فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 860

[حديث: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته]

477# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا أبو معاوية) هو محمَّد بن حازم الضرير، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (عن أبي صالح) هو ذكوان المدني، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، (عن النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قال: صلاة الجمِيع) ؛ بتحتية بعد الميم المكسورة؛ أي: صلاة الجماعة كما في رواية، و (الجميع) في اللُّغة: ضد المتفرق، والجيش أيضًا والحي: المجتمع، ويؤكد به يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلهم، كذا قاله إمام الشَّارحين.

قال الكرماني: (صلاة الجميع؛ أي: في الجميع؛ يعني: صلاة الجماعة) ، واعترضه الشَّارح بأنَّه تصرف غير مرضي، وكذلك اعترضه ابن حجر بأنَّه تكلف لا حاجة إليه، انتهى.

وزعم العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني تصرف مرضي، ولا تكلف فيه، فإنَّ الإضافة على معنى (في) انتهى.

قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ كلام الكرماني مبني على التكرار في معاني الألفاظ، كما هو ظاهر، وهو تصرف غير مرضي لأهل المعاني، ولا ريب أنَّه تكلف لا حاجة إليه عند أهل المعارف، وكون الإضافة على معنى (في) لا يدل على ما زعمه، فإنَّ تفسيره أيضًا صلاة الجماعة على معنى (في) لا كلام فيه، بل في التفسير المذكور؛ فافهم.

(تزيد) ؛ بمثناة فوقية؛ أي: تفوق صلاة الجماعة (على صلاته) ؛ أي: على صلاة الشخص المنفرد المدلول عليه بالجميع الذي بمعنى الجماعة، ونقل الكفيري عن «الكاشف» أنَّه قال: (هو مبتدأ، والمضاف محذوف؛ أي: ثواب صلاة الرجل في الجماعة، والضمير في «تزيد» راجع إليه) انتهى، (في بيته) ؛ أي: منزله منفردًا، ومثله ما لو كان في أي مكان منفردًا، (وصلاته) : عطف على (صلاته) ؛ أي: وتزيد على صلاته بانفراده (في سوقه) ؛ أي: في مسجد سوقه على حذف مضاف، والقرينة الحالية والمقالية تعين أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق: الطريق، ولا كلام لنا فيه: فتعين أن يكون المراد به مسجد السوق؛ فافهم، والدليل على كونه منفردًا قوله: (في بيته) ؛ لأنَّه قرينة ظاهرة عليه؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل يصلِّي في بيته منفردًا؛ فافهم، ويدل عليه ما عند ابن ماجه: «فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده ... » ؛ الحديث، (خمسًا وعشرين) ؛ بالنصب على أنَّه مفعول لقوله: (تزيد) ؛ نحو قولك: زدت عليه عشرة ونحوها (درجةً) ؛ بالنصب على التمييز، وعند ابن ماجه: (جزءًا) .

وفي لفظ: (بضعًا [1] وعشرين درجة) ، وفي لفظ: (بضعة وعشرين جزءًا) .

وعند السراج: (تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ) .

وفي لفظ: (خير من صلاة الفذ) .

وفي لفظ: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصلِّيهما وحده) .

وفي «سنن الكشي» : (صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ) .

وعند البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة) .

وعند ابن حبان من حديث أُبي بن كعب: (أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وما كثر؛ فهو أحب إلى الله عز وجل) .

وعند السراج من حديث أنس موقوفًا بسند صحيح: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة) .

وفي كتاب ابن حزم: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعًا وعشرين درجة) .

وعند ابن حبان: (تكتب صلاته بخمسين درجة) .

وعند أبي داود: (بلغت خمسين صلاة) .

وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود: (صلاة الجمع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا، كلها مثل صلاته) .

وفي «تاريخ البخاري» من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم: (صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى) .

وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عبَّاس: (فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، قال: فإن كانوا أكثر؛ فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم) .

وفي «فضائل القدس» لأبي بكر الواسطي من حديث أبي الخطاب: (وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة، وصلاته بسواك بأربع مئة صلاة) .

وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب: (صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مئة صلاة) ، كذا في «عمدة القاري» مختصرًا.

