فهرس الكتاب

الصفحة 821 من 860

[حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها]

497# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا المكي) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم) هو البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد) ؛ بِضَمِّ العين المهملة مصغرًا: هو الأسلمي مولى سلمة ابن الأكوع، (عن سَلَمَة) ؛ بفتحات: هو ابن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي المدني الصَّحابي، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة.

قال إمامنا الشَّارح: (ورجاله ثلاثة ذكروا في باب «إثم من كذب على النَّبي صلى الله عليه وسلم» ، وهذا من ثلاثيات البخاري) انتهى.

(قال) أي: سَلمة: (كان جدار المسجد) ؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد (عند المِنبَر) ؛ بكسر الميم وفتح الموحَّدة، من تتمة اسم (كان) ؛ أي: الجدار الذي عند منبر النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وخبر (كان) جملة قوله: (ما كادت الشاة تجوزها) ، ويجوز أن يكون الخبر قوله: (عند المنبر) ، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ تقديره: إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار المسافة بينهما؟ فأجاب بقوله: (ما كادت الشاة تجوزها) ؛ أي: مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة، وليس بإضمار قبل الذكر؛ لأنَّ سوق الكلام يدل عليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه البرماوي، والقسطلاني، وجوز العجلوني أن تكون الجملة خبرًا ثانيًا.

قلت: الأظهر: الأول؛ فتأمَّل.

و (تجوزها) : بالجيم والزاي، والضمير فيه عائد إلى المسافة، وهي ما بين الجدار والمنبر، و (كاد) : من أفعال المقاربة، وخبره يكون فعلًا مضارعًا بغير (أن) ، كما في هذه الرواية، وفي رواية الكشميهني: (أن تجوزها) ، ووجهه: ما قاله الشَّارح: أن تكون (أن) تدخل على خبر (كاد) ، كما تحذف من خبر (عسى) ، إذ هما أخوان يتقارضان، لا يقال: إذا دخل حرف النَّفي على (كاد) ؛ يكون للنَّفي كما في سائر أفعاله؛ لأنَّا نقول: القواعد النحوية تقتضي النَّفي، والموافق هنا الإثبات؛ للحديث الأول، انتهى.

ثم قال إمام الشَّارحين: (وهذا الحديث موقوف على سَلمة، لكنه في الأصل مرفوع، يدل عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: «كان المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما يمر العنز» ) انتهى، ومثله في ابن حجر والقسطلاني.

ثم قال الشَّارح:(ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من حيث إنَّه عليه السَّلام كان يقوم بجنب المنبر؛ لأنَّه لم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنَّه

[ص 710]

قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلي وسترته قدر ما بين منبره والجدار القبلي، وقيل غير ذلك، تركناه؛ لأنَّه [لا] طائل تحته) انتهى.

قلت: أشار بهذا إلى ما قاله ابن حجر وعبارته بعد كلام الكرماني: (وأوضح منه ما ذكره ابن رشيد: أنَّ البخاري أشار بهذه التَّرجمة إلى حديث سهل الذي سبق في باب «الصلاة على المنبر» ، فإنَّ فيه: «أنَّه عليه السَّلام قام على المنبر وصلى عليه» ، فاقتضى أنَّ ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلي، فإنَّ أكثر أجزاء الصلاة حصلت على المنبر، ونزوله عن المنبر؛ لأنَّ الدرجة لم تسع قدر سجوده، ولما سجد في أعلاه؛ صارت الدرجة العليا سترة له) انتهى.

قلت: هذا تكلف وكونه_البخاري_ أشار بترجمته إلى حديث سهل بعيد جدًّا؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لكان ذكر الحديث تحت ترجمته، وليس فيه اقتضاء كون المنبر قيام المصلي؛ لأنَّ المنبر ليس محلًّا للصلاة، ولا يسع المصلي عليه؛ لأنَّه درجات، فليس فيه مكان يسع أركان الصلاة، على أنَّه ليس لهذه التَّرجمة إشارة عليه ولا دلالة إليه، وهذا من هفوات ابن حجر وابن رشيد، ولهذا اعترضه العجلوني، فقال: (يتوقف في دعواه الأوضحية) ؛ يعني: فإنَّه محل خفاء ظاهر من الحديث للتَّرجمة، وعلى كل حال؛ فكلامه لا طائل تحته؛ فافهم.

وفي الحديث: دلالة على استحباب القرب من السترة، ومذهب الأئمة الحنفية: أنَّ السنة ألَّا يزيد ما بين المصلي والسترة على ثلاثة أذرع من قدم المصلي كما بيناه.

وقال البغوي: (استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السُّجود، وكذلك بين الصفوف) .

وقول ابن الصلاح: (قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع) ، لا يخفى ما فيه من البعد؛ فافهم.

ومذهب الشَّافعي وأحمد كما قاله القسطلاني: أن يكون بين المصلي والسترة أقل من ثلاثة أذرع.

وقال ابن القاسم عن مالك: (ليس من الصَّواب أن يصلِّي وبينه وبين السترة صفان) .

وروى ابن المنذر عن مالك: (أنَّه تباعد عن سترة وأن شخصًا قال له: أيها المصلي؛ ألا تَدْنُ من سترة، فمشى الإمام إليها وهو يقول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] ) .

وجمع ابن التين بين حديث الباب وحديث بلال بما إذا قام؛ كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع؛ كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه، ولم يحدَّ في ذلك مالك حدًّا إلا بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع المار فيه، وقد سبق في الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصَّواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت