و يأمرهم بالإعراض عن تلاوته، وكتبه في المصحف، فيندرس كسائر كتب الله القديمة، ويقع هذا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وغير جائز نسخ شيء من القرآن أو السنة بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم.
وقد وقع الاتفاق على جواز نسخ الحكم والتلاوة معا [1] ، ودليل ذلك ما روى مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهن فيما يقرأ في القرآن» [2] .
فحكم هذا الحديث وتلاوته منسوخان عند الجمهور، فلم يبق لهذا اللفظ حكم، لا في الاستدلال، ولا في غيره.
وقد تكلموا في قول عائشة رضي الله عنها: «وَهن فيما يقرأ في القرآن» ، فإن ظاهره بقاء التلاوة بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وليس كذلك».
والجواب: بأن المراد قارب الوفاة، أو أن التلاوة نسخت أيضا، ولم يبلغ ذلك كلّ الناس إلا بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم.
وقد ذكر الطحاوي في مشكل الآثار، وابن الجوزي في نواسخ القرآن، أن رهطا من أصحاب النبى صلى اللّه عليه وسلم أخبروه أنه قام رجل منهم في جوف الليل، يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلا «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فأتى باب النبى صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك، وجاء آخر وآخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا عما جمعهم، فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم، فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثم قال: «إنها نسخت البارحة» ، فنسخت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه.
وروي عن أبي موسى قال: «نزلت سورة مثل براءة، ثم رفعت فحفظ منها: أن الله يؤيد الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .
(1) انظر المستصفى (123) / (1) ، المحصول للرازي (482) / (3) / (1) ، شرح العضد على ابن الحاجب (194) / (2) ، أصول السرخسي (78) / (2) ، كشف الأسرار (188) / (3) ، فواتح الرحموت (73) / (2) ، إرشاد الفحول ص (189) ، شرح تنقيح الفصول ص (309) .
(2) انظر صحيح مسلم (1075) / (2) .