و على هذا ترجع عبارتهم إلى أنه لم يقع نسخ المتواتر بالآحاد، ويكون الجواز العقلي ليس محل خلاف».
والذي حمل الإسنوي على هذا التوفيق: أن الدليل الذي استدلوا به على عدم الجواز ضعيف؛ لأنهم استدلوا بأن المتواتر قاطع، والآحاد ظني، والقاطع لا يرفع بالظني.
ولقد ضعّف الإسنوي هذا الدليل من وجهين:
الأول: ما قاله ابن برهان إن الحكم في المتواتر مقطوع به من حيث الابتداء، لا من حيث الدوام، والنسخ يرد على الثاني لا على الأول.
الثاني: أن العلماء نصوا على أن العام إذا عمل به، ثم أخرج منه بعض أفراده بعد العمل يكون ذلك نسخا لا تخصيصا، مع هذا أجازوا إخراج بعض أفراد العام بالآحاد، مع أن العام قد يكون قرآنا فيكون متواترا.
وقالوا في توضيح ذلك:
إن العام ظني الدلالة قطعي الثبوت، والخاص قطعي الدلالة ظني الثبوت، فبينهما تعادل وتكافؤ، ولا شك أن هذا يجري في نسخ المتواتر بالآحاد، فلا ينهض الدليل على إثبات المنع [1] .
ومما تقدم يعلم أن الجواز العقلي قدر متفق عليه، وأن الخلاف في الوقوع الشرعي أى: الجواز السمعي، فجمهور الأصوليين يرى عدم الوقوع.
ويرى داود وأهل الظاهر أنه وقع [2] ، وهى رواية عن أحمد.
قال ابن حزم في إحكامه: وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضا، وينسخ الآيات من القرآن، وتنسخه الآيات من القرآن [3] .
(1) انظر نهاية السول للإسنوي (184) / (2) ، أصول الفقه لشيخنا الدكتور زهير (78) / (3) ، (79) .
(2) أما الإمام الغزالي رحمه الله فقد ذهب إلى التفصيل بين الخبر الموجود في زمان النبي صلى اللّه عليه وسلم، والخبر الذى يكون بعد زمان النبى صلى اللّه عليه وسلم فهو يقول في المستصفى (126) / (1) : والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد به، ووقوعه سمعا في زمن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وكون ذلك ممتنع بعد وفاته بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف.
وكأن الفارق أن الأحكام في زمان الرسول صلى اللّه عليه وسلم في معرض التغير، وفيما بعده مستقرة، فكان لا قطع في زمانه، انظر:
البحر المحيط (109) / (4) .
(3) انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (505) / (1) ، البحر المحيط (109) / (4) .