الأدلة:
أدلة الجواز عقلا دون الوقوع: استدل الجمهور بدليلين، علاوة على ما تقدم من الدليل الأول، الذي ضعفه الإسنوي وغيره.
الدليل الأول: ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: «ما ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة» [1] .
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه لم يعمل بخبر الواحد الصادر من هذه المرأة، ولم يحكم به على القرآن، وما ثبت من السنة تواترا؛ لأنه لا يدري أصادقة هى أم كاذبة، وكان ذلك مشتهرا بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعا [2] .
ولقد ضعف الإمام الرازي هذا الاستدلال فقال:
هب أن هذا الحديث دل على أنهم ما قبلوا ذلك الخبر في نسخ المتواتر، فكيف يدل على إجماعهم على أنهم ما قبلوا خبرا من أخبار الآحاد في نسخ المتواتر [3] .
الدليل الثاني: بتتبع الأدلة الشرعية، فما وجد منه متواترا نسخه خبر آحاد، وهذا يدل على عدم الوقوع.
أدلة القائلين بالوقوع: أما داود وأهل الظاهر فقد استدلوا على الوقوع الشرعي بالمعنى والنقل.
أما المعنى فمن وجهين:
الوجه الأول: أنه جاز تخصيص المتواتر بالآحاد، فجاز نسخه به، والجامع رفع الضرر المظنون.
وردّ الجمهور على ذلك: بأن هذا قياس مع الفارق، فالتخصيص بيان وجمع بين الدليلين، أما النسخ فهو إبطال ورفع [4] .
الوجه الثاني: أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإن صار معارضا لحكم المتواتر، وجب تقديم المتأخر قياسا على سائر الأدلة.
ورد الجمهور على ذلك بأن المتواتر مقطوع في متنه، والآحاد ليس كذلك، فلم يجز أن يكون هذا التفاوت مانعا من ترجيح خبر الواحد [5] .
(1) الحديث أخرجه الدارمي في سننه (165) / (2) .
(2) انظر المحصول للإمام الرازي (498) / (3) / (1) ، الإحكام للآمدي (209) / (3) .
(3) انظر المحصول للإمام الرازي (499) / (3) / (1) .
(4) انظر شرح العضد على ابن الحاجب (195) / (2) .
(5) انظر المحصول للإمام الرازي (505) / (3) / (1) .