قال العجلوني:(قال الكرماني: وقد عبر عن الانفراد بكونه في البيت أو السوق؛ إذ الغالب أنَّ صلاة الرجل فيها تكون

[ص 687]

بالانفراد ويدل لأنَّ هذا هو المراد: ما رواه المصنف في «فضل الجماعة» عن أبي سعيد الخدري: أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» ، وليس فيه _أي لحديث الباب_ ذكر المسجد في السوق، ولم أر في بعض طرقه ذكره، ولا من تعرض له من الشراح، فلا تحصل به المطابقة للتَّرجمة إذا أريد فيها المسجد الشرعي إلا ببعض التكلفات يراد به اللغوي، ولعل ذلك هو الحامل لما نقله الكرماني في تفسيره في التَّرجمة: بمواضع إيقاع الصلاة، وهو المناسب دون ما في «الفتح» و «العمدة» ؛ فراجعه وتأمله) انتهى كلامهما.

قلت: كل منهما غير مصيب، وأراد بـ «الفتح» ما ذكره ابن حجر، و «العمدة» ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهما قالا: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وصلاته في سوقه» ) انتهى؛ يعني: على حذف مضاف؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ مسجد السوق لا توجد فيه الجماعة في غالب الأوقات، فصلاة الرجل الواحد فيه كصلاته في بيته منفردًا.

وإنَّما جعل البيت ومسجد السوق في حكم واحد؛ لعدم وجود الجماعة غالبًا فيهما، وبهذا تحصل المطابقة للتَّرجمة، وهذا هو مراد المؤلف؛ لأنَّه ترجم بـ (الصلاة في مسجد السوق) ، وساق هذا الحديث، وأشار إلى أنَّ قوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق طريق العامة، والصلاة فيه مكروهة، ولا كلام فيها هنا، وإنَّما المراد: مسجد السوق، كما لا يخفى.

وكيف غفل العجلوني والكرماني عن هذا حتى قالا ما لا تقبله الطباع؟ على أنَّ ما ذكراه من قوله: (وقد عبر عن الانفراد ... ) إلى آخره؛ ليس على ما ينبغي.

ولا حاجة إلى حديث أبي سعيد، فإنَّ في رواية البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة) .

وعند ابن ماجه: (فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمس وعشرون جزءًا) ، وقوله: (وحده) : صادق على ما إذا كان في بيته أو مسجد سوقه، كما لا يخفى، فهذا يوضح ويبين أنَّ المراد به الإنفراد؛ فافهم.

وقوله: (وليس فيه ... ) إلى آخره؛ ممنوع، فإنَّ ذكر السوق قرينة دالة على أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق ليس بمحل للصلاة، وإنَّما هو طريق العامة، كما لا يخفى.

وقوله: (ولم أر في بعض طرقه .. ) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم رؤيته له أن لا يكون موجودًا، على أنَّه لا يلزم التصريح بالمسجد؛ لأنَّه معلوم من المقام، والقرائن تدل عليه.

وقوله: (ولا تعرَّض له من الشراح .. ) إلى آخره: لا يخفى أنَّ عدم تعرضهم لذلك لكونه واضحًا غير خفي، وإنَّما يخفى على من يدعي الفهم وليس عنده منه شيء، وحصول المطابقة لحديث الباب لما ترجم ظاهرة، وأنَّ المراد بالمسجد: الشرعي، ولا تلكف فيه، وأنَّ المدعي للتكلف غير مصيب، بل في أنَّ المراد به: اللغوي تكلف لا يطاق، كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ مواضع الصلاة لا إشارة إليها ههنا ولا تعرض، وهي غير مناسبة للمقام، كما لا يخفى، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق بزيادة؛ فافهم، فما في «الفتح» و «العمدة» هو العمدة؛ فليحفظ.

(فإنَّ أحدكم) : خطاب خاص، والمراد به العام، هكذا بالفاء رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (بأنَّ أحدكم) ؛ بالموحَّدة، ووجهها: أن تكون الباء للمصاحبة، فكأنَّه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أُخَر؛ وهو رفع الدرجات، وصلاة الملائكة، ونحوها، ويجوز أن تكون للسببية، قاله إمام الشَّارحين، (إذا توضأ فأحسن) ؛ أي: فأسبغ، كذا هو بدون مفعوله؛ والتقدير: فأحسن الوضوء، والإحسان إلى الوضوء: إسباغه برعاية السنن والآداب، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وهذا تعليل لما سبق، ويدل على حذف المفعول السياق من الكلام؛ لأنَّه يقتضي أنَّ هناك مفعولًا محذوفًا، وقال القسطلاني: (نعم؛ ألحق في «الفرع» لا في «أصله» : «وضوءه» بعد «فأحسن» ، ويشبه أن يكون بغير خط كاتب الأصل) .

