صلى اللّه عليه وسلم، كان واجبا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْاكُمْ صَدَقَةً [1] ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْاكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [2] ، وكان هذا النسخ بلا بدل.
ومن ذلك أيضا: أنّ الإمساك بعد الفطر عن المباشرة كان واجبا، ثم نسخ بلا بدل، لقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ [3] .
ومن ذلك أيضا أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي محرّما، ثمّ نسخه مبيحا بلا بدل [4] على القول بنسخها كما مرّ.
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي ألا فكلوا وادخروا» [5] .
ولقد اعترض المانعون على هذه الأمثلة:
أما المثال الأول: لا نسلم أنّ هذا من قبيل النسخ بلا بدل، بل هو من النسخ ببدل، كل ما في الأمر أنّ البدل لم يثبت بالناسخ، وإنما ثبت بدليل آخر، وهو الدليل العام الطالب للصدقة ندبا من غير تقييد بالزمن الثابت في الكتاب والسنة.
وأما المثال الثاني: فلا نسلم أيضا أنه نسخ بلا بدل، بل هو نسخ ببدل، غاية ما في الأمر أن البدل لم يثبت بالناسخ، بل ثبت بدليل آخر غير دليل النسخ، وهو قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [6] ، فهذا الدليل أباح المباشرة.
وأما المثال الثالث: فلا نسلم أيضا أنّه نسخ بلا بدل؛ لأنّه مقرون بدليل، حيث ثبت في الحديث المتقدم إباحة إمساك اللحوم، فهذه إباحة شرعية هي بدل مفاد بدليل النسخ [7] .
أدلة القائلين بمنع النسخ بلا بدل:
استدلّ المانعون بقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [8] فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية، أنه لا ينسخ إلا ببدل، والخلف في خبره تعالى محال.
(1) سورة المجادلة من الآية (12) .
(2) سورة المجادلة من الآية (13) .
(3) سورة البقرة، من الآية (187) .
(4) انظر مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد، وحاشية التفتازاني (193) / (2) .
(5) رواه البخاري (319) / (3) ، ومسلم (1561) / (2) ، والنسائي (73) / (4) ، وابن ماجة (1055) / (2) .
(6) سورة البقرة، من الآية (187) .
(7) انظر تيسير التحرير (197) / (3) ، (198) .
(8) سورة البقرة، من الآية (106) .
(9) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.