أما دليل الجمهور العقلي:
إن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى، لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (( 3 ) )إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى [1] غير أن الكتاب متلو، والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوجهين بالآخر غير ممتنع عقلا؛ ولهذا فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة، لما لزم عنه لذاته محال عقلا، فدل على الجواز العقلي [2] .
وقد اعترض المخالف على الدليل الأول بقوله: ما المانع أن يكون ما ذكر من صور نسخ السنة بالقرآن، ثابتا بقرآن نسخت تلاوته وبقى حكمه، فيكون من باب نسخ القرآن بالقرآن، وهذا قدر متفق عليه، وإن سلمنا أن الصور المذكورة ثابتة بالسنة، ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، فيكون من قبيل نسخ السنة بالسنة، وهذا قدر متفق عليه أيضا، دلالة ذلك أن الآيات التي ذكرت ليس فيها ما يدل على عدم ارتفاع الأحكام السابقة بالسنة.
وأجاب الجمهور عن ذلك: إن تجويز أن تكون الصور المذكورة من باب نسخ القرآن بالقرآن، أو نسخ السنة بالسنة احتمال بلا دليل فلا يسمع، ثم لو صح هذا الاعتراض لما ثبت ناسخ علم تأخره عن منسوخ، إلا إذا قيل هذا ناسخ وذلك منسوخ، وهذا خلاف المروي عن الأصوليين.
ثم لو فتح هذا الباب لما استقر لأحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ؛ لأن ما من ناسخ إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه إلا ويحتمل أن يكون المنسوخ حكما غيره، وهو خلاف إجماع الأمة في الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ، وأن ما وجد من الدليل الصالح لإثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة الحكم والنسخ إلى غير ما ظهر، مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه [3] .
أدلة المانعين:
استدل الشافعي رضي الله عنه على عدم جواز نسخ السنة بالقرآن بدليلين:
نقلي وعقلي.
أما الدليل النقلي: فهو قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [4] وجه الاستدلال من الآية من ناحيتين:
(1) سورة النجم، آية (3) و (4) .
(2) انظر الإحكام للآمدي (212) / (2) ، كشف الأسرار (898) / (3) .
(3) انظر تيسير التحرير (202) / (3) ، الإحكام للآمدي (214) / (3) ، (215) .
(4) سورة النحل من الآية (44) .