فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 860

[حديث: أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه]

506# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولأبي الوقت بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) ، اسم فاعل من الإنذار، هو أبو إسحاق الحزامي المديني (قال: حدثنا أبو ضَمْرة) ؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وسكون الميم: هو أنس بن عياض اللَّيثي المدني، المتوفى سنة مئتين، كما مر في باب (التبرز في البيوت) (قال: حدثنا موسى بن عقبة) هو ابن أبي عياش المديني، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي المدني رضي الله عنهما (كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (إذا دخل) أي: ابن عمر (الكعبة) ؛ أي: البيت الحرام للصلاة فيه الفرض أو الواجب أو النفل، وقوله: (مَشى) : جواب (إذا) ؛ بفتح الميم، مصدر مشى يمشي مشيًا (قِبَل وجهه) ؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل وجهه (حين يدخل) ؛ أي: ابن عمر الكعبة؛ يعني: لا يقف، بل بمجرد الدخول يمشي؛ لأنَّه ليس لوقوفه فائدة؛ فافهم، (وجعل الباب) أي: باب الكعبة (قِبَل) ؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (ظهره) ، وقوله: (فمَشى) : الفاء فيه للتعقيب (حتى يكونَ) ؛ بالنصب؛ أي: إلى أن يكون (بينه) أي: ابن عمر (وبين الجدار) أي: جدار الكعبة الجنوبي (الذي قِبَل) ؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (وجهه) ؛ أي: وجه ابن عمر، وقوله: (قريبًا) ؛ بالنصب، ويروى: بالرفع، وهو الأصل؛ لأنَّه اسم (يكون) ، والظرف المقدم خبرها، ووجه النصب أن يكون اسمه محذوف؛ تقديره: يكون القَدْر أو المكان قريبًا من ثلاثة أذرع، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الكرماني، والبرماوي، وابن حجر، يعني: أنَّ (قريبًا) بالنصب خبر (كان) والاسم محذوف، وزعم الزركشي أنَّه خطأ.

قلت: رواية النصب لأكثر الرواة ثابتة لا محالة، ووجهها ظاهر، فخطؤه مردود عليه.

وعبارة ابن حجر تفيد أنَّ الرواية بالنصب لا غير، قلت: وفيه قصور، فإنَّ الرواية بالرفع ثابتة لبعض الرواة، بل قال في «التنقيح» : الصَّواب الرفع، ووجَّهه الدماميني بأنَّه على حذف الموصول وبقاء صلته؛ أي: حتى ما يكون، قال: ولكنه ليس بمقيس، انتهى، قلت: وما قَدَّر به إمامنا الشَّارح هو الصَّواب، والسياق يدل عليه، بخلاف تقدير الدماميني، فإنَّ فيه تعسفًا وخروجًا عن القواعد.

وزعم العجلوني أنَّ (بين) تتصرف قليلًا؛ كما في قوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] في قراءة الرفع، فلو حمل ما هنا عليه؛ لكان وجيهًا؛ فتأمله.

(من ثلاثة أذرع) ؛ بالتأنيث رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: (ثلاث) ؛ بالتذكير، ووجه التأنيث مع أنَّ الذراع مذكر: أنَّه شبهه بذراع اليد؛ وهو يجوز تذكيره وتأنيثه، قاله الكرماني.

وقال إمام الشَّارحين:(فإن قلت: الذراع مذكر فما وجه تركه التَّاء؟

قلت: أجاب بعضهم: بأنَّ الذراع يذكر ويؤنث، وليس كذلك على الإطلاق، بل الذراع الذي يذرع به يذكر، وذراع اليد يذكر ويؤنث، وههنا شبهه بذراع اليد)انتهى.

قلت: مراده بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنَّه قال: (الذراع يذكر ويؤنث) ، ولم يقيده بشيء، وتبعه القسطلاني، وفيه نظر ظاهر لا يخفى؛ حيث لم يفرق بين الذي يذكَّر فقط وبين الذي يذكَّر ويؤنث؛ فافهم.

وأجاب العجلوني تعصبًا بأنَّه يمكن حمل كلام ابن حجر على ذراع اليد لا الآلة مع أنَّه مؤنث.

قلت: وهو ظاهر الفساد مع ما فيه من العناد؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ وصريحه يدل على أنَّ المراد ذراع الآلة؛ لأنَّه هو الذي يذرع به، وتمسح به الأرض، ويبتاع به العامة، وهو مذكَّر لا غير، فكيف يحمل على ما ذكر؟ وما ادعاه من أنَّ الذراع بمعنى الآلة مؤنث؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أئمة اللُّغة ولا غيرهم، فهو تأنيث من عنده مردود عليه؛ فافهم.

وقوله: (صلى) : جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا (يَتوخى) ؛ بفتح التحتية أوله، وبالخاء المعجمة، آخره ألف وتكتب ياء؛ أي: يتحرَّى، يقال: توخيت مرضاتك؛ أي: تحريت وقصدت، والجملة محلها نصب على الحال (المكان) بالنصب على المفعولية من الكعبة المشرفة (الذي أخبره به) أي: بذلك المكان منها (بِلال) ؛ بكسر الموحَّدة، مؤذن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (أنَّ) بفتح الهمزة (النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ، وخبر (أنَّ) جملة قوله: (صلى فيه) ؛ أي: في ذلك المكان الذي أخبره به بلال رضي الله عنه.

(قال) أي: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (وليس على أحدنا) ولابن عساكر: (وليس على أحد) ؛ بحذف لفظة (نا) ، وقوله: (بأس) : اسم (ليس) ؛ أي: شدة (إن صلى) ؛ بكسر الهمزة، و (صلى) ؛ بلفظ الماضي، وفي رواية الكشميهني: (أن يصلِّي) بفتح الهمزة، ولفظ المضارع؛ والتقدير: ولا بأس من أن يصلِّي، وحذف حرف الجر سائغ، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه الشَّارحون؛ فافهم، (في أيِّ نواحي) أي: في أيِّ جهات (البيت) أي: الكعبة المعظمة (شاء) ؛ أي: فهو مخيَّر في الصلاة في أيِّ مكان شاء منها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في الباب السَّابق بطريق الاستلزام، وهو أنَّ الموضع المذكور من

[ص 719]

كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كون صلاته بين الساريتين.

قلت: وفيه تعسف قدمنا وجهه قريبًا.

وفي الحديث: جواز الصلاة مطلقًا فرضها وواجبها ونفلها في البيت الحرام، وهو مذهب الأئمة الحنفية، وبه قال الشَّافعي، وتبعهم أحمد ابن حنبل في النفل، وخالفهم في الفرض، فمنع الفريضة فيها، والحديث حجة عليه.

وفيه: استحباب الدنو من السترة؛ لأنَّ الشَّارع قد أمر بالدنو منها؛ كيلا يتخلل الشَّيطان ذلك، والأمر هنا للاستحباب، كما لا يخفى.

وفيه: أنَّ السترة بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطال أنَّ الذي واظب عليه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في مقدار ذلك ممرُّ الشاة، كما جاء في الآثار، انتهى.

ولم يعترضه أحد من الشراح، وأقول: هذه دعوى لا دليل لها؛ لأنَّه قد جاء في الآثار تارة: (ثلاثة أذرع) ، وتارة: (ممر الشاة) ، بل الذي دلت عليه الآثار المواظبة على ثلاثة أذرع؛ لأنَّه هو الذي يتمكن المصلي من دفع المار بين يديه، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح: (قال أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع) ، وفي نسخة: (ثلاثة أذرع) ، ولهذا لم يحدَّ مالك بن أنس في هذا حدًّا إلا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد؛ فافهم.

وفي الحديث: أنَّه لا يشترط في صحة الصلاة في البيت موافقة المكان الذي صلى فيه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، كما أشار إليه ابن عمر، ولكن الموافقة أولى، وإن كان يحصل الفرض بغيره، ففيه أنَّه تستحب الصلاة في ذلك المكان؛ لأجل الموافقة.

وقد قدمنا أنَّ الحديث لا يدل صريحًا على الصلاة بين الساريتين، وقد اختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فأجازه الأئمة الكوفيون، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وقال مالك: لا بأس بالصلاة بينها لضيق المسجد، وكرهها أنس بن مالك؛ لورود النَّهي بذلك، رواه الحاكم وصححه، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف) ، قال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا، وقال القرطبي: سبب الكراهة أنَّه روي: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن المؤمنين، انتهى.

قلت: وسبب الكراهة أنَّ بين الأساطين مكانٌ مُعدٌّ لوضع النعال، وهي ملوثة بالنجاسات غالبًا، فالتحرز عنها مطلوب، وقد يقال: إنَّ النعال تطهر بالدلك، فهي طاهرة عند الجمهور، وأقول: ولمَّا وَرَد: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن؛ فلا مجال لإيراد سبب آخر؛ فافهم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت