فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 78

الحافظ ابن حجر

ومنهجه في تقريب التهذيب

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده، ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71] .

أما بعد:

فإنَّ علم الجرح والتعديل هو أحد أنواع العلوم المتعلقة بالرواة: وهذا العلم يعدُّ من الأهمية بمكان؛ ذلك أن الغرض من معرفته حفظُ سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم.

فمن أهميته: إجماع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبرُ العدل، كما أنه لا تقبل إلا شهادة العدل؛ لذلك كان السؤال عن المخبِر من أهل العلم والمعرفة واجبًا محتمًا.

وإذا كان معرفة أحوال الرواة من أوجب الواجبات لحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بيان حال من عُرف بالضعف أو الكذب، وكذا من عُرف الضبط والعدالة من ذلك الواجب أيضًا؛ ليعرف الناس حقيقة أمر من نقل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأمة. [1]

قال عبد الله بن المبارك:"الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ" [2] .

-وقال عَبْدَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ:"الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ: مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَلَوْلَا الْإِسْنَادُ وَطَلَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لَهُ وَكَثْرَةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى حِفْظِهِ لَدَرَسَ مَنَارُ الْإِسْلَامِ ، وَلَتَمَكَّنَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ فِيهِ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ ، وَقَلْبِ الْأَسَانِيدِ ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ إِذَا تَعَرَّتْ عَنْ وُجُودِ الْأَسَانِيدِ فِيهَا كَانَتْ بُتْرًا" [3] "

وقال الْقَاسِمَ بْنَ بُنْدَارٍ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ ، يَقُولُ:"لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أُمَنَاءُ يَحْفَظُونَ آثَارَ الرُّسُلِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ"فَقَالَ: لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا حَاتِمٍ رُبَّمَا رَوَوْا حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ ؟ فَقَالَ:"عُلَمَاؤُهُمْ يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ ، فَرِوَايَتُهُمْ ذَلِكَ لِلْمَعْرِفَةِ لِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ بَعْدِهِمْ أَنَّهُمْ مَيَّزُوا الْآثَارَ وَحَفَظُوهَا ، ثُمَّ قَالَ:"رَحِمَ اللَّهُ أَبَا زُرْعَةَ ، كَانَ وَاللَّهِ مُجْتَهِدًا فِي حِفْظِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -" [4] "

ولم يخلُ عصرٌ من العصور من إمام يقوم بواجب هذه الصنعة ، إلا أن المنهج اختلف من المتقدمين إلى المتأخرين ، فبعد أن كان عند المتقدمين قائمًا على الاجتهاد والأصالة والسبر والاستقراء أصبح عند المتأخرين قائمًا على الترتيب والجمع والتصنيف، ومن خلال التطور الزمني للتصنيف في علم الجرح والتعديل ، كان ( الكمال في أسماء الرجال) للحافظ عبد الغني المقدسي أحد خلقات تطوره ، والذي نال من الاهتمام ما لاينكره عاقل ، ومن ثم تكاثرت فروعه ، فكان أحد تلك الفروع كتاب ( تقريب التهذيب ) لحافظ عصره بلا مدافع ، وإمام وقته بلا منازع أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- رحمه الله- .

وقد برزت في هذا الكتاب - كما في غيره من كتبه- شخصية الحافظ الناقد الخبير البصير بمواضع الكلام ، ومراتب الرواة ، وعلل أحاديثهم ، فكان خير تعبير عن علم جمٍّ وافرٍ ، وذوق ماهرٍ ، فلقيَ من القبول ما لم يكد يلقه كتاب آخر في موضوعه ، ولم يجرأ أحد من الناس على ردِّ أحكام الحافظ - بل: غاية ما كان استدراكات لا يخلو عمل بشريٌّ من العوز لها- منذ تأليفه في النصف الأول من القرن التاسع الهجري حتى وقت قريب . [5]

لقد كانت صلتي بهذا الكتاب منذ بداية اشتغالي بالسنَّة النبوية ، وكنت أرجع إليه كثيرا ، وبعد قيامي بتخريج أحاديث الجامع الكبير للسيوطي - قسم الأقوال- تبين لدي أن هناك بعض العبارات التي فيها غموض ، وكذلك بعض المصطلحات التي اصطلحها الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابي ، فكنت أسجل ملاحظاتي على النسخة التي حققها الشيخ محمد عوامة - حفظه الله - وكلُّ ذلك كان عرضًا وليس قصدا، كما أم الشيخ نفسه - (عوامة) قد أبدى تحفظًا كبيرا إزاء المرتبة السداسة في التقريب ( مقبول) .

وقد وقع كثير من المشتغلين بالسنَّة النبوية من المعاصرين في فهم مصطلحات الحافظ ابن حجر فهما فهما مغلوطًا ، مما أدى لتضعيف مئآت الأحاديث بغير حق ، وذلك لأنهم لم يرجعوا إلى الكتب الكبيرة الأساسية في الجرح والتعديل ولو للتهذيب أصل التقريب ، بل فهموا أحكامه فهما أصمًّا مما جعل البعض من هؤلاء من يتهم الحافظ ابن حجر بالتناقض ، وبالتساهل أحيانًا أخرى .

وأول دراسة جادة في حلِّ هذه الإشكالات العديدة هي للدكتور وليد العاني - رحمه الله - في كتابه الرائع منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها ، فقد تصدى لها ، وحاول فك ألغازها ورموزها ، وانتقد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في فهمه لها ، وتكلم على المراتب ( الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة) وهي التي أحدثت هذه الإشكالات، وقد استطاع الوصول إلى فهم كلام الحافظ ابن حجر إلى حدٍّ بعيد ، ولكنه أخفق في بعض الجوانب ، وقد كثرت الردود عليه ما بين مؤيد ومعارض ، ومتحفظ أيضًا .

فرايت لزامًا عليَّ أن أقوم بدراسة منهج الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب الفريد ، وكان قد تجمَّع لدي الكثير منها سابقًا.

وكانت طريقة عملي فيه على الشكل التالي:

أولا- نقل كلامه على هذه المراتب كاملا .

ثانيا- تكلمت على كل مرتبة على حدى من خلال التطبيق العلمي لها عند الحافظ ابن حجر في التقريب أو كتبه الأخرى ، ولا سيما التهذيب ، واردفت ذكل بنقل كلام الحافظ الذهبي رحمه الله ولا سيما في كتابه الكاشف ، لتتضح الصورة بشكل أكثر دقة .

ثالثا- قد استفضت في ذكر الأمثلة التطبيقية ، وذلك بغية الوصول إلى مراد الحافظ ابن حجر رحمه الله .

رابعا- ذكرت كلام العاني رحمه الله على المراتب التي تكلم عنها وحاولت تاييد كلامه بغير الأدلة التي استدلَّ بها

رابعًا - التعقيب على كلامه موافقة بشكل يطول ويقصر حسب الحال.

خامسا- التعقيب على كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - موافقة - وهو الأكثر- أو مخالفة -وهو الأقل- ولا يضيره ذلك ،فلسنا بمعصومين عن الخطأ ، فالمصيب له أجران والمخطأ له أجرٌ واحدٌ.

سادسًا- حاولت ضبط كثير من القواعد أو المصطلحات غير المنضبطة والوصول بها إلى النتائج الدقيقة -إن شاء الله تعالى -

سادسا-ناقشت ما قيل عن منهجه من قبل العلماء المعاصرين وبينت وجه الصواب ممن الخطأ فيه .

سابعًا- ذببت كثيرا من التهم التي نسبت للحافظ ابن حجر رحمه الله ، وناقشت كلام المخالفين بروية ودون مغالاة .

هذا وقد قسمته لتمهيد ترجمة فيه للحافظ ابن حجر رحمه الله، للمباحث التالية:

المبحث الأول ... -نشأة علم الجرح والتعديل وأهميته

المبحثُ الثاني ... -مراتب الجرح والتعديل ...

المبحث الثالث- التعريف بكتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ...

المبحث الرابع-التعريف بكتاب تقريب التهذيب

المبحث الخامس-مقدمة تقريب التهذيب ...

المبحث السادس-الكلام على مراتب الرواة عند الحافظ ابن حجر بالتفصيل وهو أكبر هذه المباحث ...

المبحث السابع-دفاع الحافظ ابن حجر عن كثير من الرواة

الخاتمة - وتتضمن المطالب التالية:

المطلب الأول - محاسن النقد عند الحافظ ابن حجر رحمه الله

المطلب الثاني- المآخذ التي قيلت على الحافظ ابن حجر رحمه الله

المطلب الثالث- خلاصة هذه الدراسة

ذكر أهم المصادر والمراجع

فإن أصبت فمن توفيق الله وفضله ، وإن أخطأت فمن تقصيري ، واستغفر الله ، قال تعالى على لسان النبي شعيب عليه السلام: { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (88) سورة هود

وكتبه

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في السادس والعشرين من جمادى الأولى لعام 1429 هـ الموافق ل: 31/5/2008 م

ترجمة الحافظ ابن حجر [6]

نسبه ومولده:

هو شهاب الدين، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي ابن محمود بن أحمد بن حجر الكناني، العسقلاني، الشافعي، المصري المولد والمنشأ والدار، والوفاة، القاهري.

اختلفت المصادر في اسم جدّه الرابع، فتارة ذكر محمود، وتارة أحمد، والراجح أحمد كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت النسب المذكور وقال: هذا هو المعتمد في نسبه، ثم إن السّخاوي أشار إلى الاختلاف في نسبه فقال:"لا أذكر أدناه... إلا ما قرأته بخط أصحابنا بل وبخط المقريزي، وكان عمدته بعد أحمد أحمديل فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في أجزاء من نسخة من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وجد نسبه بخط قريبه الزين شعبان بإثبات أحمديل وإسقاط محمود."

وينسب إليه القول:"إن نسبه يقرأ طردًا وعكسًا ولا يتهيأ إلا بتأخير محمود عن أحمد وبإسقاطه".

فإن كان قال ذلك فهو على سبيل التندر لما هو معلوم بأن مفهوم النسب لا يعني سبعة أسماء أو ثمانية لكي يقال: إنه يقرأ طردًا وعكسًا.

وفي"الدررِ الكامنة"ذكر عم والده، فقال: عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود، وكذلك في كتابه"رفع الإصر"وفى أول كتابه"إنباء الغمر"بزيادة أحمد بعد محمود بحيث صار محمود بين أحمدين، لكنه خالف ذلك في كتابه"تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"وكذلك في ترجمة والده في القسم الثاني من معجم شيوخه، فإنه قال: علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني.

وكان يلقب"شهاب الدين"ويكنى"أبا الفضل"وكناه شيخه العراقي والعلاء بن المحلّى"أبا العباس"، كما كني أبا جعفر، غير أن كنيته الأولى"أبو الفضل"- وهي التي كناه بها والده- هي التي ثبتت وصار معروفًا بها.

نسبتاه:

1-الكناني: نقل السخاوي عن خط ابن حجر أنه كناني الأصل، نسبه إلى قبيلة"كِنَانة".

وقال الحافظ ابن حجر عن والده:"رأيت بخطه أنه كِنَاني النسب وكان أصلهم من عسقلان".

2-العسقلاني: نسبة إلى"عسقلان"وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الحافظ ابن حجر كانت قد استقرت في عسقلان، وما جاورها إلى أن نقلهم"صلاح الدين الأيوبي"عندما خربها ما بين"580- 583 هـ"على أثر الحروب الصّليبية.

اشتهاره بابن حجر:

لقد اشتهر بـ"ابن حجر"واختلفت المصادر في اعتباره اسمًا أو لقبًا، وإذا كان لقبًا هل هو لقب أحد أجداده فطغى على الحائلة كلها؟ أم أنه لقب أو مهنة أو صناعة؟.

قال السخاوي: هو لقب لبعض آبائه، وفي موضع آخر قال: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه. إن هذا الرأي يستند إلى الاستدعاء الذي كتبه الحافظ ابن حجر بهيئة شعره السابق، وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنفه فهو الراجح. وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبة إلى آل حجر وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس وفي شرح ابن سلطان القاري على"توضيح النّخبة"أن ابن حجر هو لقب وإن كان بصيغة الكنية [7] .

مولده:

كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطىء النيل بمصر القديمة

وكان المنزل الذي ولد فيه يقع بالقرب من دار النحاس ولبث فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته"المنكوتمرية"داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين واستمر بها حتى مات.

وبينا نجده لا يشير إلى تاريخ يوم ولادته، نلاحظ اختلافًا بين مترجميه في تحديدهم لتاريخ ذلك اليوم فذكره البقاعي والسيوطي في الثاني عشر من شعبان، وذكر ابن فهد وابن طولون: في الثالث عشر من شعبان كما ذكره ابن تغري بردي والسخاوي في الثاني والعشرين من شعبان على أن الشوكاني اعتبر مولده في الثاني من شعبان وهذا بعيد الاحتمال بسبب كونه متأخرًا أخذ عن الذين سبقوه وفي هذه الحالة لا يؤمن التحريف.

ويظهر مما فات أن يوم مولد ابن حجر ينحصر ما بين الثاني عشر والثاني والعشرين من شعبان سنّة 773هـ أي بين الثامن عشر من شباط والثامن والعشرين منه من سنّة 1372م.

نشأته وأسرته:

نشأ الحافظ ابن حجر يتيمًا- كما عبر هو عن نفسه- إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.

وقال:"تركني ولم أكمل أربع سنين، وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل"، ولم يكن من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الّذين كانت بينه وبينهم مودّة ويبدو أن عليًا كان حفيًّا بولده أحمد، فهو الذي كناه واصطحبه عندما حج وزار بيت المقدس وجاور، ويظن الحافظ ابن حجر أن أباه أحضره في مجاورته مجالس الحديث وسمع شيئًا ما، غير أن المنية اخترمته ولم يسعد بولده الذي صار له فيما بعد شأن عظيم.

وأصبح اليتيم في وصاية زكي الدين أبي بكر بن نور الدين علي الخروبي،ّ وكان تاجرًا كبيرًا بمصر، وورث مالًا كثيرًا وأصبح رئيسًا للتجار، كما أوصى به والده العلامة شمس الدين بن القطان الذي كان له بوالده اختصاصًا لكنه لم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ والاشتغال حتى أنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ... ولا يعلمه بشيء من ذلك.

وقال عن ابن حجر: وكان له اختصاص بأبي فأسند إليه وصيته فلم يحمد تصرفه.

وتشير المصادر إلى أن نشأة الحافظ ابن حجر كانت برغم ذلك- في غاية العفة والصيانة والرياسة، وأن الخروبيّ المذكور لم يأل جهدًا في رعايته والعناية بتعليمه فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكة، وظل يرعاه إلى أن مات سنّة 787هـ وكان الحافظ ابن حجر قد راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلّة.

ولم يدخل الكُتّاب حتى أكمل خمس سنين فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين ومن الذين قرأ عليهم في المكتب شمس الدين بن العلاف الذي ولي حسبة مصر وقتًا وغيره.

وأكمل حفظه للقرآن على صدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي، وكان الاتجاه الثقافي السائد آنذاك يقتضي من الذي يستظهر القرآن أن يصلي بالناس إمامًا في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان، غير أن هذه الفرصة لم تتهيأ لابن حجر الصّبي النّابه الذي حفظ القرآن ولم يزل في التاسعة من عمره، وهذه في الحقيقة مسألة شرعية حيث لا تجزىء صلاة المؤتمين إن لم يكن إمامهم بالغًا، ومع الاختلاف النسبي في تحديد سن البلوغ، فإن السنّة الثانية عشرة من عمر الصبي كانت تتيح له على ما يظهر أن يصلي إمامًا بالمسلمين إن هو حفظ القرآن الكريم، فكان عليه أن ينتظر بلوغ هذه السن.

وفي أوّل سنة 783 اشتغل بالإعادة، وفي سنّة 785 أكمل الحافظ ابن حجر اثنتي عشرة سنة من عمره، ومن حسن حظه أن يكون متواجدًا حينئذ مع وصية الزكي الخرّوبي في مكة في تلك السنة فصلى التراويح هناك.

ويمكن تصور بوادر نبوغه وشجاعته، فبقدر ما كانت مفخرة له كصبي يتقدّم إمامًا بالمسلمين في بيت الله الحرام فإنها كانت لحظة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وحسن أداء، فكانت الخيرة له في ذلك كما قال، وكان الحج يومئذ يوم الجمعة فحج وجاور في الحرم الشريف ثم صلّى بعد ذلك بالقدس.

ويظهر من استقراء تراجم الذين عاشوا في عصر الحافظ ابن حجر أن تقليدًا ثقافيًا كان يسود بين أوساط التلاميذ الذين يدخلون بالكتّاب وذلك بإلزام التلاميذ بالتدرج في حفظ بعض مختصرات العلوم والكتب وسماع بعضها الآخر، وهي التي اتفق العلماء آنذاك اعتبارها أساسًا في بناء ثقافة طلاب العلم، وكان حفظها أو سماعها يتم بإشراف أساتذة كفاة بارزين في حقول اختصاصهم أو ما يقرب منها.

وإذا كانت ثقافة الحافظ ابن حجر تقليدية في أسلوبها فهي ليست كذلك في مكوّناتها، نظرًا لقائمة الكتب المهمة التي كوّنت ثقافته بادىء ذي بدء.

وبعد أن حفظ القرآن الكريم ظهرت مخايل الذكاء الفطري جلية عليه ما لبث أن استكملها بالتتبع والتحصيل حتى صار حافظ عصره وشيخ الإسلام.

وحفظ بعد رجوعه مع الخروبي إلى مصر سنّة 786"عمدة الأحكام"للمقدسي، و"الحاوي الصّغير"للقزويني و"مختصر ابن الحاجب"الأصلي في الأصول، و"ملحة الإعراب"للهروي، و"منهج الأصول"للبيضاوي وألفيّة العراقي وألفيّة ابن مالك، والتنبيه في فروع الشافعية للشيرازي وتميز بين أقرانه بسرعة الحفظ فأشار مترجموه إلى أنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير في ثلاث مرات يصححها ويقرؤها على نفسه ثم يقرؤها أخرى ثم يعرضها حفظًا، وكانت له طريقته الخاصة في الحفظ، حدث عنها تلامذته فهو لم يكن يحفظ بالدرس، وإنما بالتأمّل، وصرف همته نحو ما يروم حفظه، وقد وصف السّخاوي هذه الطريقة بأنها طريقة الأذكياء.

وسمع"صحيح البخاري"سنة 785 على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري، وكأنه نسي تفاصيل سماعه منه، لكنه كان يتذكر أنه لم يسمع جميع الصحيح، وإنما له فيه إجازة شاملة وقد بين ذلك ابن حجر بقوله:"والاعتماد في ذلك على الشيخ نجم الدين المرجاني فإنه أعلمني بعد دهرٍ طويل بصورة الحال فاعتمدت عليه وثوقًا به".

وقرأ بحثًا في عمدة الأحكام على الحافظ الجمال بين ظهيرة عالم الحجاز سنة 785هـ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة.

واجتهد في طلب العلم فاهتم بالأدب والتاريخ وهو ما يزال في المكتب فنظر في التواريخ وأيام الناس، واستقر في ذهنه شيء من أحوال الرواة، وكان ذلك بتوجيه رجل من أهل الخير سماه ابن حجر للسخاوي إلا أن السخاوي نسيه.

وسمع في فتوته من المُسنِد نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن رزين بن غالب"صحيح البخاري"بقراءة الجمال بن ظهيرة سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر، وفاته شيء يسير، كما سمع الصحيح أيضًا من أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي وغيرهما.

وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغًا جعله يستأجر أحيانًا بعض الكتب، ويطلب إعارتها له، يبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين البشتكي الشاعر المشهور الذي أعاره جملة من الكتب منها كتاب"الأغاني"لأبي الفرج الأصبهاني وغيره.

ويبدو من خلال الاستقراء أن فتورًا حصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في وسط تجاري لأن جده وأعمامه كانوا تجارًا، وكان وصيه الخروبيّ رئيسًا للتجار في مصر.

ولعل لموت الخرّوبي سنة 787هـ أثرًا في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك، كما ترتب عليه أن يكفل نفسه وينهض بأعباء الحياة، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقًا ممن أخذ عن أصحابهم.

في سنة 790 هـ أكمل السّابعة عشرة من عمره، وحفظ فيها القرآن الكريم وكتبًا من مختصرات العلوم، وقرأ القراءات تجويدًا على الشهاب أحمد الخيوطي، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ.

وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري، وحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئًا من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية.

ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعرًا إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء.

وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبوية والمقاطيع.

وتمثل سنة 793 منعطفًا ثقافيًا في حياة ابن حجر، فمن هذه الثقافة العامة والسعة، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب الله إليه علم الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته.

وأوضحت المصادر أن بداية طلبه الحديث كان في سنة 793 هـ وغير أنه لم يكثر إلا في سنة 796هـ وكتب بخطه:".... رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل"فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره.

(1) - انظر: الكفاية (ص34) مع تصرف وزيادات.

(2) - مسلم برقم (32)

(3) - معرفة علوم الحديث ( 8 )

(4) - الكفاية في علوم الرواية ( 76 )

(5) - انظر كشف الإيهام لما تضمنه تحرير التقريب من الأوهام ( للفحل) ص 7

(6) - استفدنا أكثر هذه الترجمة من الدراسة التي قدمها الدكتور شاكر محمود عبد المنعم عن الحافظ ابن حجر فلتنظر وجزاه الله خيرًا، وانظر"رفع الإصر عن قضاة مصر""73"، و"معجم المؤلفين"2/20،"الرسالة المستطرفة"121"، طبقات الحفاظ 547، حسن المحاضرة، 1/363"ذيل تذكرة الحفاظ"326،"شذرات الذهب"7/270،"الضوء اللامع"2/36،"ذيل طبقات الحفاظ"380،"نظم العقيان""45"،"التاريخ المكلل"362،"طبقات الحفاظ"547،"مقدمة كتاب أبناء الغمر""7"،"معجم طبقات الحفاظ"55، 321،"فهرس الفهارس"11/120،"الجامع في الرجال"136،"الكنى والألقاب"1/261،"البدر الطالع"1/87،"القلائد الجوهرية"331،"مفتاح السعادة"1/209،"المؤرخين في مصر"17،"عقود الجوهر"188،"كشف الظنون"7، 8، 12،...."إيضاح المكنون"1/13،"الأعلام"1/179،"هدية العارفين"1/128. و التلخيص الحبير (ج 1 / ص 77) دار الكتب العلمية"

(7) - ابن حجر دراسة ص 63 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت