فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 860

[حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان]

493# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبة) ؛ بِضَمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية: هو ابن مسعود المدني الصَّحابي أحد الفقهاء السبعةرضي الله عنه، (عن عبد الله بن عبَّاس) : هو بحر العلم، وحبر الأمة، وترجمان القرآن رضي الله عنهما، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: أنَّه (قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمار أَتان) ؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية: الأنثى من الحمير.

ولما كان الحمار شاملًا للذكر والأنثى؛ خصَّه بقوله: (أتان) ، وإنَّما لم يقل: حمارة ويكتفي عن تعميم (حمار) ثم تخصيصه؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا زعمه الكرماني.

واعترضه البرماوي بأنَّ (حمارًا) مفرد لا اسم جنس جمعي؛ كتمر.

قال إمام الشَّارحين: (الأحسن في الجواب: أنَّ «الحمارة» قد تطلق على الفرس الهجين كما قاله الصغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك على أنَّ الجوهري حكى أنَّ «الحمارة» في الأنثى شاذة) انتهى.

و (أتانٍ) ؛ بالجر والتنوين؛ كـ (حمار) على النعت له، أو بدل الغلط، أو بدل بعض من كل؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل؛ نحو: {شَجَرَةٍ مباركة [1] زَيْتُونَةٍ} [النور: 35] .

وقال ابن الأثير: (إنَّ فائدة التنصيص على كونها أنثى: الاستدلال على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة بالطريق الأولى؛ لأنَّهن أشرف) .

واعترض بأنَّ العلة ليست مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنَّها مظنة الشهوة، انتهى.

قلت: العلة الأنوثة البشرية مع كونها في الصلاة الواحدة؛ فهي مظنة الشهوة لا مطلقًا؛ لأنَّ المس بلا حائل أو به يوجدها، بخلاف النَّظر، فإنَّه يمنع ذلك، كما لا يخفى.

(وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام) ؛ أي: قاربت البلوغ بالاحتلام، والمعنى: أنَّه كان مراهقًا (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالناس بمنًى) بالصرف وعدمه، والأجود الصرف، وكتابته بالألف، وسميت بذلك لما يمنى؛ أي: يراق بها من الدماء، كذا رواه مالك وأكثر أصحاب الزهري.

ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة: (بعرفة) ، وجمع بينهما بأنَّهما قضيتان.

ورُدَّ بأنَّ الأصل عدم التعدد، لا سيما مع اتحاد مخرج الحديث.

وزعم بعضهم أنَّ رواية ابن عيينة شاذة، وكان ذلك في حجة الوداع لا في الفتح على الصَّحيح؛ فتأمله.

(إلى غير جِدار) ؛ بكسر الجيم: هو الحائط، وهو متعلق بـ (يصلِّي) ؛ أي: إلى شيء يستره غير جدار؛ كعصا أو عنزة.

وزعم ابن حجر أنَّ معناه: أي: إلى غير سترة أصلًا، كما قاله الشَّافعي، وعليه فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه عليه السَّلام صلى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البيهقي: (باب من صلى إلى غير سترة) انتهى.

وردَّه الشَّارح في «عمدة القاري» : بأنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: (إلى غير جِدار) مشعر بأنَّ ثمة سترة؛ لأنَّ لفظة (غير) تقع دائمًا صفة لمحذوف؛ تقديره: إلى شيء غير جِدار، وهو أعم من أن يكون عصا، أو عنزة، أو نحوها، وهذا القائل لم يقف على وجه الكلام، والبيهقي أيضًا لم يقف على هذه النُّكتة، والبخاري دقيقٌ نظره، فأورَد هذا الحديث في هذا الباب؛ للوجه الذي ذكرناه، على أنَّ ذلك معلوم من حال النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ المعروف من عادته أنَّه كان لا يصلِّي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ويؤيده ذكر الحديثين بعده المصرح فيهما بالسترة، فهو من باب حمل المطلق على المقيد.

وقول ابن عبَّاس: (فمررت بين يدي) أي: قدام (بعض الصف) ، فالتعبير باليد مجاز، وإلا، فالصف لا يد له (فنزلت وأرسلت) ولأبي ذر: (فأرسلت) ؛ بضمير المتكلم فيهما (الأتان ترتعُ) ؛ أي: تأكل، و (ترتعُ) مرفوع، والجملة محلها نصب على الحال من (الأتان) ، وهي حال مقدرة؛ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل مقدرًا كونها على تلك الحال، وجوز ابن السيد فيه أن يريد: لترتع، فلما حذف الناصب؛ رُفِع؛ كقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] ،

[ص 706]

قاله الدماميني، وقيل: (ترتع) : تسرع في المشي، والأول: أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في (الحج) : (نزلت عنها فرتعت) ، (ودخلت في الصف، فلم ينكر) : على صيغة المعلوم من الإنكار؛ وهو الجحود؛ أي: فلم يجحد (ذلك) الفعل (عليَّ) بفتح التحتية (أحدٌ) : بالرفع فاعله؛ أي: لم ينكر ذلك الفعل عليَّ النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ولا غيره من أصحابه، وهذا يشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة غير الجدار؛ لم يكن لهذا الإخبار فائدة؛ إذ مروره حينئذٍ لا ينكره أحدٌ أصلًا.

قلت: وهذا ليس بشيء، وإنَّما لم ينكروا عليه ذلك؛ لعلمهم أنَّ سترة الإمام سترة لهم؛ بدليل عادته عليه السَّلام أنَّه لم يصلِّ في الصحراء إلا وأمامه سترة.

ومع هذا؛ فالكلام ونحوه ممنوع في الصلاة؛ لأنَّه منسوخ بقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، وبقوله عليه السَّلام: «إنَّ في الصلاة شغلًا» ، كما في «مسلم» وغيره، وهذا هو المعهود عندهم، وفائدة هذا الإخبار: أنَّه لما مر بين يدي الصف ولم ينكر عليه أحد؛ تبين أنَّ سترة الإمام سترة لهم وأنَّ صلاتهم صحيحة، وأنَّه لم يقطعها عليهم حيث السترة موجودة؛ بدليل أنَّهم لم يؤمروا بالإعادة، فالحقُّ ما قاله إمام الشَّارحين، وهو أحكم الحاكمين؛ فافهم.

فإن قلت: لا يلزم مما ذكر اطلاعه عليه السَّلام على ذلك لاحتمال أن يكون الصف الأول حائلًا دون رؤيته له.

قلت: قد ثبت أنَّه عليه السَّلام كان يرى في صلاته من ورائه كما يرى من أمامه.

وعند المؤلف في (الحج) : أنَّه مرَّ بين يدي بعض الصف الأول، فلم يكن حائل هناك دون الرؤية، وفي رواية البزار: (والنَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي المكتوبة ليس شيء يستره) ، قالوا: هذا يؤيد عدم الحائل.

قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ ما رواه المؤلف في (الحج) لا يدل عليه؛ لأنَّ الصف الأول طويل وهو من المشرق إلى المغرب، وكان مروره في أوله أو في آخره، فلم يدرك السترة ولم يرها، وما رواه البزار لا يدل عليه أيضًا؛ لأنَّه لما نزل عن الحمار وهي ترتع؛ دهش، فلم ير السترة لدهشته لا سيما في مصلى النَّبي الأعظم عليه السَّلام على أنَّه في أكثر الروايات كما رواه المؤلف ههنا، وهو من باب حمل المطلق على المقيد، كما لا يخفى، ويحتمل أنَّ في الرواية طيًّا؛ وهو ليس شيء يستره غير سترته، وهذا الحديث بعينه قد تقدم في كتاب (العلم) في باب (متى يصح سماع الصغير) ، وتقدم الكلام عليه هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت