[حديث: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس]
509# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو مَعْمَر) ؛ بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري، المتوفى بها سنة أربع وعشرين ومئتين، وقد سبق في باب (قوله عليه السَّلام: «اللهم علمه الكتاب» ) (قال: حدثنا عبد الوارث) هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، المتوفى بها في المحرم سنة ثمانين ومئة، تقدم أيضًا في هذا الباب (قال: حدثنا يونس) هو ابن عبيد _بالتصغير_ ابن دينار، أبو عبد الله البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن حُميد) ؛ بِضَمِّ الحاء، تصغير الحمد (بن هِلَال) ؛ بكسرالهاء، وتخفيف اللَّام: العدوي البصري، التَّابعي الجليل، لم يفضلوا عليه أحدًا في العلم في زمانه، (عن أبي صالح) هو ذكوان السَّمان التَّابعي المدني: (أن أبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدري، الصَّحابي الجليل، (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
(ح) : مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته حرف الحاء المهملة المفردة، وهي ساقطة في «اليونينية» ، ولا يضر في التحويل كون المحول إليه فيه زيادة قصة، والتفاوت بين الإسنادين أن الأول فيه: (عن أبي صالح أن أبا سعيد) ، والثاني: (قال أبو صالح: رأيت أبا سعيد) ، والثاني أقوى، فإن الاعتبار بالحديث، ولا تفاوت فيه بينهما، وقد ساق البخاري هذا الحديث في (بدء الخلق) بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يونس بعينه، وههنا من لفظ سليمان لا من لفظ يونس، كذا في «عمدة القاري» مع تغيير؛ فافهم.
(قال: حدثنا آدم) ؛ بهمزة ممدودة، ولأبي الوقت: (آدم بن أبي إياس) هو العسقلاني (قال: حدثنا سليمان بن المُغيرة) ؛ بِضَمِّ الميم: هو القيسي البصري، قال إمام الشَّارحين: (ولم يخرج المؤلف لسليمان شيئًا موصولًا غير هذا الحديث) انتهى.
وزعم ابن حجر أن لفظ الحديث في (بدء الخلق) مغاير لما هنا، وليس فيه تقييد الرفع بما إذا كان المصلي يصلِّي إلى سترة، والمطلق محمول على المقيد؛ لأنَّ المصلي إلى غير سترة مقصر لا سيما إن صلى في شارع المشاة، انتهى.
قلت: وفيه: أن ما هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (بدء الخلق) ، ولا يلزم الحمل المذكور؛ لأنَّ الرفع يطلب مطلقًا، ولو كان يصلِّي إلى غير سترة، كما إذا صلى في مكان ونسي أن يغرز سترة، أو صلى في مكان لا يظن فيه المرور، ثم جاء مار وأراد المرور؛ فليدفعه، فإنَّه في هذا غير مقصر؛ فليحفظ.
(قال: حدثنا حميد بن هلال) هو العدوي التَّابعي (قال: حدثنا أبو صالح السَّمان) هو المدني التَّابعي، ففي الإسنادين رواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال: رأيت) أي: أبصرت (أبا سعيد الخدري) هو سعد بن مالك، الصَّحابي الجليل المشهور رضي الله عنه، والمفعول الثاني هو قوله: (في يوم جمعة) ، وقوله: (يصلِّي إلى شيء) ؛ أي: عنزة ونحوها طول ذراع بغلظ إصبع (يستره من الناس) ؛ أي: من مرورهم بين يديه، جملة محلها نصب على الحال، وهل هذه صلاة الجمعة أو غيرها؛ الظَّاهر: الثاني؛ كصلاة سنة الجمعة أو نفل أو غيرهما؛ لأنَّ صلاة الجمعة لا تؤدى إلا مع الإمام وهو يصلِّي في محرابه، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ويحتمل أنَّه كان يصلِّي في غير المسجد، وعلى كل حال؛ فهي غير صلاة الجمعة؛ فافهم، (فأراد شاب من بني أبي مُعَيْط) ؛ بِضَمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، وأبو معيط في قريش، واسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية الأكبر، هو والد عقبة بن أبي مُعَيْط الذي قتله النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صبرًا، و (مُعَيْط) : تصغير معط؛ وهو الذي لا شعر عليه، فالأمعط والأمرط سواء، قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .
واختلف في اسم الشاب المذكور على أقوال؛ أحدها: أنَّه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط؛ لما في كتاب (الصلاة) للبخاري من طريق شيخه أبي نعيم عن زيد بن أسلم قال: (بينما أبو سعيد قائمًا يصلِّي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه) .
الثاني: أنَّه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: (كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه فأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره؛ لأخذت) .
الثالث: أنَّه داود بن مروان؛ لما رواه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى، ولفظه: (أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة ... ) ؛ فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجوزي، وروى عبد الرزاق الحديث، عن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: (فذهب ذو قرابة لمروان) ، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: (مَرَّ رجلٌ بين يدي أبي سعيد من بني مروان) ، وللنسائي من وجه آخر: (فمر ابن لمروان) .
ثم قال إمامنا الشَّارح بعد أن ساق الطرق: (والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد؛ لأنَّ في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرًا لا يخفى) انتهى.
وتبعه ابن حجر وغيره، ونظر ابن حجر في القول الأول: بأن في الحديث: (أنه دخل على مروان) ، وزاد الإسماعيلي: (ومروان يومئذٍ أمير على المدينة) ، ولم يكن مروان أميرًا على المدينة إلا في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد يومئذ فيها، وأيضًا لم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وقال في الثالث: وفيه نظر؛ لأنَّ فيه أنَّه من بني أبي معيط وليس مروان من بنيه، بل أبو معيط ابن عم [1] والد مروان، لكن يحتمل أن داود نسب إلى ابن معيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه بعد، والأقرب أن الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، انتهى.
قلت: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ قوله:(ولم يكن مروان
[ص 724]
أميرًا على المدينة ... ) إلخ؛ لا ينافي ذلك، فإنَّه قد دخل على مروان لأجل الشكاية إليه وإن لم يكن أميرًا، فإن كثيرًا من الناس إذا وقع في أمر؛ يشكو أمره أولًا لصاحبه أو صديقه أو قريبه ثم يشكو للحاكم، فيجوز أن يكون الوليد شكا أمره أولًا لمروان.
وقوله: (ولم يكن يومئذ شابًّا ... ) إلخ: كلام متناقض على أنَّه قد استوجهه؛ فافهم.
وقوله في الثالث: (إنَّه بعيد) : ليس كذلك؛ لأنَّه يجوز أن ينسب إلى ما ذكره؛ لشهرته به على طريقة المجاز، وهو سائغ في الكلام، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أن يجتاز) ؛ بالجيم والزاي، من الجواز؛ أي: يمر، جملة محلها نصب مفعول (أراد) (بين يديه) ؛ بالتثنية؛ أي: بين يدي أبي سعيد (فدفع) وفي بعض النُّسخ: (فدفعه) ؛ بالضمير (أبو سعيد) أي: سعد بن مالك الخدري (في صدره) أي: في صدر الشاب المذكور (فنظر الشاب) يحتمل أنَّه نظر إليه متعجبًا من فعله به، ويحتمل أنَّه نظر طريقًا يمر فيه غيره، ويدل عليه قوله: (فلم يجد) أي: الشاب (مَسَاغًا) ؛ بفتح الميم والسين المهملة، وبالغين المعجمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق؛ إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيء: طاب (إلا بين يديه) أي: أبي سعيد، (فعاد) أي: الشاب (ليجتاز) أي: ليمر بين يديه، (فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى) ؛ أي: من المرة الأولى أو الدفعة الأولى، كما في «عمدة القاري» ، (فنال) ؛ بالفاء والنُّون؛ أي: فأصاب (الشاب من أبي سعيد) : من عرضه بالشتم، وهو من النيل؛ وهو الإصابة، كذا قال الشراح.
قلت: وفيه: أن الشاب لم ينل من أبي سعيد شتمًا [2] في عرضه، وإنما أصابه منه شتم باليد المرة بعد أخرى.
(ثم) إن الشاب رجع ولم يمر بين يدي أبي سعيد حتى (دَخَل على مروان بن الحَكَم) ؛ بفتحتين: الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنَّه رأى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلموهو ابن ثمان سنين، توفي بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين عن ثلاث وستين سنة، وتقدم ذكره في باب (البزاق) .
قلت: ودفن بباب الصغير رضي الله عنه.
(فشكى) أي: الشاب (إليه) أي: إلى مروان (ما لقِي) ؛ بكسر القاف؛ أي: الذي لقيه (من أبي سعيد) ؛ أي: من الدفع الذي دفعه أبو سعيد، وإنما شكى إليه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صديقه، أو صاحبه، أو لقرابته منه، ويحتمل أنَّه ابن زوجة مروان، وسماه ابنه مجازًا كما سبق، ويحتمل غير ذلك كما قدمنا؛ فليحفظ.
(ودخل أبو سعيد خلفه على مروان) ؛ يعني: أن أبا سعيد لما رأى الشاب رجع وذهب إلى دار مروان؛ علم أنَّه يشتكي عليه إليه، فأتم صلاته وذهب خلفه حتى دخل على مروان؛ لأجل أن يعلمه أن المرور بين يدي المصلي غير جائز؛ لاحتمال أن الحديث لم يبلغهم؛ فافهم.
(فقال) أي: مروان (لأبي سعيد: ما لك ولابن أخيك) : وكلمة (ما) مبتدأ، و (لك) : خبره، (ولابن أخيك) : عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، وإنما لم يقل: ولأخيك؛ بحذف (الابن) ؛ نظرًا إلى أنَّه كان شابًّا أصغر منه، قاله الشَّارح، (يا با سعيد؟) وهذا يدل على أنَّ المارَّ بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد بن عقبة؛ لأنَّ أباه عقبة قتل كافرًا، قاله المحقق بدر الدين العيني الحنفي رضي الله تعالى عنه، آمين.
(قال) ؛ أي: أبو سعيد لمروان والشاب: لم أفعل الدفع المذكور من تلقاء نفسي لغرض هوًى، وإنما فعلته اتِّباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأني (سمعت النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ، وجملة: (يقول) محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) (إذا صلى أحدكم) ؛ أي: في الصحراء أو في مسجد صغير دون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا، كما قدمناه (إلى شيء يستره) ؛ أي: كعنزة ونحوها مما طوله ذراع بغلظ إصبع (من الناس) ؛ أي: من مرورهم بين يديه، أمَّا المسجد الكبير؛ فلا يحتاج المصلي فيه من السترة، كما سبق غير أنَّه إذا مر أحد بين يديه؛ يدفعه؛ فافهم، (فأراد أحد) من الناس (أن يجتاز) أي: يمر (بين يديه) أي: في موضع سجوده؛ (فليدفعه) وفي رواية مسلم: (فليدفع في نحره) ؛ أي: بالأسهل والأخف، وقال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، انتهى.
وهل الدفع المذكور مندوب أم واجب؟ قال النَّووي: وهذا الأمر أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه، واعترضه الشَّارح: بأن أهل الظَّاهر قالوا بوجوبه؛ لظاهر الأمر، فكأنَّ النَّووي ما اطَّلع على هذا.
وقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأمَّا إذا صلى إلى غير سترة؛ فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام الدليل عليه وهي السنة التي وَرَدت السنة بمنعها، انتهى.
قلت: هذا ليس على إطلاقه؛ لأنَّ المصلي بمكان يملكه من موضع قدميه إلى موضع سجوده سواء كان يصلِّي إلى سترة أو لا، فإذا صلى إلى سترة؛ فظاهر، وأمَّا إذا صلى لغير سترة؛ فليس لأحد أن يمر بين يديه، وله دفعه مطلقًا، كما إذا صلى ونسي وضع السترة أو في مكان لا يظنُّ المرور فيه، فجاء مار؛ فله دفعه، كما لا يخفى، وقد سبق ذلك؛ فافهم.
وقال إمامنا الشَّارح: (ولا يجوز للمصلي المشي من موضعه ليَرُدَّ المار، وإنما يدافعه ويرده من موضعه؛ لأنَّ مفسدة الشيء في الصلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، ولا يجمع بينهما) انتهى.
قلت: وظاهره أنَّ هذا مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه، لكن قد ذكر في «المنية» و «شرحها» للحلبي البرهان: أن المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لا يضرها ولا يفسدها، انتهى.
وفي «عمدة القاري» : وفي «الكافي» : يدفعه ويصر على ذلك، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسده صلاته، وهذا هو المشهور عن مالك وأحمد، وقال أشهب: إن قَرُبَ منه؛ درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه؛ لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه؛ لا يَرُدُّه؛ لأنَّه مرور ثان، وكذا رواه ابن القاسم عن مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مر بين يديه ما لا يؤثر فيه الإشارة كالهرة؛ قال مالك: دفعه برجله أو ألصقه إلى السترة، انتهى.
(فإن أبى) ؛ أي: امتنع المار من الرجوع؛ (فلِْيقاتله) ؛ بكسر اللَّام الجازمة وسكونها؛ أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، قال القرطبي: وأجمعوا على أنَّه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح ولا بغيره؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال القاضي عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقابلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز، فهلك من ذلك؛ فلا قَوَدَ عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان لمالك، وتجب الدية والكفارة عند سيدنا الإمام الأعظم؛ لأنَّ دم المسلم مضمون، والحديث محمول على التغليظ كما في آية الحج وحديثه، ولا دِية ولا كفارة عند الشَّافعي، وفيه الدية عند أحمد ابن حنبل، وقال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، والجمهور على أنَّ معنى: (فليقاتله) : الدفع بالقهر لا جواز القتل؛ لأنَّ المقصود المبالغة في كراهة المرور، وفي «التَّمهيد» : العمل القليل في الصلاة جائز؛ نحو: قتل برغوث، وحك جسد، وقتل عقرب بما خفَّ من الضرب ما لم يكن كثيرًا، فإن كثر؛ يفسد الصلاة، وشذ جماعة من الشَّافعية، فزعموا إلى أنَّه يقاتله حقيقة، وردَّه ابن العربي، فقال: المراد: المدافعة.
وأبعد الباجي فزعم أن المراد بالمقاتلة: اللعن، وأنكره جماعة بأنه يستلزم التكلم في الصلاة؛ وهو مبطل، وأجاب بعضهم باحتمال أن يريد لعنه بالدعاء من غير خطاب، لكن فعل أبي سعيد يرده، وهو أدرى بالمراد.
قلت: وما هذا إلا خلاف الحق والصَّواب، فإنَّ لعن
[ص 725]
الكافر المعين؛ لا يجوز، فكيف بلعن المسلم الموحد لله الشاهد بالرسالة للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فإنَّ لعنه كبيرة من الكبائر، وكذلك لا يجوز لعنه بالدعاء من غير خطاب؛ لأنَّ اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ولا يستحق ذلك إلا من أشرك في الله تعالى، أمَّا المسلم؛ فلعنه حرام كبيرة تغمس صاحبها في جهنم؛ فانظر هذه الجرأة الوخيمة من هؤلاء الذين يستحقون من الله العذاب الأليم، وقد أعمى الله أبصارهم عن قوله تعالى في آية الحج: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} ، وعن قوله عليه السَّلام: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا) ، فإن الأئمة أجمعوا على أنَّ المراد به: التغليظ لا الكفر حقيقة، وما نحن فيه مثله، فإن مراده عليه السَّلام بالمقاتلة المدافعة، كما ذكره جمهور العلماء؛ فليحفظ.
وقوله: (فإنما هو) أي: المار (شيطان) : بيان وتعليل للمقاتلة، قال في «عمدة القاري» : وهذا من باب التشبيه للمبالغة؛ أي: إنَّما هو كالشَّيطان، أو يراد به: شيطان الإنس، وإطلاق الشَّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112] .
وقال الخطابي: (معناه: أن الشَّيطان يحمله على ذلك، ويحركه إليه، وقد يكون أراد بالشَّيطان: المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشَّيطان: هو المارد الخبيث من الجن والإنس) .
وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشَّيطان، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: (لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله، فإن معه القرين) ، ومثله عند ابن ماجه.
وقال ابن المنكدر: (فإنَّ معه العُزَّى، وقيل: معناه: إنَّما هو فعل الشَّيطان لشغل قلب المصلي، كما يخطر الشَّيطان بين المرء ونفسه) انتهى.
وفي الحديث: طلب اتخاذ السترة للمصلي، وفيه خلاف؛ ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم: أنها مستحبة، وبه قال مالك والشَّافعي، ويجوز تركها عند مالك، وقال أحمد: إنها واجبة، فإن لم يجد؛ وضع خطًّا؛ لحديث ابن عمر الذي صححه الحاكم: (لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا [3] يمر بين يديك) ، وعند أبي نعيم: قال عمر بن الخطاب: (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته؛ ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس) ، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه، وقال بالاستحباب جماعة؛ إبراهيم النخعي، وعطاء، والقاسم، وسالم، رواه ابن أبي شيبة.
وحدُّها: من قدمي المصلي إلى موضع سجوده، واختار شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، والإمام قاضي خان: أنَّه يكره المرور في موضع سجود المصلي، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: ثلاثة أذرع، وقيل: بأربعين ذراعًا، وقدره الشَّافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحده مالك.
وكذلك يستحب في الصحراء أن يتخذ سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ولا يضره ما مر أمامه» ، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» ، وقال القاضي عياض: هذا حديث ضعيف، وضعفه ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، والشَّافعي، والنَّووي.
ويستحب أن تكون السترة قدر ذراع، وأن يكون بغلظ إصبع؛ لأنَّ ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد، ويقرب المصلي من السترة، ويجعلها على أحد حاجبيه الأيمن أو على الأيسر، كما نص عليه أئمتنا الأعلام؛ لما روى أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا) ؛ يعني: لم يقصده قصدًا بالمواجهة، والصمد: القصد لغة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.
والمعتبر عندنا الغرز دون الخط والإلقاء؛ لأنَّ المقصود هو الدرء بالخط، والإلقاء لا يُحصِّلُ المقصود، وقال شيخ الإسلام في «المبسوط» : إنَّما يغرز إذا كانت الأرض رخوة، أمَّا إذا كانت صلبة؛ فيضع وضعًا، لكن يضع طولًا لا عرضًا، وفي «المحيط» : الخط ليس بشيء، وهو قول الجمهور، وجوَّزه أشهب، وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، والشَّافعي بالعراق، ثم قال بمصر: لا يخط، وحديث أبي هريرة المار ضعَّفه جماعة؛ عبد الحق، وابن حزم، وغيرهما، ولا يضر وضع سترة مغصوبة، فإنَّها معتبرة عندنا، وعند أحمد تبطل الصلاة، ومثله الثوب المغصوب، انتهى وتمامه في «عمدة القاري» .
وفيه: أن المار كالشَّيطان في أنَّه يشغل قلب المصلي عن مناجاة ربه تعالى، وفيه: أنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: إنَّه شيطان، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المار شيطانًا بمروره بين يديه، وفيه: أن دفع الأمور بالأسهل فالأسهل، وفيه: أن المنازعات لا بد [فيها] من الرفع للحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، وفيه: أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي له منتفعًا به، انتهى، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
[1] في الأصل: (عمر) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (شتم) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (أحد) ، وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (عمر) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (شتم) ، وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (عمر) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (شتم) ، وليس بصحيح.