وزعم العجلوني أنَّه يوجد في كثير من النُّسخ المعتمدة: (فأحسن الوضوء) ؛ بالألف واللَّام.

قلت: لم نر في النُّسخ هكذا مطلقًا ولو غير معتمدة، فالله أعلم بصحتها مع أنَّ القسطلاني ذكر لفظ: (وضوءه) مع عدم الاعتماد عليه، وما هذا إلا تصحيف من النَّاسخين؛ فافهم.

(وأتى المسجد) أي: الجامع حال كونه (لا يريد) أي: بإتيانه (إلا الصلاة) ، فالجملة حالية، والمضارع المنفي إذا وقع حالًا؛ يجوز فيه الواو وتركه، وهو عطف على قوله: (فتوضأ) .

وزعم العجلوني أنَّه عطف على (فأحسن) .

قلت: ما قلناه هو الصَّواب؛ لأنَّ المراد: الوضوء وإتيان المسجد وهو متوضئ وإحسان الوضوء؛ أي: إسباغه من المكملات؛ فافهم.

قال الكرماني: (ومثل الصلاة الاعتكاف مثلًا؛ إذ المراد من الحصر: أنَّه لا يريد إلا العبادة، واقتصر على الصلاة؛ لأنَّها الأغلب) انتهى.

قلت: هذا غير ظاهر؛ لأنَّ الثواب المذكور إنَّما وَرَد في الصلاة خاصة، ولهذا اقتصر عليها؛ لأنَّها قد اشتملت على قيام، وركوع، وسجود، وذكر، وتسبيح، وقراءة قرآن بالاستقلال، أمَّا الاعتكاف؛ فليس كذلك؛ لأنَّه مكث في المسجد فقط، وهو وإن كان عبادة إلا أنَّها قاصرة، والصلاة أعم، فالمراد من الحصر إنَّما هو حصر الصلاة لا العبادة مطلقًا؛ فليحفظ.

(لم يخط خَطوةً) ؛ بفتح الخاء المعجمة وضمها، روايتان، وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء) ، وقال القرطبي: (الرواية بِضَمِّ الخاء، فالمضمومة: ما بين القدمين، والمفتوحة: المرة الواحدة) ، وهي منصوبة على المفعول المطلق لقوله: (يخط) ، ويحتمل أنها مفعول به؛ لأنَّ المعنى: لم يفعل خطوة، قلت: وهو بعيد، والأول أظهر؛ فافهم، (إلا رفعه الله بها) ؛ أي: بالخطوة الواحدة، وسقط لفظ: الجلالة للأصيلي (درجة) أي: واحدة (أو حطَّ) ؛ بتشديد الطاء المهملة؛ أي: أسقط وأزال (عنه خطيئة) ؛ أي: واحدة، ونصب (درجة) و (خطيئة) على التمييز، قاله القسطلاني.

واعترضه العجلوني فقال: (والظَّاهر أنَّ نصب «درجة» و «خطيئة» على المفعولية لفعليهما، لا نصب على التمييز كما قاله القسطلاني مع أنَّه سيأتي له في باب «فضل الجماعة» أنَّه أعربهما نائبين عن الفاعل؛ لأنَّ الرواية هناك: «إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة» ) انتهى.

قلت: ما قاله القسطلاني أولى وأنسب، وهو الظَّاهر، وما ذكره عن باب (فضل الجماعة) مبني على الرواية، فإنَّ الإعراب على حسب العوامل المقتضية له، فإذا كانت الرواية هكذا؛ فالإعراب هكذا، أمَّا ههنا؛ فالفعل مفعوله موجود وهو الضمير، و (رفع) لا يتعدى إلى مفعولين، كما لا يخفى، فتجويز النصب على المفعولية غير ظاهر، كما لا يخفى.

وهكذا رواية الكشميهني بـ (أو) ، وللأصيلي: (وحط عنه بها خطيئة) ؛ بالواو، وزيادة: (بها) ، قال الشَّارح: (وهذا أشمل، وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فلا تنافي) ؛ فليحفظ، والله أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في

[ص 688]

الأمور كلها.

(حتى يدخل) أي: أحدكم (المسجد) ؛ أي: الجامع، وهذا غاية لرفع الله له بالخطوة درجة ولحط الخطيئة عنه، فالمقتضي للرفع والحط المشي إلى المسجد، فإذا دخله؛ زال مقتضيها، فلهذا جعله غاية لهما، ولم يبق على عدم ثواب أصلًا، بل ثواب آخر، وترقي في الدرجات، ونجاة من الهلكات أشار إلى ذلك بقوله: (وإذا دخل) أي: الرجل المذكور (المسجد) أي: الجامع؛ (كان في صلاة) ؛ أي: حكمًا من حيث الثواب؛ أي: في ثواب (ما كانت) ؛ بالتأنيث؛ أي: الصلاة، ولأبي ذر: (ما كان) ؛ بالتذكير؛ أي: المسجد، كذا ذكره إمام الشَّارحين، وهو أعم مما فسره العجلوني بالفعل أو مكثه؛ لأنَّ المسجد مذكور في السياق، فالضمير في (كان) يتعين رجوعه إليه، أمَّا الفعل أو المكث؛ فغير مذكور، على أنَّ المسجد أعم وأشمل؛ فافهم، (تحبسه) ؛ بالفوقية على الرواية الأولى، وبالتحتية على الثانية، وكلمة (ما) مصدرية معناها المدة؛ والتقدير: مدة دوام حبس الصلاة أو المسجد إياه، وفاعل (تحبسه) ؛ بالفوقية: ضمير الصلاة، وبالتحتية: ضمير المسجد؛ فليحفظ.

وزعم القسطلاني: (وحذف الفاعل؛ للعلم به) .

قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الفاعل الضمير، فلا حذف للفاعل على أنَّه قيل: وجد في نسخة معتمدة التصريح بالفاعل، وعليها؛ ففيه تنازع، وفي بعض الأصول تقديمها على (تحبسه) ؛ فافهم.

وقوله: (وتصلي) أي: تدعو؛ (يعني: عليه الملائكة) : معطوف على جواب (إذا) ، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ: (يعني) ، وكذا لفظ: (عليه) أيضًا لابن عساكر، وثبت عنه في نسخة: (ما دام) ؛ أي: المصلي (في مجلسه الذي يصلِّي فيه) ؛ أي: ما دام المصلي في المجلس الذي صلى فيه الفريضة الأولى، أو تحيته المسجد، أو السنة القبلية، وهذا ظاهر الحديث.

وقيل: المراد بالمجلس: المسجد؛ والمعنى: ما دام المصلي في مسجده الذي صلى فيه، وهو مخالف للفظ الحديث، ويدل للأول ما ثبت في بعض الروايات: (ما دام في مصلاه) ، وهو مكان الصلاة، فهو المجلس الذي قد صلى فيه، قيل: إنَّ الثاني أرحج.

قلت: ليس في الحديث ما يدل على صحته فضلًا عن أرجحيته؛ فافهم.

وقوله: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) : جملة حالية، بتقدير: قائلين؛ والمعنى: وتدعو له الملائكة قائلين: اللهم؛ لأنَّه لا يصح المعنى إلا بذلك، وقيل: إنَّه بيان للصلاة، فالجملة مستأنفة، انتهى.

قلت: ليست الجملة مستأنفة، بل هي حالية، ويدل عليه تعلقها بما قبلها، كما لا يخفى، وزاد ابن ماجه: (اللهم تب عليه) .

وقوله: (ما لم يؤذ) : متعلق بـ (تصلي عليه) ، و (ما) ظرفية مصدرية؛ بمعنى المدة؛ أي: مدة عدم الإيذاء، وقال إمامنا الشَّارح: (يؤذ) ؛ بِضَمِّ التحتية أوله، وبالذَّال المعجمة، من الإيذاء، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلى، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم: الحدث في المسجد، ولهذا قال: (يُحدثْ فيه) ؛ أي: في مجلسه، وهو بِضَمِّ التحتية أوله، من الإحداث؛ بكسر الهمزة، وهو مجزوم في رواية الأكثرين على أنَّه بدل من (يُؤذ) ، وفي رواية الكشميهني: (ما لم يؤذ بحدث فيه) ؛ بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بـ (يؤذ) ، وفي رواية أبوي ذر والوقت: (يحدثُ) ؛ بالرفع على الاستئناف.

وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «ما لم يحدث» ؛ بطرح لفظ: «يؤذ» ؛ أي: ما لم ينقض الوضوء، والذي ينقض الوضوء الحدث) .

واعترضه ابن حجر، فقال: (يحتمل أن يكون أعم من ذلك) .

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الحديث رواه أبو داود في «سننه» ، ولفظه: «مالم يؤذ فيه» ؛ والمعنى: ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدًا بقوله أو فعله، أو «يحدثْ» ؛ بالجزم من الإحداث؛ بمعنى الحدث، لا من التحديث؛ فافهم، فإنَّه موضع تأمل) انتهى.

قلت: أشار بهذا إلى ما ذكره الكرماني وابن حجر، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ الكرماني اقتصر على الحدث الناقض للوضوء، وهو ليس بمراد؛ لأنَّ الملائكة تتأذى [2] بغيره أيضًا، وابن حجر أراد الأعم من ذلك، وهو أنَّ معنى: «يحدث» [3] من التحديث؛ أي: ما لم يتكلم، وهو غير مراد، بل المراد الأعم؛ وهو ما لم يؤذ في مجلسه أحدًا بقوله أو فعله، وهو شامل للبطش باليد واللسان، والحدث شامل لخروج الدم والريح والبول، فالإيذاء شامل لإيذاء الملائكة، والمسجد، والآدميين؛ لأنَّ الملائكة لا ترضى بذلكولا الخالق عز وجل، فلهذا إذا فعل شيئًا مما ذكر؛ تترك الدعاء له وتنصرف، كما لا يخفى؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: الدلالة على فضيلة الجماعة، وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق) .

وقال ابن بطال: (وفيه: أنَّ الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة) .

واعترضه الكرماني بأنَّه لم يقل: يساوي صلاته منفردًا خمسًا وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال: (يزيد) ، فليس للمنفرد من الخمس والعشرين شيء.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، ولو كان وقف على الروايات التي ذكرناها؛ لما قال ذلك كذلك) انتهى.

واعترضه العجلوني بأنَّه على فرض أن إحدى الروايات التي ذكرها تفيد ذلك، لا يرد على الكرماني؛ لأنَّ اعتراضه على قوله: (فيه) ؛ أي: في حديث الباب؛ فافهم وأنصف، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، وأمر بالفهم، ولم يفهم معنى الكلام، وأمر بالإنصاف، ولم ينصف في المرام، فإنَّ إمام الشَّارحين قال:(إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، وعذره بأنَّه لم يقف على الروايات التي ذكرها، فهي مسكوت عنها.

والحال أنَّ هذه الروايات توضح وتبين المراد من الحديث المذكور، فإنَّ الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى، ولا مانع من جعله للمنفرد درجة منها، فإنَّ فضل الله واسع غير محصور، وقد ذكرنا فيما سبق بعض الروايات في ذلك، وأنَّها صريحة فيما قاله، فما زعمه الكرماني والعجلوني غير صحيح)؛ فليحفظ.

على أنَّ حديث الباب مقيد بما في الروايات، فهي صريحة في أنَّ للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (وفيه ما استدل به بعض المالكية على أنَّ صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورُدَّ هذا بما ذكرنا عن ابن حبان: «وما كثر؛ فهو أحب إلى الله تعالى» ، وإلى مطلوبيَّةِ الكثرة ذهب الشَّافعي وابن حبيب) انتهى.

واعترضه العجلوني بأن يتأمل اقتصاره عليهما، فإنَّ مطلوبية الكثرة في الجماعة إذا لم يعارضها غيرها؛ يذهب إليه كل أحد على ما لا يخفى، انتهى.

قلت: إنَّما اقتصر عليهما؛ لأنَّه اشتهر عن الشَّافعي أنَّ الكثرة غير مطلوبة، ولا ثواب في الكثرة، ويحتمل اقتصاره عليهما؛ لما يشاهد من الزحام في صف الشَّافعية، فإنَّ الرجل يؤذي جاره بيده وجنبه ورجله، والإيذاء حرام، فأحدهم يظن نفسه أنَّه فعل مندوبًا، والحال أنَّه فعل محرمًا، فذهبا إلى مطلوبية الكثرة وإن كان زحام وضيق مع أنَّ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.

تتمة: قال إمام الشَّارحين:(اختلفوا في الجمع بين رواية: «بسبع وعشرين درجة» ، وبين رواية: «خمس وعشرين» ؛ فقيل: السبع متأخرة عن الخمس، فكأنَّ الله أخبره بخمس ثم زاده، ورُدَّ هذا بتعذر التاريخ، وأجيب: بأنَّ الفضائل لا تنسخ، فتعين أنَّه متأخر.

وقيل: إنَّ صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورُدَّ هذا بقوله:

[ص 689]

عليه السَّلام: «وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفًا» .

وقيل: إنَّ الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخُطَا إلى الصلاة، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع.

وقيل: إنَّ ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فمن أكملها وحافظ عليها؛ فوق من أخل بشيء من ذلك.

وقيل: إنَّ الزيادة لصلاتي العشاء والصبح؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة: «تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر» ، فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستئناف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة.

وقيل: لا منافاة بين الحديثين؛ لأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين.

وقال ابن الأثير: إنَّما قال: «درجة» ، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا شيئًا من أمثال ذلك؛ لأنَّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنَّ تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأنَّ الدرجات إلى جهة فوق.

قلت: قد جاء فيه لفظ: الجزء والضعف، كما قدمناه، فكأنَّه لم يَطَّلع عليهما.

وقد قيل: إنَّ الدرجة أصغر من الجزء، فكأنَّ الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات؛ كانت سبعًا وعشرين درجة.

قلت: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّه جاء في «الصَّحيحين» : «سبعًا وعشرين درجة» ، و «خمسًا وعشرين درجة» ، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.

وقد قيل: يحتمل أن يكون الدرجة في الآخرة، والجزء في الدنيا.

فإن قلت: قد علم وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة من التنصيص عليهما؟

قلت: نقل الطيبي عن التوربشتي: وأمَّا وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى؛ فإنَّ المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النُّبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النُّبوة هي اجتماع المسلمين مصطفِّين كصفوف الملائكة المقربين، واقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام، وغيرها، انتهى.

قلت: هذا لا يشفي الغليل، ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمَّدية: أنَّ كل حسنة بعشر أمثالها بالنص، وأنَّه لو صلى في بيته؛ كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه؛ كان لكل صلاة عشرًا [4] ، ثم إنَّه إذا صلى بالجماعة؛ يضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاة، وأمَّا زيادة الخمسة؛ فلأنَّه أدى فرضًا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة على عشرين إنعامًا وفضلًا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين.

وجواب آخر: وهو أنَّ مراتب الأعداد آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، والمئة من الأوساط، وخير الأمور أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المئة، وللربع حكم الكل.

وأمَّا زيادة السبعة؛ فقال الكرماني: «يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد الركعات في اليوم والليلة؛ إذ الفرائض سبع عشرة، والرواتب المؤكدة عشرة» انتهى.

قلت: الرواتب المؤكدة اثني عشر؛ لحديث المثابرة، فيصير تسعة وعشرين، فلا يطابق الواقع، فنقول: يمكن أن يقال: إنَّ أيام العمر سبعة، فإذا صلى بالجماعة؛ يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة، وأمَّا الوتر؛ فلعله شرع بعد ذلك.

ثم العلماء اختلفوا هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنَّما يكون للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد؟ قال القرطبي: «والظَّاهر الأول؛ لأنَّ الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم» ) انتهى كلام إمام الشَّارحين.

واعترضه العجلوني بأنَّ تعليله بقوله: (فإن أحدكم ... ) إلى آخره: يقتضي ترجيح الثاني لا سيما على رواية الفاء، انتهى.

قلت: بل الأظهر الأول؛ لأنَّ الجماعة سواء كانت في المسجد، أو في البيت، أو غيرهما لها هذا الفضل؛ لأنَّ الفضل محكوم به للجماعة مطلقًا، وأمَّا الحديث؛ فمبني على الغالب؛ بدليل ما رواه البخاري في «تاريخه» : «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى» ، ويدل عليه أيضًا روايات تقدم ذكرها، فهذا كما رأيت غير مقيد بالمسجد، بل الفضل عام مطلقًا؛ فافهم.

واعترض العجلوني على قوله: (الرواتب المؤكدة اثني عشر) بأنَّ هذا لا يرد على الكرماني؛ لأنَّه مبني على مذهبه أنَّ الأربعة قبل الظُّهر مؤكدة.

قلت: هو ممنوع، فهو وإن كان موافقًا لمذهب الأئمة الحنفية إلا أنَّه يرد على الكرماني؛ حيث إنَّه ثابت في الحديث الذي ذكره، ويدل عليه ما في «الصَّحيحين» : «من ترك أربعًا قبل الظُّهر؛ لم تنله شفاعتي» ، وهو شامل لما تُرِك بعضها؛ كأن صلى ركعتين، فإنَّه لا يكون مؤديًا بل تاركًا، فهو يدل على تأكيد الأربع، كما لا يخفى، ولم يرجع العجلوني عن تعصبه وعناده، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (بعضًا) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (تتأذ) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (بحدث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (عشر) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (بعضًا) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (تتأذ) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (بحدث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (بعضًا) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (تتأذ) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (بحدث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت