فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 860

[حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته]

513# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل [1] الدمشقي المولد (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر) ؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة: هو سالم المدني (مولى عمر بن عبيد الله) ؛ بالتصغير: هو التيمي المدني، (عن أبي سَلَمَة) ؛ بفتحات: هو عبد الله (بن عبد الرحمن) هو ابن عوف رضي الله عنه، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوجِ النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ورضي الله عنهما، وهو بالجر صفة لـ (عائشة) (أنها قالت: كنت أنام) أي: في حجرتي (بين يدي) بالتثنية (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو في حجرتها يصلي التهجد ليلًا (ورجلاي) بصيغة التثنية (في قبلته) جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: في مكان سجوده، (فإذا سجد) ؛ أي: فإذا أراد عليه السَّلام السُّجود؛ (غمزني) : من الغمز باليد أو ضربني بيده من غير حائل، كما هو الأصل، وفي «الصِّحاح» : غمزت الشيء باليد وغمزته بعيني، قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30] ، وفي «القاموس» : غمزه بيده: شِبْهُ لهزه، شِبْهُ نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، انتهى، فالمراد ههنا: الغمز باليد، قال الكرماني: فالغمز قبل السُّجود لا فيه؛ لأنَّ (إذا) للاستقبال، انتهى.

وروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: (كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها، فسجد) ، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وهذه الرواية أصرح في المقصود؛ لأنَّها بيَّنت أن المراد بالغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما في كتب اللُّغة؛ فليحفظ.

وزعم القسطلاني عند قوله: (غمزني بيده) ؛ أي: مع حائل، انتهى.

قلت: وهذا تفسير من عنده، ذكره ترويجًا لما ذهب إليه الشَّافعي: من أن المسَّ باليد مبطل للوضوء، والحق الصَّواب: أن هذا فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قولها: (غمزني) ؛ أي: بيده بدون حائل فإنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرَّحت به، على أنَّه _الرِّجْل واليد عند أهل التحقيق_ كانتا بغير حائل، بل كان ذلك بالمسِّ؛ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود فإنَّها مصرحة

[ص 731]

بذلك؛ حيث قالت: (ضرب رجلي) ، ومن المعلوم أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما لا يخفى، فبهذا ظهر أن الصَّواب: ما عليه الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أن مس المرأة غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.

(فقبضت رجلَيَّ) ؛ بفتح اللَّام، وتشديد التحتية، بصيغة التثنية؛ أي: ضممتهما عن مكان سجوده عليه السَّلام، يعني: أخَّرتهما عنه؛ ليسجد مكانهما، (فإذا قام) عليه السَّلام؛ أي: من السُّجود؛ (بسطهما) ؛ بضمير التثنية؛ أي: رددتهما إلى مكانهما، (والبيوت) : مبتدأ، جمع بيت؛ وهو اسم للمكان الذي يبات فيه ليلًا (يومئذ) معناه: وقتئذ؛ أي: وقت إذ كان النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم حيًّا.

وقوله: (ليس فيها) أي: البيوت (مصابيح) : خبر المبتدأ، والجملة حالية أو مستأنفة، والمصابيح: جمع مصباح، قال إمام الشَّارحين: وإنما فسرنا قوله: (يومئذ) هكذا؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل؛ فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة [2] معناه، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت، كما في قوله تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] ، وهذا اعتذار من عائشة عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى: لو كانت المصابيح موجودة؛ لقبضت رجلي عند إرادته السُّجود، ولما احتجت إلى غمزي بيده، انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه قد علم من عادة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن صلاته للفرائض والواجبات كانت في المسجد بالجماعة، فتكون صلاته في بيته ليلًا نافلة تطوعًا.

وفي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائم ذكرًا كان أو أنثى جائزة من غير كراهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.

وزعم ابن حجر: وفيه: إشارة إلى عدم الاشتغال بها فمَنْ أَمِنَ ذلك؛ لم يكن في حقه، انتهى.

قلت: وفيه بعدٌ؛ فإن المؤلف ليس مراده الاشتغال وعدمه بترجمته، وإنما مراده حكم صلاة التطوع خلف المرأة، وقد بين في الباب قبله حكم الصلاة خلف النائم، على أنَّه ليس في ذلك اشتغال أصلًا؛ لأنَّ البيوت لم يكن فيها مصابيح، وإن كان _كما في زماننا_؛ فإن المصلي يحبس نظره وخاطره في موضع سجوده، ولهذا لم تضر صلاته عليه السَّلام؛ فليحفظ.

وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ التَّرجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إلى المصلي؛ فما وجه دلالة الحديث عليه؟! قلت: لا نسلِّم ذلك الاقتضاء، ولئن سلَّمنا؛ فالسنة للنائم التوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة أنها لا تتركها، انتهى.

واعترضه ابن حجر فقال: ولا يخفى تكلُّفه، وسنة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه قد ينقلب وهو لا يشعر، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه وليس فيه تكلف؛ لأنَّ غمزه عليه السَّلام لعائشة إنَّما كان في ابتداء نومها، وهي لا تترك النَّوم على القِبْلة، ويدلُّ عليه أنها كانت راقدة لمَّا غمزها؛ قَبضَت رجليها، فلو كانت مستغرقة في النَّوم؛ لم تشعر بذلك؛ لأنَّ النائم لا يدرك شيئًا سواء كان في البيت مصابيح أو لم يكن؛ فافهم.

ثم زعم ابن حجر: والذي يظهر أن معنى: (خلف المرأة) : وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها، ولو أراده؛ لقال: خلف ظهر المرأة، والأصلعدم التقدير، انتهى.

قلت: واعترضه العجلوني فقال: الذي استظهره أشار إليه الكرماني أولًا، ولا يخفى ما في قوله: ولا يخفى تكلفه ... إلخ؛ فتدبر، انتهى.

قلت: لقد أنصف العجلوني هنا، والعجب من الشَّارح المحقق حيث لم يتعرَّض إليه ولا عجب، فإن ما زعمه ابن حجر لا يقوله من شمَّ أدنى رائحة في العلم من تناقضه وركاكته، فلذا لم يعرِّج عليه، وعلى كل حال فما زعمه هذا القائل هو قد أخذه من كلام الكرماني، بل هو عينه، لكن قد غير عبارته بعبارة ركيكة، فلا حاجة إلى شغل الفكر لبيان ردها، كما لا يخفى؛ فافهم.

وزعم ابن حجر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته عليه السَّلام إلى السرير التي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، وهو أولى من حمله على حالة واحدة، كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه، انتهى.

قلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن هذه الحالة هي عين الحالة التي تقدمت في صلاته إلى السرير؛ لأنَّ قولها هناك: فيجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم فيتوسط السرير؛ معناه: يجعل نفسه في وسط السرير، كما يدل عليه اللَّفظ، وفي هذه الحالة يحتمل أنها كانت تقبض رجليها حتى يسجد مكانهما، ويحتمل أن السرير واسع لا يحتاج فيه إلى ذلك، والحمل على الحالة الواحدة هو الصَّواب لما ذكرناه، وما زعمه من الأولوية مردود؛ لعدم ما يدل عليها من شيء، والإسماعيلي أدرى بالمراد من الحديث، فجعله صلاته فوق السرير لا أسفل منه هو الصَّواب، كما لا يخفى؛ فافهم.

وفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته، وفيه: أن العمل في الصلاة غير قادح إذا كان يسيرًا، وهو مفوَّض إلى رأي المصلي، أو ما يعده الناظر يسيرًا، أو ما كان دون ثلاث حركات، وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وفيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهذا الحديث مع بقية مباحثه قد تقدم في باب (الصلاة على الفراش) ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الأصل) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (حقيقته) ، ولعله تحريف.

[1] في الأصل: (الأصل) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (الأصل) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت