فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 78

ثالثا- الجرح والتعديل من الدين :

قال الترمذي: فصل في الجرح والتعديل، والتفتيش عن الأسانيد، وأن ذلك من الدين.

ثم قال: (( وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لاَ يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الْكَلاَمَ فِى الرِّجَالِ وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِى الرِّجَالِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِىُّ وَطَاوُسٌ تَكَلَّمَا فِى مَعْبَدٍ الْجُهَنِىِّ وَتَكَلَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِى طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَتَكَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِىُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِىُّ فِى الْحَارِثِ الأَعْوَرِ وَهَكَذَا رُوِىَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالأَوْزَاعِىِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِى الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ لاَ يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ أَوِ الْغِيبَةَ إِنَّمَا أَرَادُوا عِنْدَنَا أَنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلاَءِ لِكَىْ يُعْرَفُوا لأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ وَبَعْضَهُمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِى الْحَدِيثِ وَبَعْضَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ وَكَثْرَةِ خَطَإٍ فَأَرَادَ هَؤُلاَءِ الأَئِمَّةُ أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُمْ شَفَقَةً عَلَى الدِّينِ وَتَثَبُّتًا لأَنَّ الشَّهَادَةَ فِى الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِى الْحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ. ) ). [1]

قال ابن رجب في شرحه على كلام الترمذي هذا: (( مقصود الترمذي - رحمه الله - أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله ) ) [2]

وفي الموطأ (1761 ) وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ ، وَإِلَّا فَارْجِعْ"فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا ، فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ ، وَإِلَّا فَارْجِعْ"، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي ، فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ ، فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وعَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا ، فَعَادَ لَهُ ، ثُمَّ حَدَّثَهُ ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا ، فَعَادَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا ؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ ، وَعَرَفْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ:"إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ". [3]

فهذا الاهتمام البالغ من هؤلاء الصحابة، لم يكن ذلك منهم طعنًا في الصحابيين الكريمين، المغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، ولم يكن موقف ابن عباس من بشير بن كعب طعنًا فيه واتهامًا له، وإنما كان الغرض تعليم الناس الاحتياط لحديث رسول الله صلى الله عليه، وسلم؛ لذلك جاءت رواية أخرى صحيحة عن عمر بن الخطاب لأبي موسى: أما إني لم أتهمك.

ثم جاء عصر أتباع التابعين، فمن بعدهم فكثر الضعفاء والمغفلون، والكذابون، والزنادقة، فكثر اهتمامهم وأشد، في تتبع الكذابين والضعفاء، وذلك بحسب الحاجة.

فلما رأى أهل العلم ذلك نهضوا لتبيين أحوال الرجال، والذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما من مصر من الأمصار إلا وفيه جماعة يمتحنون الرواة، ويعرفون أحوالهم، ويقارنون مروياتهم ويتحققون من سماعاتهم.

قال الخطيب [4] :"قَالَ مَحْمُدُ بْنُ غَيْلَانَ:"سَمِعْتُ الْمُؤَمَّلَ , ذُكِرَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ أُبَيٍّ , عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ , قَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ , سَمَّاهُ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ سَمَّاهُ , قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدَائِنَ فَلَقِيتُ الرَّجُلَ الَّذِي يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ , فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ الْبَصْرَةَ , فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ: هُوَ بِوَاسِطٍ فِي أَصْحَابِ الْقَصَبِ , قَالَ: فَأَتَيْتُ وَاسِطًا فَلَقِيتُ الشَّيْخَ فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ بِالْمَدَائِنِ فَدَلَّنِي عَلَيْكَ الشَّيْخُ , وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ الْبَصْرَةَ , قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ هُوَ بِالْكَلَّاءِ , فَأَتَيْتُ الْبَصْرَةَ فَلَقِيتُ الشَّيْخَ بِالْكَلَّاءِ , فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ عَبَّادَانَ , فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْخَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ هُوَ بِعَبَّادَانَ , فَأَتَيْتُ عَبَّادَانَ فَلَقِيتُ الشَّيْخَ فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ مَا حَالُ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ أَتَيْتُ الْمَدَائِنَ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَاسِطًا ثُمَّ الْبَصْرَةَ فَدُلِلْتُ عَلَيْكَ , وَمَا ظَنَنْتُ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ قَدْ مَاتُوا , فَأَخْبِرْنِي بِقِصَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ , فَقَالَ: أَنَا اجْتَمَعْنَا هُنَا , فَرَأَيْنَا النَّاسَ قَدْ رَغِبُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَزَهِدُوا فِيهِ , وَأَخَذُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ , فَقَعَدْنَا فَوَضَعْنَا لَهُمْ هَذِهِ الْفَضَائِلَ حَتَّى يَرْغَبُوا فِيهِ"وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ قَبُولَ الْمَرَاسِيلِ وَالْعَمَلَ بِهَا , بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَتِهَا وَجْهٌ , وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ , لِأَنَّهُ قَدْ يُرْوَى مِنَ الْأَخْبَارِ , وَيُسْمَعُ مَا قَدْ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ , وَيُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ , وَيُكْتَبُ أَيْضًا مَا الْعَمَلُ عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى خِلَافِهِ , لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ , وَقَدْ يُرْوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ الَّذِينَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِأَحَادِيثِهِمْ , فَالتَّعَلُّقُ بِمَا ذَكَرَ الْمُخَالِفُ لَا وَجْهَ لَهُ".

وقد استعملوا عدة طرق للتحقق من حفظ الراوي وصدقه، وأهليته، ومن ذلك:

النظر في حال الراوي في المحافظة على الطاعة، واجتناب المعاصي، وسؤال أهل العلم به.

قَالَ شَاذَانُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ , يَقُولُ:"كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكْتُبَ عَنِ الرَّجُلِ سَأَلْنَا عَنْهُ , حَتَّى يُقَالَ لَنَا: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوهُ" [5]

وعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ , قَالَ:"كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ يَلِيقُ بِهِ الْقَضَاءُ , فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا فَالْحَدِيثُ ؟ فَقَالَ:"

لِلْحَرْبِ أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ

"قُلْتُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ صِفَةُ الْمُحَدِّثِ الْعَدْلِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ فَضَرْبٌ مِنْهُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ , وَهُوَ الصِّحَّةُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ , وَأَمَانَتِهِ , وَرَدِّ الْوَدَائِعِ , وَإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ , وَتَجَنُّبِ الْمَآثِمِ , فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ , وَالضَّرْبُ الْآخَرُ: هُوَ الْعِلْمُ بِمَا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّبْطِ وَالتَّيَقُّظِ , وَالْمَعْرِفَةِ بِأَدَاءِ الْحَدِيثِ وَشَرَائِطِهِ , وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ , وَوُجُوهِ التَّحَرُّزِ فِي الرِّوَايَةِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ , فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ , بَلِ التَّعْوِيلُ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبِ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ , فَمَنْ عَدَّلُوهُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَرْوِيهِ جَازَ حَدِيثُهُ , وَمَنْ قَالُوا فِيهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ." [6]

عرض حديث الراوي الذي حدث به عن شيخه على حديث الثقات الآخرين عن ذلك الشيخ.

وبناء على ذلك يصدر أحكاما حول هذا الراوي، فيقول مثلا: ينفرد عن الثقات، في حديثه نكارة، يخطئ ويخالف، ونحو ذلك، وقد يقول: أثبت الناس في فلان، أو أكثر الناس عنه.

اختبار حديث الراوي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَنَّ مَرْوَانَ بَعَثَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَرَادَ حَدِيثَهُ ، فَقَالَ: ارْوِ كَمَا رَوَيْنَا ، فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ تَغَفَّلَهُ ، فَأَقْعَدَ لَهُ كَاتِبًا فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ وَيَكْتُبُ الْكَاتِبُ حَتَّى اسْتَفْرَغَ حَدِيثَهُ أَجْمَعَ ، فَقَالَ مَرْوَانُ: تَعْلَمُ أَنَّا قَدْ كَتَبْنَا حَدِيثَكَ أَجْمَعَ ؟ قَالَ:"أَوَ قَدْ فَعَلْتُمْ ، وَإِنْ تُطِيعْنِي تَمْحُهُ ؟"قَالَ: فَمَحَاهُ . [7]

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ"فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى انْطَلَقَ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ"؟ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عُرْسٌ ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ ، إِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَلِمَةً يُعَلِّمُنِيهَا أَوْ أَكْلَةً يُطْعِمُنِيهَا . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ" [8] "

وقد تصدَّى لهذا العلم جمع من أهل الحديث، وبرزوا في ذلك حتى كأنهم خلقوا له، منهم:

شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى ابن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وغيرهم، رحمهم الله.

وقد تناول المحدثون هذا النوع من العلوم بالبيان والشرح والتأليف، واختلفت مقاصدهم في ذلك:

فألف البعض في الثقات [9] ، وألف بعضهم في الضعاف [10] ، وألف بعضهم في الثقات والضعفاء معا [11]

كما أن بعضهم اهتم بطبقات الرواة، وأنسابهم، وأوطانهم، ووفياتهم، [12] واهتم البعض بنوع خاص من الثقات [13] ، واهتم البعض بنوع خاص من الضعفاء, [14] والله أعلم.

الكلام في الرجال من أجل الاحتياط للدين مشروع بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6 ) ) [الحجرات:6] [15] ،وقال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [البقرة:282] .

وقال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) [الطلاق:2] وقال تعالى: (( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) ) [المائدة:95] .

ففي الآية الأولى يأمر الله تعالى بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب الله تعالى العدل والرضى في الشهود.

ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تنقل عن الله ورسوله تدخل فيها دخولًا أوليًا.

وطلب الرضى والعدل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو دين للأمة وتشريع لها، وهو المصدر الثاني في التشريع، أولى من أن يطلب في الشهادة.

(1) - شرح علل الترمذي ( 1: 43) وشرح علل الترمذي لابن رجب (ج 1 / ص 121) الشاملة 2

(2) - نفسه

(3) - صحيح مسلم (19 ) الذلول: السهل

(4) - وفي الكفاية (1241 )

(5) - الكفاية (ص: 93) (243)

(6) - الكفاية (244 )

(7) - المستدرك للحاكم (6167) و جامع الحديث (6220 ) والخبر قوي الإسناد

(8) - رواه الحاكم في المستدرك (6167) وصححه، ووافقه الذهبي.

(9) - مثل: ابن حبان، فقد ألف كتابًا خاصا بالثقات عنده. وهو مطبوع في تسع مجلدات.

(10) - مثل: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم البستي، وهو مطبوع في تسع مجلدات.

(11) - مثل: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم البستي، وهو مطبوع في تسع مجلدات.

(12) - مثل: الطبقات لابن سعد الكاتب، والطبقات لخليفة بن خياط العصفري، وكتاب ابن سعد يقع في تسع مجلدات، وكتاب خليفة يقع في مجلد واحد.

(13) - مثل: تسمية من أخرج لهم البخاري ومسلم للحاكم، وهو مطبوع في مجلد واحد.

(14) - مثل: الإلزامات والتتبع للدارقطني؛ حيث تكلم فيه عن رجال الصحيحين، ومثل كلام أهل العلم عن الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم،أو الثقات الذين ضعفوا في بلد دون آخر، وأكثر من أبرز هذا الموضوع هو ابن رجب في شرح علل الترمذي. وقد جمع أحد طلاب العلم في رسالة ماجستير الرواة الذين وثقوا في بعض شيوخهم، وهو الأخ: صالح بن حامد الرفاعي: مطبوعات الجامعة الإسلامية يقع في مجلد .

(15) - وفي هَذِهِ الآيةِ يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَتَعجَّلُوا في حَسْمِ الأمُورِ وَتَصْدِيقِ الأخْبَارِ التي يَأتِيهِمْ بها أناسٌ فَسَقَةٌ ، غَيْرُ مأمُونينَ في خُلُقِهِمْ وَدِينِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ ، لأنَّ مَنْ لا يُبَالي بالفِسْقِ فَهُوَ أجْدَرُ بأنْ لا يُبَالي بالكَذِبِ ، ولا يَتَحَامَاهُ ، وَقَدْ يُؤدِّي التَّعْجِيلُ في تَصْدِيقِ الأنباءِ التِي يَنْقُلُها الفُسَّاقُ إلى إصَابةِ أناسٍ أبْرياءَ بأذًى ، والمُؤْمِنُونَ يَجْهَلُونَ حَالَهم ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الإِيذاءُ سَبَبًا لِنَدامَتِهِمْ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت