[حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار!]
519# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو بن عَلي) ؛ بفتح العين فيهما: هو الباهلي الفلاس، (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (قال: حدثنا عُبيد الله) ؛ بالتصغير: هو ابن عبد الله العمري المدني، (قال: حدثنا القاسم) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق الأكبر رضي الله عنهما، (عن عائشة) : هي عمته الصديقة أم المؤمنينزوج النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (قالت) ؛ أي: في جواب من قال: (يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة) ؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، والذي قال ذلك: هو أبو هريرة، وأبو ذر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم بحضرة عائشة رضي الله عنها، فقالت لهم: (بئسما) وكلمة (بئس) من أفعال الذم، كما أن كلمة (نِعْم) من أفعال المدح، وشرطهما: أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرف بها، أو مضمرًا مميزًا بنكرة منصوبة، وههنا يجوز الوجهان؛ الأول: أن يكون (ما) بمعنى: الذي، ويكون فاعلًا لـ (بئس) ، والجملة _أعني قوله: (عدَلتمونا) ؛ بتخفيف الدَّال؛ أي: شبَّهتمونا، كما في رواية باب (لا يقطع الصلاة شيء) ، أو جعلتمونا أو تسويتكم إيانا_ صلة الموصول، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا؛ والتقدير: بئس الذي عدلتمونا (بالكلب والحمار) ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل (بئس) مضمرًا مميزًا، وتكون الجملة بعده صفة له، والمخصوص أيضًا محذوف؛ والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتمونا بالحمار شيء، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ، وخبره الجملة التي قبله؛ كذا قرره إمام الشَّارحين؛ والمعنى: لم شبهتمونا بهما مع شرف المرأة وخستهما؟!
ثم استدلت على ما أنكرته بقولها: (لقد رأيتُني) ؛ بِضَمِّ الفوقية، واللَّام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لقد رأيتني، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب؛ والتقدير: رأيت نفسي، كذا أفاده الشَّارح.
وقال الكرماني: (إن كانت الرؤية بمعناها الأصلي؛ فلا يجوز حذف أحد مفعوليه، وإن كانت بمعنى: الإبصار؛ فلا يجوز اتحاد الضميرين) .
وأجاب العلامة الفاضل الزمخشري في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} : (جاز حذف أحدهما؛ لأنَّه مبتدأ في الأصل، فيحذف كالمبتدأ) ، وهذا مخالف لما ذكره في «المفصل» ، و «الكشاف» : (لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي الحسبان) .
وأجيب: بأنه قد روي عنه أيضًا: أنَّه إذا كان الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد؛ جاز الحذف، وأمكن الجمع بينهما بأن القول بجواز الحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول معنًى، والقول بعدمه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديث من القسم الأول؛ والتقدير: رأيت نفسي معترضة مثلًا، أو أعطى للرؤية التي بمعنى الإبصار حكم الرؤية التي من أفعال القلوب، انتهى.
(ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) : جملة اسمية وقعت حالًا على الأصل؛ أعني بالواو؛ أي: صلاته من الليل (وأنا مضطجعة) : جملة حالية أيضًا؛ أي: نائمة (بينه وبين القبلة) ؛ أي: معترضة بينهما أمامه وليس بينه وبينها سترة؛ لأنَّها حينئذٍ غير مشروعة؛ لأنَّ السترة شرعت لدفع المار، ولا مار في ذلك الوقت، والنائم ليس له قوة على المشي ونحوه، (فإذا أراد) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (أن يسجد) أي: السُّجود في صلاته؛ (غمز رجليَّ) ؛ بالتثنية، قال في «الصِّحاح» : غمزت الشيء بيدي؛ ومنه قوله:
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
وغمزته بعيني؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30] ، والمراد ههنا: الغمز باليد، وفي رواية للبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني) ، وفي رواية أبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ) ، فبينت هذه الرواية أن المراد من الغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما قاله أهل اللُّغة، (فقبضتهما) ؛ أي: أخرتهما عن مكان سجوده؛ ليسجد مكانهما،
[ص 740]
وبهذا صرَّح الطَّحاوي في روايته؛ حيث قالت: فإذا سجد؛ غمزني فرفعتهما فقبضتهما، فإذا قام؛ مددتهما، وللبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني فقبضت رجليَّ، وإذا قام؛ بسطهما) ، ولأبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ فضممتهما إليَّ ثم سجد) ، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
ففيه أن الرجل المصلي إذا غمز امرأته وهي نائمة عند السُّجود لأجل أن يسجد مكان رجليها؛ لا يفسد الصلاة، وليس فيه كراهة، وجه عدم الفساد: أن الغمز حركة أو حركتان لا ثالث لهما، وهو غير مفسد للصلاة، ووجه عدم الكراهة: أنَّه عليه السَّلام قد فعله، وهو لا يوصف بالكراهة، ولو كان مكروهًا؛ لما فعله أو لنهى عنه.
وفي الحديث: دليل على أنَّ لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور سلفًا وخلفًا؛ لأنَّه عليه السَّلام قد لمس عائشة بيده الشريفة ومضى في صلاته.
وتأوَّل الشَّافعية أنَّه عليه السَّلام مس عائشة بيده مع الحائل ويحتمل الخصوصية.
قلت: إنَّما زعموا هذا؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم: أن المس ناقض، ولا دليل لهم في ذلك، فإن قولها في الحديث: (غمزني) يدل على أنَّه بدون حائل؛ لأنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرحت بذلك، ولا يخفى أن اليد والرجل عند أهل الصرف واللُّغة كانتا بغير حائل، بل المس: وَقْعُ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود: (ضرب رجليَّ) ، ولا يخفى أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما هو التحقيق.
ودعوى الخصوصية باطلة؛ لأنَّه لا بدَّ لها من دليل ولم يوجد، بل هذا الحكم عام، ويدل عليه أنَّه قد تكرَّر منه عليه السَّلام هذا الفعل، وهو يدل على العموم، ومن ادعى الخصوصية؛ فعليه الدليل، وتمامه فيما قدمناه.
فظهر أن الصَّواب: ما قلناه والعناد بعد ذلك مكابرة.
وفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته.
وفيه: استحباب صلاة الليل.
وفيه: استحباب إيقاظ النائم لحاجة.
وفيه: دليل على أنَّ المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه، وهو قول الجمهور سلفًا وخلفًا، وبه قال الإمام الأعظم، وتبعه مالك والشَّافعي، ولا يخفى أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها.
وقال أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود؛ لحديث أبي سعيد: (أن الكلب الأسود شيطان) ، وذهب جماعة: إلى أن الصلاة يقطعها مرور الكلب، والحمار، والمرأة، وفي ذلك حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي ذر.
والجواب عنها من وجهين:
أحدهما: أن المراد بالقطع النقص؛ أي: نقص الخشوع؛ لشغل القلب بمرورها، وليس المراد إبطالها؛ لأنَّ المرأة يتغير [1] الفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آيلة للقطع؛ أطلق عليها القطع مجازًا.
والثاني: أن الأحاديث الواردة في ذلك منسوخة بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم» ، أخرجه الطَّحاوي، وبوَّب عليه البخاري، وقد صلى الشَّارع عليه السَّلام وبينه وبين القبلة عائشة، وكانت الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره أحد، كما أخرجه البخاري عن ابن عبَّاس، فدل هذا على النَّسخ، ولهذا أنكرت عائشة رضي الله عنها على الذي ذكر عندها القطع بهذه الأشياء، وإنما أنكرت؛ لعلمها أن هذا الحكم منسوخ، فالظَّاهر: أنهم لم يبلغهم النَّسخ إلا منها.
وذهب عطاء وغيره: إلى أنَّه يقطعها المرأة الحائض، ورُدَّ بأن قد جاء في روايات هذا الحديث قالت: (وأنا حائض) ، وحديث: (يقطع الصلاة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير) ، ضعيف لا يحتج به.
وفي الحديث: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وهو حركة أو حركتان، والثلاث كثير.
وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وحديث ابن عبَّاس أنَّه عليه السَّلام قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث» ، نص الحفاظ على أنَّ طرقه واهية وهو ضعيف لا يحتج به، فهو لا يقاوم ما روي في «الصَّحيح» ، على أنَّ ما في «الصَّحيح» ناسخ له، وقد وَرَد أحاديث في النَّهي عن الصلاة خلف النائم أو المتحدث، ونص الحفاظ على أنَّها ضعيفة واهية؛ فافهم.
وفي الحديث: جواز الصلاة على الفراش، ومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: على أنَّه تجوز الصلاة على البساط والطنفسة والفراش إذا كان يجد الساجد عليه حجم الأرض عند السُّجود، وبه قال الشَّافعي.
وزعم المالكية أن الصلاة على الطنفسة وشبهها مكروهة، ولا سَنَدَ لهم في ذلك، والحجة عليهم قول النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وفعله؛ ففي «البخاري» من حديث ميمونة قالت: (وكان النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يصلي على الخُمرة) ، وروى أبو نعيم عن ابن عبَّاس: (أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صلى على البساط) ، فهذا دليل على أنَّ الصلاة على ذلك غير مكروهة، والأفضل الصلاة على الأرض وعلى ما تنبته الأرض، كما فعله الشَّارع وليس بعد النص إلا الرجوع إليه، والله تعالى أعلم، وهذا الحديث قد مضى مع ما يتعلق به في باب (الصلاة على الفراش) ، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (تغير) .