فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 146

و اعترض المجوّزون على هذا الدليل بأنه يدل على نسخ لفظ الآية؛ لأن الآية حقيقة فيها، وليس فيه دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضوع الخلاف.

سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم.

وإن سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور.

سلمنا أنه غير مخصّص، لكن ما المانع من رفع الحكم بدل إثباته، وحال كونه خيرا منه في الوقت الذي نسخ فيه؛ لكون المصلحة في الرفع دون الإثبات، وإن سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي [1] .

التحقيق في المسألة:

لقد حقق شيخنا الشيخ محمد أبو النور زهير هذه المسألة، وافترض فيها فروضا ثلاثة، ورتّب عليها نتائج، وتلك الفروض مع نتائجها هي:

الأول: إن كان المراد من البدل أيّا كان، ولو البراءة الأصلية، فالحق: أنه لا نسخ إلا ببدل، ولأن الله تعالى لم يترك عباده سدى في أي وقت من الأوقات.

الثاني: إن كان المراد بالبدل بدلا خاصّا، هو حكم شرعي، دل عليه الدليل الناسخ للحكم الأول، فالحق أن هذه دعوى لا موجب لها، ولا دليل عليها، والواقع يكذبها؛ فإن تقديم الصدقة عند المناجاة قد نسخ وجوبه بقوله تعالى:

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْاكُمْ صَدَقاتٍ [2] ، ولم يشتمل الناسخ على بدل، فالقول بأنه لا نسخ إلا ببدل يدل عليه الناسخ غير صحيح.

الثالث: وإن كان المراد بالبدل هو الحكم الشرعى، سواء دل عليه الناسخ، أو دل عليه غيره، فالحق أن القول بأنه لا نسخ إلا ببدل - بهذا المعنى - ليس لازما، فقد يجوز أن يكون البدل هو البراءة الأصلية.

ثم قال توفيقا بين الرأيين:

على أن الناظر في أدلة الطرفين يجد أن المانع للنسخ بلا بدل قد استدل بأدلة شرعية، والمجوّز قد استدل بالدليل العقلي، وهذا ما توصل إليه الآمدي في ختام كلامه السابق، وهذا يجعلنا نحكم بأن المانع مراده: أنه لم يقع شرعا النسخ بلا بدل، والمجوّز يرى أن ذلك جائز عقلا، وإن كان غير واقع، فالنفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد، فارتفع النزاع بين الطرفين في هذه المسألة [3] .

(1) انظر الإحكام للآمدي (196) / (3) .

(2) سورة المجادلة، من الآية (13) .

(3) انظر أصول الفقه لشيخنا الدكتور محمد أبي النور زهير (64) / (3) ، (65) .

(4) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت