المقدس، فصلينا ركعتين، ثم جاءنا من يحدثنا أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثنى رجل من بني حارثة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال: أولئك رجال آمنوا بالغيب» [1] .
فهذا الحديث يفيد أن أهل قباء تحولوا في صلاتهم عن بيت المقدس إلى البيت الحرام، بناء على قول من أخبرهم بأن القبلة تحولت، وعلى هذا يكون خبر الواحد قد نسخ التواتر [2] .
وأجاب الجمهور عن ذلك:
بأن محل النزاع هو وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد المجرّد من القرائن المفيدة للعلم، ولا نسلم أن خبر الواحد في هذه الحالة كان مجرّدا من القرائن، لاحتمال أن يكون قد انضم إليه ما يفيد العلم، كقربهم من مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك، كل ذلك ينزّل خبر الآحاد منزلة المتواتر [3] .
الثاني: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان ينفذ أحد الولاة من أطراف البلاد لتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولو لا قبول خبر الواحد في ذلك لما كان قبوله واجبا.
وأجاب الجمهور عن ذلك:
إن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد، كنسخ خبر الآحاد، أما ما لا يجوز فيه فلا، كمحل النزاع وهو نسخ المتواتر بالآحاد، ومن ادعى ذلك فعليه البيان [4] .
الرأي الراجح: والذي تميل النفس إليه هو رأي الجمهور ليس من جهة حجتيهما الأولى والثانية، فقد علمنا ما فيهما من ضعف، ولكن من جهة حجتهم الثالثة، أقصد أن هذا النوع من النسخ لم يقع في الشرع، وما أتى به الخصم لهذا النوع، علمنا ما فيه من وهن وضعف.
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (ج(25) /ص (43 ) ) . قال في المجمع (( 14) / (2) - (15 ) ): وفيه اسحاق بن إدريس الأسواري، وهو ضعيف متروك.
(2) انظر تيسير التحرير (201) / (3) .
(3) انظر الإحكام للآمدي (211) / (3) .
(4) انظر الإحكام للآمدي (211) / (3) ، تيسير التحرير (201) / (3) .
(5) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.