: الاتخاذ: (افتعال) من الأخذ، و (اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: أختار وأصطفي، وههنا سكت عن أحد مفعولهما، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنَّه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلًا؛ (لاتخذت) منهم (أبا بكر) يعني: خليلًا، كما هو ثابت في رواية الأصيلي دون غيره؛ فافهم، والخليل: المخال؛ وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخِل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك [6] ، وقيل: أصل الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقال ابن فورك: (الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: الخليل: من لا يتسع قلبه لغير خليله) ، وقال القاضي عياض: أصل الخلة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه؛ لِقَصْرِهِ حاجته عليه، وقيل: الخلة: الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل: سمي به؛ لأنَّه تخلل بخلالٍ حسنة، وأخلاق كريمة، وخله الله: نصره وجعله إمامًا لمن بعده.
وزَعْمُ السفاقسي أنَّه كان اتخذ خليلًا من الملائكة، ولهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي» ؛ يرده قوله عليه السَّلام: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن» ، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي» ؛ أي: أنَّ حب الله لم يُبقِ في قلبي موضعًا لغيره تعالى.
ومعنى الحديث: أنَّ أبا بكر متأهل لأن يتخذه عليه السَّلام خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنَّه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنَّها مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن يَعْلَق القلب به؛ فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشةأنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة.
وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أنَّ المحبة أعلا؛ لأنَّها صفة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء؛ فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا.
وزعم الفراء أنَّ معناه: فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر؛ لأنَّ الخليلك من تفرد بخله من الفضل لا يشركه فيها أحد.
وقيل: معنى الحديث: لو كنت منقطعًا إلى غير الله؛ لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك، وقول بعض الصَّحابة: (سمعت خليلي يقول) لا بأس به؛ لأنَّ انقطاعه إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم انقطاع إلى الله عز وجل، والممتنع انقطاعه عليه السَّلام إلى غير الله تعالى لا انقطاع غيره إليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وأخذ عبارته العجلوني ونسبها لنفسه، ولهذا عزوتها إليه؛ فافهم.
وقال الخطابي: (الخليل: الفقير، كأنَّهم غيروا فقره إلى محبته، والاسم منه: الخَلة؛ بالفتح، ومن المحبة: الخُلة؛ مضمومة، وقيل: الخليل: مشتق من خلة المرعى؛ وهو نبات تستحليه الماشية فتستكثر منه) انتهى.
(ولكن أُخُوَّة الإسلام) ؛ بِضَمِّ الهمزة والخاء المعجمة، مع تشديد الواو، كذا في رواية الأكثرين، وللأصيلي: (ولكن خُوَّة الإسلام) ؛ بحذف الهمزة.
قال الكرماني: (وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النُّون في «لكن» ، وحذفت الهمزة، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار: «ولكن خوة» ، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي [7] ، ثم نقل عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثة أوجه؛ سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النُّون وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إنَّ «لكنْ» على حالها ساكنة النُّون، وحذفت الهمزة من «أخوة» اعتباطًا، ولهذا قال ابن التين: رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأنَّ الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع، وقوله: «أخوة الإسلام» : كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: ولكن أخوة الإسلام أفضل أو نحوه، ويؤيده أنَّ في حديث ابن عبَّاس الذي بعده وقع هكذا) انتهى كلامه.
قال العجلوني: (ليتأمل في دعواه الكلية، وهل القاعدة الحذف الاعتباطي أو القياسي؟ والمقرر الأول) انتهى.
قلت: مراد الكرماني وابن مالك: أنَّ الحذف هنا قياسي مع أنَّ القاعدة أنَّه اعتباطي، على أنَّ ما قالاه تكلف وتعسف بلا فائدة، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصَّواب، ولا تغتر بما يزعمه أهل التعصب البارد،
[ص 670]
فإنَّه من توغلهم الشارد.
(ومودته) ؛ أي: مودة الإسلام، وهو معطوف على (أخوة) الواقع مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أفضل، قال العجلوني: (ويجوز العكس) انتهى.
قلت: هو غير ظاهر، بل الظَّاهر الأول، ويدل عليه تصريح حديث ابن عبَّاس الآتي بذلك؛ فافهم.
قال إمامنا الشَّارح:(والفرق بين الخلة والمودة باعتبار المتعلق مع أنَّهما بمعنى واحد، وهو أنَّه أثبت المودة؛ لأنَّها بحسب الإسلام والدين، ونفى الخلة؛ للمعنى الذي ذكرناه، والدليل على أنَّهما بمعنى واحد: قوله في الحديث الذي بعده: «ولكن خلة الإسلام» ، بدل لفظ المودة، وقد قيل: إنَّ الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام.
فإن قيل: المراد من السياق أفضلية أبي بكر، وكل الصَّحابة داخلون تحت أخوة الإسلام، فمن أين لزم أفضليته؟
قلت: بأنَّها تعلم مما قبله ومما بعده)انتهى.
وقال الكرماني: (ليس المراد تفضيل المودة على الخلة، فـ «أفضل» المقدر _كالآتي_ بمعنى: الفاضل) ، ثم قال: (والمودة الإسلامية متفاوتة بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله، وتحصيل كثرة الثواب، وذلك معنى الأفضلية، ولا شك أنَّ الصديق أفضل الصَّحابة من هذه الحيثية، أو «أفضل» ليس على حقيقته، أو معناه: أنَّ مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره) انتهى.
(لا يبقينَّ) ؛ بالنُّون المشددة؛ للتأكيد، قال الكرماني: (بلفظ المجهول، ويروى بلفظ المعروف أيضًا) انتهى.
(في المسجد) : متعلق بـ (يبقى) ، واللَّام فيه للعهد؛ أي: النَّبوي، والمراد به العام، (باب) ؛ بالرفع، قال إمام الشَّارحين: (في صيغة المجهول يكون لفظ «بابُ» مرفوعًا على أنَّه مفعول ناب عن الفاعل؛ والتقدير: لا يبقي أحد في المسجد، وفي صيغة المعلوم يكون «باب» مرفوعًا على أنَّه فاعل، ولا يقال: كيف ينهى الباب عن البقاء وهو غير مُكلَّف؛ لأنَّا نقول: إنَّه كناية؛ لأنَّ عدم البقاء لازم للنَّهي عن الإبقاء، فكأنَّه قال: لا يبقيه أحد حتى لا يبقى، وذلك كما يقال: لا أريتك ههنا؛ أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك) انتهى.
وقد أخذ العجلوني عبارته، وتصرف بها، ونسبها لنفسه؛ فافهم.
والباب في الأصل: فرجة في حائط صغيرًا كان أو كبيرًا، والمراد به ههنا: الخَوْخَة؛ لأنَّها كوة [8] في جدار ترى الضوء، كما قاله أهل اللُّغة، وهذا تفسير لما في التَّرجمة من الخَوْخَة، فالمراد بها: الباب في الجدار، وهو المراد به هنا: الخَوْخَة الآتية في لفظ الحديث الثاني، فإنَّها المأمور بسدها، فلا تغاير بين التَّرجمة والحديثين؛ فليحفظ.
(إلا سدَّ) ؛ بالنصب، استثناء مفرغ؛ تقديره: لا يبقى باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد، ويحتمل أن يكون إلا بابًا سُدَّ، والجملة صفة لـ (بابًا) المقدر، مستثنًى من كلام تام غير موجب، فيجوز رفعه اتباعًا (إلا بابَ أبي بكر) ؛ بالنصب على الاستثناء من (بابًا) المقدر، فيجوز فيه الوجهان؛ فـ (بابًا) المقدر مستثنًى أولًا، ومستثنًى منه ثانيًا، فلا يلزم كون الفعل مستثنًى ومستثنًى منه.
وحاصل المعنى: لا يبقى باب غير مسدود إلا باب أبي بكر رضي الله عنه.
قال الخطابي: (إنَّ أمره عليه السَّلام بسد الأبواب غير الباب الشَّارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدل على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين:(ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ الخَوْخَة هي الباب الصغير، وقد يكون بمصراع واحد وبمصراعين، وأصلها: فتح في حائط.
فإن قلت: التَّرجمة شيئان؛ أحدهما: الخَوْخَة، والآخر: المَمَر، ومطابقته للخَوْخَة ظاهرة، وليس فيه ذكر المَمَر.
قلت: المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذكرها يغني عن ذكره)انتهى.
ثم قال: (وفي الحديث دلالة على أنَّه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشاركه فيه غيره، فأولى ما انصرف إليه التأويل فيه الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بنى لها المسجد) .
قال الخطابي:(ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصَّحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه عليه السَّلام في أعظم أمور الدين؛ وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه عليه السَّلام كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة، فلما غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر؛ دلَّ على أنَّه يخرج منه إليه للصلاة، فكأنَّه عليه السَّلام أمر بذلك على أنَّه من بعده يفعل ذلك هكذا.
فإن قلت: روي عن ابن عبَّاس: أنَّه عليه السَّلام قال: «سدوا الأبواب إلا باب علي رضي الله عنه» .
قلت: قال الترمذي: هو حديث غريب، وقال البخاري: حديث: «إلا باب أبي بكر» ؛ أصح، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة، وقال ابن عساكر: وهو وهم، قال صاحب «التوضيح» : وتابعه إبراهيم بن المختار)انتهى.
قال العجلوني: (قيل: الحديث على طرق يقوي بعضها بعضًا، بل قال ابن حجر: في بعضها إسناده قوي، وفي بعضها رجاله ثقاة) انتهى.
قلت: هذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول الترمذي: (غريب) ، وقول الحاكم: (تفرد به مسكين) ، وقول ابن عساكر: (وهم) ؛ يرد هذا، ومن القواعد: أنَّ الجرح مقدم على التَّعديل، ويحتمل أنَّه عليه السَّلام قال لعلي هذا خصوصية له، وتطييبًا لخاطر ابنته فاطمة، وإلا فالقرائن في الأحوال والأقوال تدل على أنَّه خاص بأبي بكر، وأنَّ الخلافة له، يدل عليه أنَّه أمره بالصلاة مقامه، ولم يأمر عليًّا كما ثبت في «البخاري» ، فما زعمه العجلوني وابن حجر يوافق قول الشيعة الفرقة الضالة، فلا ينبغي القول بذلك، ولذلك أجمعت الصَّحابة على استخلاف أبي بكر دون علي؛ لعلمهم ذلك منه عليه السَّلام بالقرائن بالقول والفعل، ولم يلتفتوا إلى حديث علي؛ لعلمهم أنَّه خصوصية له؛ لأجل خاطر فاطمة رضي الله عنهما؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.
وقال ابن بطال: (وفي الحديث التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤهم؛ خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين:(وفي الحديث: أنَّه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنص لا بالمعنى.
وفيه: دليل على أنَّ أبا بكر أعلم الصَّحابة رضي الله عنهم.
وفيه: الحض على اختيار ما عند الله تعالى، والزهد في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين.
وفيه: أنَّ على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشارَك فيها كما خصه عليه السَّلام بما لم يشركه غيره، وذلك أنَّه جعل بابه في المسجد؛ ليخلفه في الإمامة فيخرج من بيته إلى المسجد، كما كان عليه السَّلام يخرج، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافته بعده عليه السَّلام.
وفيه: إئتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل» .
وفيه: أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا من حاجة مهمة.
وفيه: أنَّ الخليل
[ص 671]
فوق الصديق والأخ) انتهى.
[1] في الأصل: (سعد) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (فإن) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (فإن) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (محذوفًا) .
[5] في الأصل: (ليس) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (من أزلك) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (الأصيلي) ، ولعل المثبت هو الصواب.