فهرس الكتاب

الصفحة 799 من 860

[حديث: مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة]

472# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا بِشْر) بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة (ابن المفضل) ؛ بِضَمِّ الميم على صيغة المفعول: هو ابن لاحق الرقاشي البصري، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة، (عن عُبيد الله) ؛ بِضَمِّ العين المهملة على صيغة التصغير، وللأصيلي: (حدثنا عبيد الله) هو ابن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما: أنَّه (قال: سأل رجل) : قال إمام الشَّارحين: لم يعرف اسمه (النَّبيَّ) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ، وقوله: (وهو على المنبر) : جملة حالية من النَّبي عليه السَّلام: (ما ترى) : يحتمل أن يكون من الرأي؛ أي: ما رأيك؟ وأن يكون من الرؤية التي هي العلم والمراد لازمه؛ أي: ما حكمك؟ فإنَّ العالم يحكم بعلمه شرعًا؛ فافهم (في صلاة الليل) ؛ أي: هل هي تصلى أربعًا أربعًا أو ركعتين ركعتين؟ (قال) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم مجيبًا للسائل، وهو على منبره في مسجده بقوله: (مثنى مثنى) مقول القول، وهو في الحقيقة جملة؛ لأنَّ مقول القول يكون جملة، فالمبتدأ محذوف؛ تقديره: صلاة الليل مثنى مثنى؛ أي: اثنين اثنين، والثاني تأكيد للأول، وهو غير منصرف؛ لأنَّ فيه العدل التحقيقي والصِّفة، قاله إمام الشَّارحين.

وقال الزركشي:(واستشكل بعضهم التكرار، فإنَّ القاعدة فيما عدل من أسماء الأعداد ألَّا يكرر، فلا يقال: جاء القوم مثنى مثنى.

وأجيب: بأنَّه تأكيد لفظي لا لقصد التكرار، فإنَّ ذلك مستفاد من الصيغة)، ثم قال: إنَّ أصل السؤال فاسد، بل لا بد من التكرار إذا كان العدل في لفظ واحد؛ كمثنى مثنى، وثُلاث ثُلاث، قال الشاعر:

هنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللآكلين التمر مخمس مخمسا

ومنه الحديث، فإن وقعت بين لفظين أو ألفاظ مختلفة؛ لم يجز التكرار؛ كـ {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ، والحكمة في ذلك: أنَّ ألفاظ العدد المعدولة مشروطة بسبق ما يقع فيه التفصيل تحقيقًا؛ نحو: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} [فاطر: 1] ، أو تقديرًا؛ نحو: «صلاة الليل مثنى مثنى» ، فإذا أريد تفصيله من نوع واحد؛ وجب تكراره؛ لأنَّ وقوعه بعده إمَّا على جهة الخبرية، أو الحالية، أو الوصفية، فحمله عليه يقتضي مطابقة له، فلا بد من تكراره لتحصل الموافقة له؛ لأنَّه لا يحسن وصف الجماعة باثنين وإن كان من ألفاظ

[ص 678]

مقدرة متعددة، فالمجموع تفصيل للمجموع، فكان وافيًا به، فلأجل ذلك لم يكرر؛ نحو قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] ، وإنَّما كان العدل في هذه الألفاظ من غير تكرار؛ ليصيب كل ناكح ما شاء من هذه الأعداد؛ إذ لو كان من لفظ واحد؛ لاقتصر الناكحون على ذلك العدد، انتهى.

وردَّه الدماميني فقال: (لا أعرف أحدًا من النحاة ذهب إلى هذا التفصيل الذي ذكره، وفي «الصِّحاح» : إذا قلت: جاءت الخيل مثنى؛ فالمعنى: اثنين اثنين؛ أي: جاؤوا مزدوجين، فهذا مما يقدح في إيجاب التكرير في اللَّفظ الواحد، ثم بناء ما ذكره على الحكمة التي أبداها بناء ضعيف؛ لأنَّ المطابقة حاصلة بدون تكرير اللَّفظ المعدول من جهة المعنى، وذلك لأنَّك إذا قلت: جاء القوم مثنى؛ إنَّما معناه: اثنين اثنين ... وهكذا؛ فهو بمعنى: مزدوجين، كما قال الجوهري، ولا شك في صحة حمل مزدوجين على القوم، ثم تكرير اللَّفظ المعدول لا يوجب المطابقة؛ لأنَّ الثاني كالأول سواء، وليس ثم حرف يقتضي الجمع حتى تحسن المطابقة التي قصدها، فلا يظهر وجه صحيح لما قاله وبناه) انتهى.

قلت: وقد سلمه الشَّارحون، فكان أصل السؤال صحيحًا، والتكرار للتأكيد كما سبق؛ فافهم.

قلت: بقي على الدماميني أنَّه لا يلزم من عدم معرفته التفصيل عن أحد من النحاة ألَّا يكون وجهًا صحيحًا مذهبًا لأحد من النحاة؛ لأنَّه لم يُحِط بمذاهب النحو جميعها، والمثبِت مقدَّم على النافي، وما ذكره عن «الصِّحاح» لا يقدح في إيجاب التكرار؛ لأنَّه مبني على اللَّفظ الواحد، وههنا المعنى مبني على تكرار اللَّفظ، والحكمة في الآية مبنية [1] على وجه صحيح، لأنَّ المطابقة حاصلة بالتكرار وعدمه، على أنَّها [2] ليست حاصلة من جهة اللَّفظ، ولا يلزم وجود حرف يقتضي الجمع، لأنَّ الحرف وإن كان غير موجود؛ فهو مقدر الوجود؛ لأجل صحة المعنى المراد منه على أنَّه قد أيد كلامه بآيات من القرآن الفصيح مع المعنى الصَّحيح، والحروف تعمل موجودة ومقدرة، ويستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى؛ فافهم.

(فإذا خشي أحدُكم) هكذا رأيناه في النُّسخ الصَّحيحة بذكر (أحدكم) المرفوع على الفاعلية، وعليه شرح إمام الشَّارحين، ووقع في بعض النُّسخ بدونه، وعليها شرح القسطلاني، فجعل مرجع فاعل (خشي) المصلي (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (صلى واحدة) أي: صلى ركعة واحدة مع شفع قبلها متصلًا بها، (فأوترت) على صيغة الماضي؛ أي: تلك الصلاة المذكورة (له) أي: للمصلي (ما صلى) جملة محلها نصب مفعول (أوترت) ، والفاعل: الضمير الذي يرجع إلى الصلاة، والعائد إلى (ما) الموصولة أو الموصوفة محذوف؛ أي: صلاه.

واستدل الشَّافعي على أنَّ أقل الوتر ركعة واحدة لهذا الحديث، وعليه فإسناد الإيتار إلى الركعة هنا وفي الآتي إسناد مجازي عقلي؛ لأنَّ الموتر الشخص.

وهذا الاستدلال خلاف الظَّاهر، ويدل على فساده: (أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى سعيدًا يوتر بركعة، فقال: ما هذه البتيراء؟ تشفعها أو لأؤدبنك) ، وروي: (أنَّ سعد بن أبي وقاص أوتر بركعة، فقال له عبد الله بن مسعود: ما هذه البتيراء؟ ما أجزأت ركعة قط، وحلف على ذلك أيمانًا) ، رواه أصحاب السنن على شرط الشيخين، وسيأتي لذلك مزيد؛ فافهم.

وقوله: (وإِنَّه) بكسر الهمزة؛ أي: ابن عمر، جملة مستأنفة (كان يقول) من كلام نافع، فالضمير يرجع إلى ابن عمر، والقائل نافع؛ فافهم: (اجعلوا آخر صلاتكم) وقوله: (بالليل) ثابت في النُّسخ الصَّحيحة، وعليها شرح إمام الشَّارحين، وعزاها إلى رواية الكشميهني والأصيلي، ساقط في بعض النُّسخ؛ فافهم، (وترًا) : زاد ابن عساكر وأبو الوقت: (فقط) ، ثم أكد ذلك بقوله: (فإن النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم أمر به) ؛ أي: بالوتر أو بالجعل الذي دل عليه قوله: (اجعلوا) .

قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ كونه عليه السَّلام على المنبر يدل على جماعة جالسين في المسجد، ومنهم الرجل الذي سأله عن صلاة الليل) انتهى.

وقال ابن بطال: (شبَّه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حوله عليه السَّلام وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم) انتهى.

قال إمام الشَّارحين: (فعلى هذا طابق الحديث جزأي التَّرجمة كليهما) انتهى.

قلت: أي: فإنَّ الظَّاهر أنَّه عليه السَّلام لا يكون في المسجد وهو على المنبر يخطب إلا وعنده جماعة جلوس محلقين به كالمتحلقين؛ فافهم.

وفي الحديث: جواز الحِلَق في المسجد لسماع العلم وقراءته، وكذا للذكر، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.

فإن قلت: روى مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وهم حلق، فقال: «ما لي أراكم عزين؟» ، فهذا يعارض ذاك.

قلت: تحلقهم هذا كان لغير فائدة ولا منفعة، بخلاف تحلقهم في ذاك؛ لأنَّه كان لسماع العلم والتعلم، فلا معارضة.

وفيه: أنَّ الخطيب إذا سئل عن أمر الدِّين؛ أنَّ له أن يجاوب من سأله، ولا يضر ذلك خطبته.

وفيه: أنَّ صلاة الليل ركعتان.

قلت: ولا دلالة فيه؛ لأنَّه عليه السَّلام كان حكيمًا ينظر للسائل، ويجيبه على قدر طاقته على الطاعة، فجوابه عليه السَّلام له بذلك لا يقتضي أنَّ الأفضل في صلاة الليل مثنى؛ لأنَّ هذه واقعة حال مع علمه عليه السَّلام من السائل أنَّه لا يقدر على أزيد من ركعتين، فأجابه على حسب حاله، فلا يصلح الحديث دليلًا لمن استدل به؛ فافهم.

واختلف في النوافل، ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ الأفضل الأربع ليلًا أو نهارًا، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: الأفضل بالليل ركعتان وبالنهار أربع.

وقال مالك والشَّافعي وأحمد: الأفضل أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا؛ لحديث الباب، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه وارد على سبب، ومع ذلك فهو واقعة حال، وقد طرقه الاحتمال والتأويل، والدليل إذا وجد به ذلك؛ سقط الاستدلال به؛ فافهم.

وأما الإمام الأعظم؛ فاحتج في صلاة الليل بما رواه أبو داود في «سننه» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل، فقالت: (كان يصلِّي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه ... ) ؛ الحديث بطوله، وفي آخره: (حتى قُبض على ذلك) ، واحتج في صلاة النهار بما رواه مسلم من حديث معاذة: أنَّها سألت عائشة رضي الله عنها: كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي الضُّحى؟ قالت: (أربع ركعات يزيد ما شاء) ، ورواه أبو يعلى في «مسنده» ، وفيه: (لا يفصل بينهنَّ بسلام) .

فإن قلت: روى الأربعة عن ابن عمر: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» .

قلت: لمَّا رواه الترمذي؛ سكت عنه، إلا أنَّه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه؛ فرفعه بعضهم، ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه صلاة النهار.

وقال النسائي:

[ص 679]

(هذا الحديث عندي خطأ) ، وقال في «سننه الكبرى» : (إسناده جيد، إلا أنَّ جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار) ؛ منهم: سالم، ونافع، وطاووس، والحديث في «الصَّحيحين» من حديث جماعة عن ابن عمر، وليس فيه ذكر النهار، وروى الإمام أبو جعفر الطَّحاوي عن ابن عمر: (أنَّه كان يصلِّي بالليل ركعتين، وبالنهار أربعًا) ، ثم قال: فمحال أن يروي ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم يخالفه، فعلم بذلك أنَّه كان ما روي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أو كان موقوفًا غير مرفوع.

فإن قلت: روى أبو نعيم في «تاريخ أصفهان» ، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» ، وروى إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» عنه عليه السَّلام قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» .

قلت: الذي رواه البخاري ومسلم أصح منهما، وأقوى، وأثبت، وعلى تقدير التسليم؛ فنقول: معناه: شفعًا لا وترًا من إطلاق الملزوم على اللازم مجازًا؛ جمعًا بين الدليلين، وفيه: فإنَّ قوله: (فإذا خشي الصبح؛ صلى واحدة) احتج به من يقول: إنَّ الوتر ركعة واحدة، وكذا بما رواه مسلم من حديث أبي مجلز قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوتر ركعة من آخر الليل» ، وإليه ذهب عطاء، وابن المسيب، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وجعلوا هذا الحديث أصلًا في الإيتار بركعة، إلا أنَّ مالكًا قال: ولا بد أن يكون قبلها شفع؛ ليسلِّم بينهن في الحضر والسفر، وعنه: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة، وكذا فعله سحنون، وقال ابن العربي: (الركعة الواحدة لم تشرع إلا في الوتر) ، وفعله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد، وابن عبَّاس، ومعاوية، وأبي موسى.

وقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وسفيان الثَّوري، وأبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل في رواية، وعمر بن عبد العزيز، والحسن بن حي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم: الوتر ثلاث ركعات لا يُسلِّم إلا في آخرهن كصلاة المغرب.

وقال ابن عبد البر: يروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي أمامة، وحذيفة، والفقهاء السبعة، والعبادلة، وأبي هريرة رضي الله عنهم.

وأجابوا عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الحديث ونحوه: بأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «الوتر ركعة من آخر الليل» أن يكون ركعة مع شفع تقدمها، وذلك كله وتر، فتكون الركعة توتر الشفع المتقدم.

وقد بين ذلك آخر حديث الباب الذي احتج به هؤلاء، وهو قوله: «فأوترت له ما صلى» ، وكذلك قوله عليه السَّلام في الحديث الثاني من هذا الباب: «فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت» ، وآخر حديثهم حجة عليهم.

وروى الترمذي في «جامعه» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ... ) ؛ الحديث.

وروى الحاكم في «مستدركه» عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن) .

وروى النسائي والبيهقي من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر) .

وقال الحاكم: (لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر) ، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) .

وروى الإمام أحمد من حديث عمران بن حصين: (أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ... ) ؛ الحديث.

وروى مسلم وأبو داود من رواية علي بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه: (أنَّه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ) ؛ فذكر الحديث، وفيه: (ثم أوتر بثلاث) .

وروى النسائي من رواية يحيى بن الجزار عن ابن عبَّاس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث) .

وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن أبزى عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات) .

وروى ابن ماجه من رواية الشعبي قال: (سألت ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالا: ثلاث عشرة؛ منها ثمان بالليل، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر) .

وروى الدارقطني في «سننه» من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وتر الليل ثلاث كوتر النهار؛ صلاة المغرب» .

وروى محمَّد بن نصر المروزي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث) .

وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: (أجمع المسلمون على أنَّ الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن) .

فإن قلت: روي عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب» .

قلت: روي هذا موقوفًا على أبي هريرة كما روي مرفوعًا، ومع هذا هو معارض بحديث علي وعائشة ومن ذكرنا معهما من الصَّحابة.

وأيضًا فإنَّ قوله: (لا توتروا بثلاث) : معناه: كراهة الوتر من غير تطوع قبله من الشفع، فيكون المعنى: لا توتروا بثلاث وحدها من غير أن يتقدمها شيء من التطوع الشفع، بل أوتروا هذه الثلاث مع شفع قبلها؛ ليكون خمسًا، وإليه أشار بقوله: (وأوتروا بخمس) ، أو أوتروا هذه الثلاث مع شفعين قبلها؛ ليكون سبعًا، وإليه أشار بقوله: (أو بسبع) ؛ أي: أوتروا بسبع ركعات؛ أربع تطوع، وثلاث وتر، ولا تفردوا هذه كصلاة المغرب ليس قبلها شيء من التطوع، وإليه أشار بقوله: (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) في كونها ثلاث ركعات ليس قبلها شيء.

والنَّهي ليس بوارد على تشبه الذات بالذات، وإنَّما هو وارد على تشبيه الصِّفة بالصِّفة، ومع هذا فيما ذكره نفي أن تكون الركعة الواحدة وترًا [3] ؛ لأنَّه أمر بالإيتار بخمس أو بسبع ليس إلا؛ فافهم.

فإن قلت: قال محمَّد بن نصر المروزي: (لم نجد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم خبرًا ثابتًا مفسرًا أنَّه أوتر بثلاث لم يسلِّم إلا في آخرهن، كما وجدنا في الخمس والسبع والتسع؛ غير أنَّا وجدنا عنه أخبارًا أنَّه أوتر بثلاث لا ذِكْر للتسليم فيها) .

قلت: يرد عليه ما ذكرناه عن «المستدرك» من حديث عائشة: (أنَّه كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن) ، وفي حديث أُبي بن كعب: (لا يسلم إلا في آخرهن) ، وقد قيل: لعل محمَّد بن نصر لا يرى هذا ثابتًا.

قلت: هذا تعصب بارد

[ص 680]

لا يجدي، ولا يلزم من عدم رؤيته ثابتًا ألَّا يكون ثابتًا عند غيره؛ أي: ومع هذا فقد أثبته الجم الغفير من الحفاظ، وأجمع عليه المسلمون، وفيه أنَّ قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا) : دليل على أنَّ ذلك يقتضي الوجوب؛ لظاهر الأمر به، ولكنه مستحب في حق من لا يغلبه النَّوم، فإن كان يغلبه ولا يثق بالانتباه؛ أوتر قبله، كذا قرره إمام الشَّارحين صاحب «عمدة القاري» رضي الله عنه، اللهم ارحمه وأجزه عنا خيرًا، فإنَّه أودع دقائق وحقائق مما لم يسبق إليه، وحقيق بأن يكون إمامًا للشارحين؛ فافهم.

[1] في الأصل: (مبني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (أنه) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (وتر) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (مبني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (أنه) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (مبني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (أنه) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت