فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 78

المطلب الثالث

من قال فيه مستور

والسادس: من قال عنه مستور

"لقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام ، أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:"

1-المستور: وهو من روى عنه عدلان ، أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الإضافة ابن رجب ، في شرح العلل- . فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة ، وجُهلت عدالته الباطنة .

2-مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، لكن عُرفت عينه . وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد .

3-مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، ولم تعرف عينه ، وهو كالمبهم .

أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة ، مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم ؛ لتقادم العهد بهم . وأيضًا نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين ، وهم رواة النسخ ، أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة .

أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم ، ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث ، لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف ، فيه فلان وهو مجهول ، مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه ؛ لأن فيه فلانًا وهو مجهول ، لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل ، أصبح هو والتضعيف متقاربان ، فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزًا ، وهو في محلِّه ، وليس خطأ تضعيفه .

لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول ؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به ، ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد ، أم لا يتقوَّى بنفسه ، ولا يُقوّي غيره ؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف ؟

فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالًا أو عينًا ، بل نقول هؤلاء حكمهم يختص بالحديث الذي يروونه ، فإذا رووا حديثًا شديد النكارة ، فهذا لا يتقوَّى أبدًا ، كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها ، ومجهول الحال أخفُّ حالًا من مجهول العين .

تنبيه: حكمُ الإمام على راوٍ بالجهالة لا يعتبر تعارضًا مع حكم إمامٍ آخر بالتوثيق لنفس الراوي ؛ وذلك لأن الإمام الذي وصفه بالجهالة وصفه بذلك لأنه لا يعرفه وهو مجهول عنده ، أما الإمام الآخر فإنه يعرفه ويحكم عليه. فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل تعارض الجرح والتعديل ، وللأسف أنّا نجد من يُقدّم الحكم بالجهالة على التعديل ، وهذا خطأ ؛ لأن الحكم بالجهالة هو إعلام من الناقد بعدم علمه بهذا الراوي ، أما الحكم بالتوثيق فإخبارٌ من الإمام أنه يعرف هذا الراوي وأنه ثقة . فلا تعارض بين الحكم بالجهالة والحكم بالتعديل أو بالتجريح ، ولا يُشَكُ في تقديم حكم المُعدّل أو المُجرّح على مَنْ حكم بالجهالة ." [1] "

القول في رواية المستور:

قال الزركشيُّ رحمه الله:"الثَّانِي: الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْبَلُ مَا لَمْ يُعْلَمْ الْجَرْحُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ تُعْلَمْ الْعَدَالَةُ كَالشَّهَادَةِ ، وَكَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ جَزْمِ الشَّافِعِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ ، وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنِ الْأَكْثَرِينَ ، وَنَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ: نُصَّ فِي كِتَابِ الِاسْتِحسان عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْتُورِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ ."

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْعَدْلِ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ .

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ": وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى جَهَالَةِ الْحَالِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ خَصْمًا يُطَالِبُ بِالْعَدَالَةِ ، فَجَازَ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ إذَا تَرَكَ الْخَصْمُ حَقَّهُ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ كَمَا قُلْنَا بِالِاتِّفَاقِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ ."

وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ مِنَّا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ ، كَمَا رَأَيْت ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَكَذَا وَافَقَهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِ"التَّقْرِيبِ"، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْإِخْبَارَ مَبْنِيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي ، وَلِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ تَكُونُ عِنْدَ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ ، فَاقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ ، وَيُفَارِقُ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَالَةُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ الَّذِينَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِهِمْ ، وَتَعَذَّرَتِ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ بِهِمْ ،وَإِلَى نَحْوِهِ مَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيمَنْ عُرِفَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَسَنَذْكُرُهُ .

قُلْتُ: وَذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَيَّدُوا مَا سَبَقَ عَنْهُمْ بِصَدْرِ الْإِسْلَامِ ، حَيْثُ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْعَدَالَةُ ، وَأَمَّا الْمَسْتُورُ فِي زَمَانِنَا فَلَا يُقْبَلُ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الرَّشَادِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقْبَلُ فِي زَمَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ .

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي"التَّقْوِيمِ": الْمَجْهُولُ خَبَرُهُ حُجَّةٌ إنْ نَقَلَ عَنْهُ السَّلَفُ ، وَعَمِلُوا بِهِ أَوْ سَكَتُوا عَنْ رَدِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَيُعْمَلْ بِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْقِيَاسَ اهـ.

وَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ ابْنِ حبان فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ"أَنْ يُوَثِّقَ مَنْ كَانَ فِي الطَّبَقَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ التَّابِعِينَ .

قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: اسْتَقْرَيْت ذَلِكَ مِنْهُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَلَى ذَلِكَ الْعَصْرِ ، مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ مَا يَقْتَضِي التَّضْعِيفَ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُوقَفُ ، وَيَجِبُ الِانْكِفَافُ إذَا رُوِيَ التَّحْرِيمُ إلَى الظُّهُورِ فَتَحَصَّلْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ .

وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي"شَرْحِ الْمُهَذَّبِ"تَصْحِيحَ قَبُولِ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ ، وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِمَسْتُورِي الْعَدَالَةِ ، فَالرِّوَايَةُ أَوْلَى ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ: قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ إنَّمَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَضَاءِ بِالنِّكَاحِ ، لَا مَنْزِلَةَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ ، وَالنِّكَاحُ لَا يُقْضَى فِيهِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورٍ ، فَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ .

وَقَالَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ": إنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ اعْتَقَدَ أَنَّ شُهُودَ النِّكَاحِ عُدُولٌ فِي ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ نَاقَضَ مَا قَالَهُ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ وَمُعْظَمُهَا ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ عَدَالَةً فَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ قَوْلِهِ .انْتَهَى .

وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ ، وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَلَامَهُ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ"أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَجْهُولُ ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ ، وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ..."

الثَّالِثُ: مَجْهُولُ الْعَيْنِ ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ ، فَالصَّحِيحُ لَا يُقْبَلُ ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الرَّاوِي مَزِيدًا عَلَى الْإِسْلَامِ

وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، فَاكْتَفَيْنَا فِي التَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ بِالزُّهْدِ وَالنَّجْدَةِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ .

وَقِيلَ: إنْ زَكَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَعَ رِوَايَتِهِ وَأَخَذَهُ عَنْهُ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا .

وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثِ ، صَاحِبِ كِتَابِ"الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ".

قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَغَيْرِهِ .

قُلْتُ: وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ ابْنِ حبان فِي ثِقَاتِهِ وَصَحِيحِهِ:""ارْتِفَاعُ الْجَهَالَةِ بِرِوَايَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّسَائِيّ أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا رَوَى عَنْهُ وَاحِدٌ فَقَطْ فَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَإِذَا رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مَعْلُومٌ انْتَفَتْ عَنْهُ الْجَهَالَةُ .

قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي الْجَمَاعَةُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُونَ ، وَلَا يُخْبِرُونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ ، وَيُحَدِّثُونَ بِمَا رَوَوْا عَنْهُ ، وَلَا تُخْرِجُهُ رِوَايَتُهُمْ عَنْهُ عَنِ الْجَهَالَةِ إذَا لَمْ يَعْرِفُوا عَدَالَتَهُ .

قُلْت: مُرَادُ الْمُحَدِّثِينَ ارْتِفَاعُ جَهَالَةِ الْعَيْنِ لَا الْحَالِ ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ رِوَايَةَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْجَمَةِ فِي الشَّهَادَةِ" [2] ."

قلتُ: ورواية مستور الحال يحتجُّ بها لدى طائفةٍ معتبرةٍ من العلماء ، قال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي [3] :

"وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خفيُّ البَاطن أي: مجهول العَدَالة باطنًا يحتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قول بعض الشَّافعيين كسليم الرَّازي،قال: لأنَّ الإخبار مَبْنيٌّ على حُسْن الظَّن بالرَّاوي, ولأنَّ رِوَاية الأخبار تَكُون عند من يتعذَّر عليه معرفة العَدَالة في الباطن, فاقتصر فيها على مَعْرفة ذلك في الظاهر, بخلاف الشَّهادة, فإنَّها تَكُون عند الحُكَّام, فلا يتعذَّر عليهم ذلك،قال الشَّيخ ابن الصَّلاح [4] : ويشبهُ أن يَكُون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتب الحديث المشهورة في جَمَاعة من الرُّواة تقادم العهد بهم, وتعذَّرت خبرتهم باطنًا وكذا صحَّحه المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» ."

وقال الحافظ ابن حجر في تعليقه على حديث [5] :"كَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ إِذَا سَمِعَ أَحَدَنَا يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ:"صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" [6] ."

وهو حديث حسن، لأن رواته ثقات ولم يصب من ضعفه بأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول لم يسم ، فقد ذكره البخاري في"تأريخه"فسماه: يزيد ولم يذكر فيه هو ولا ابن أبي حاتم جرحا، فهو مستور اعتضد حديثه، وقد احتجَّ أصحابنا وغيرهم بما هو دون ذلك.""

ثم ساق ابن حجر بعض ما يعضد هذا الحديث من شواهد ، والذي يهمنا من هذا المثال أمور:

1-المراد بالمستور عند ابن حجر 2- التوقف في رواية المستور حتى يعتضد ، فيقبل 3- إذا اعتضد حديث المستور صار حديثا حسنًا لغيره 4- أن الحديث الحسن لغيره احتج به الشافعية وغيرهم .

ولذا فالمستور عند هؤلاء إذا اعتضد فهو في رتبة الحديث الحسن لغيره ، وقال ابنُ الصلاحِ [7] : وقد أمعنْتُ النَظَرَ في ذلك ، والبحثَ ، جامعًا بين أطرافِ كلامِهِم ، ملاحظًا مواقعَ استعمالِهِم ، فتنقحَ لي واتضَحَ أنَّ الحديثَ الحسنَ قسمانِ:

أحدُهما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إسنادهِ من مستورٍ لم تتحققْ أهليتُهُ، غيرَ أنَّهُ ليس مغفلًا ، كثيرَ الخطأ فيما يرويه ، ولا هو متهمٌ بالكذبِ في الحديثِ ، أي: لم يظهرْ منه تعمُّدُ الكذبِ في الحديثِ ، ولا سببٌ آخرُ مفسِّقٌ ويكونُ متنُ الحديثِ مع ذلك قد عُرِفَ ، بأنْ رُوِي مثلُهُ أو نحوُهُ من وجهٍ آخرَ ، أو أكثر ، حتى اعتضدَ بمتابعةِ مَنْ تابعَ راويهِ على مثلِهِ ، أو بما لَهُ مِنْ شاهدٍ ، وهو ورودُ حديثٍ آخرَ نحوه ، فيخرجُ بذلك عن أنْ يكونَ شاذًا ، أو منكرًا . وكلامُ الترمذيِّ على هذا القسمِ يتنزلُ

وقال الحافظ ابن حجر:"وهُو الَّذي (قد) يكونُ حُسْنُهُ بسببِ الاعْتِضادِ ، نحوُ حديثِ المَسْتُورِ إِذا تعَدَّدَتْ طُرُقُه ." [8]

وقد اعتبر الحافظ ابن حجر المستور في آخر مراتب التعديل ، فهو مقبول بشرط الاعتضاد ، وهذا يعني رجحان تعديله ، كما أنه إذا لم يعضد يردُّ ، لا لضعفه ، بل لأنه لم يتبين حاله ، قال الحافظ ابن حجر في النزهة [9] :"إِنْ وُجِدَتْ قرينَةٌ تُلْحِقُهُ بأَحَدِ القِسْمَيْنِ الْتَحَقَ ، وإِلاَّ فَيُتَوَقَّفُ فيهِ ، وإِذا تُوُقِّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ صارَ كالمَرْدودِ ، لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ ، بل لكَوْنِه لمْ تُوجَدْ به فيهِ صفةٌ توجِبُ القَبولَ ، واللهُ أعلمُ ."

فالحدُّ الفاصل بين مراتب التوثيق وبين مراتب التضعيف عند ابن حجر هو هذه المرتبة ( مستور) أو مجهول الحال ، وبالسبر يمكن أن يلتحق صاحب هذه المرتبة بمن فوقه فيكون من المقبولين ، أو يلتحق بمن دونه ، فيكون من الضعفاء من حيث ردُّ حديثه .

قال العاني - رحمه الله - إذا كان حديث المستور إذا اعتضد عند ابن حجر حسنا لغيره ، فحديث المقبول عند ابن حجر حسن لذاته .

وقد صحح بعض أهل العلم حديث المستور ، كما في مسند البزار (740) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لِلطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلاَّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَهَانِئُ بْنُ هَانِئٍ لاَ نَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ إِلاَّ أَبُو إِسْحَاقَ.

وفي تقريب التهذيب (7264 ) هانئ بن هانئ الهمداني بالسكون الكوفي مستور من الثالثة بخ 4

وفي الكاشف ( 5938 ) هانئ بن هانئ الهمداني عن علي وعنه أبو إسحاق قال النسائي ليس به بأس د ت ق

وفي تهذيب الكمال ( 6548 ) بخ د ت ص ق هانئ بن هانئ الهمداني الكوفي روى عن علي بن أبي طالب بخ د ت ص ق روى عنه أبو إسحاق السبيعي بخ د ت ص ق ولم يرو عنه غيره قال النسائي ليس به بأس وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ،روى له البخاري في الأدب والنسائي في خصائص علي وفي مسنده والباقون سوى مسلم.""

فهو في الحقيقة مجهول العين ، لأنه لم يرو عنه إلا واحد ، لكن ورد توثيقه من معتبر ، فرتفع إلى مجهول الحال أو مستور. [10] ،والراجح أنَّ حديثه حسن .

ومن الأمثلة على ذلك: عبد الرحمن بن كيسان مولى خالد بن أسيد قال عنه في التقريب ( مستور ) وقال في الإصابة في ترجمة والده كيسان روى عنه عبد الرحمن حديثًا أخرجه ابن ماجة بسند حسن [11]

قلت: هو في مسند أحمد (15843و15844) وسنن ابن ماجه (1103 ) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَبِى كَيْسَانَ مَا أَدْرَكْتَ مِنَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ رَأَيْتُهُ يُصَلِّى عِنْدَ الْبِئْرِ الْعُلْيَا بِبِئْرِ بَنِى مُطِيعٍ مُلَبَّبًا فِى ثَوْبٍ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَصَلاَّهَا رَكْعَتَيْنِ. وقال الشيخ شعيب: إسناده محتمل للتحسين، وحسنه الألباني في التعليق على سنن ابن ماجة.

وقال الذهبي في السير [12] :

"عَدِيّ بن عميرَة الكِنْدِيّ خَرَّجَ لَهُ مُسْلِم، مَا رَوَى عَنْهُ غَيْر قيس بن أَبِي حَازِمٍ [13] ."

وَخَرجَ مُسْلِم لقطبَة بن مَالِك، وَمَا حَدَّثَ عَنْهُ سِوَى زِيَاد بن عِلاَقَةَ. [14]

وَخَرَجَ مُسْلِم لطَارِق بن أَشيم، وَمَا رَوَى عَنْهُ سِوَى وَلده أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ.

وَخَرَّجَ لنبيشَة الخَيْر، وَمَا رَوَى عَنْهُ إِلاَّ أَبُو المَلِيْحِ الهُذَلِيّ [15] .

ذكرنَا هَؤُلاَءِ نقضًا عَلَى مَا ادَعَاهُ الحَاكِم مِنْ أَنَّ الشَيْخين مَا خرجَا إِلاَّ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ فصَاعِدَا.""

وهذا يبين أن المسألة موضع خلاف

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (2109) حفص بن بغيل [ د ] .عن زائدة وجماعة.وعنه أبو كريب، وأحمد بن بديل،قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.

قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته.

وهذا شئ كثير، ففى الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل." [16] "

قلت: ومع ذلك لم تضبط هذه المرتبة بشكل دقيق عند الحافظ رحمه الله

كقوله في ترجمة إبراهيم بن أبي بكر المكي الأخنسي مستور (157)

ففي تهذيب التهذيب [ ج1 -ص 96 ] (193 ) س النسائي إبراهيم بن أبي بكر المكي الأخنسي سمع طاوسا وعنه ابن أبي نجيح وابن جريج، قلت اسم جده أبو أمية كذا ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه إسماعيل بن أمية فقال عن إبراهيم بن بكر بن أبي أمية الأخنسي عن كعب ،وقال الخطيب حجازي سمع مجاهدا وزاد في الرواة عنه منصور بن المعتمر ،وقرأت بخط الذهبي"محله الصدق".

وحديثه في السنن الكبرى للإمام النسائي (8958) أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، سَمِعَ طَاوُسًا يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيَسْأَلُنِي عَنِ الْكُفْرِ ؟""

وسكت عليه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل [ ج2 - صفحة 90 ] (229) والبخاري في التاريخ الكبير [ ج1 -ص 276 ] (887) وذكره ابن حبان في الثقات [ ج6 -ص 14 ] (6523 ) فالصواب أنه صدوق .

وكقوله في ترجمة أيوب بن بشير بن كعب العدوي البصري مستور (604) وفي التهذيب روى عنه خالد بن ذكوان وقتادة وحميد بن هلال ، قال ابن خراش مجهول ، ووثقه ابن حبان ، وكان قاضي أهل فلسطين 1/397 .

قلت: وصحح له الألباني حديثا في تعليقه على سنن أبى داود (5216)

وسكت عليه أبو حاتم وأبو زرعة الجرح والتعديل (ج 2 / ص 242) (859 ) والبخاري في التاريخ الكبير [ ج1 -ص 409 ] (1306) وذكره ابن حبان في الثقات [ ج6 -ص 56 ] (6703)

وفي ميزان الاعتدال (1066 ) وأيوب بن بشير - بالضم / بن كعب العدوي.ويروي عن التابعين.صدوق، خرج له أبو داود.

أقول: من كان بهذه الصفة ينبغي أن يوثق .

وقوله في ترجمة ثعلبة بن مسلم الخثعمي الشامي مستور (846) .

(1) - التخريج ودراسة الأسانيد حاتم العوني (ج 1 / ص 100)

(2) - البحر المحيط في أصول الفقه (ج 3 / ص 339) فما بعدها

(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 247)

(4) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 21)

(5) - النكت على ابن الصلاح (ج 2 / ص 768)

(6) - سنن النسائى (916) ومسند أحمد (21100) حسن

(7) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 48) ومقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 4)

(8) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ج 1 / ص 12) و التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ج 1 / ص 9)

(9) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ج 1 / ص 6)

(10) - ورواه الترمذي (4167) وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي المستدرك للحاكم (5662) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ووافقه الذهبي،وفي صحيح ابن حبان (7075 ) وقال الشيخ شعيب:إسناده حسن.. وفي الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 437) ( 775) إسناده لا بأس به ، وفي فتح الباري لابن حجر (ج 17 / ص 373) :"وَأَخْرَجَ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَلِيّ"اِسْتَأْذَنَ عَمَّار بْن يَاسِر عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّب"وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالْمُصَنِّف فِي"الْأَدَب الْمُفْرَد"وَصَحَّحَهُ اِبْن حبان وَالْحَاكِم".

(11) - الإصابة في معرفة الصحابة (ج 3 / ص 12)

(12) - سير أعلام النبلاء (12/578)

(13) - صحيح مسلم (4848 و4850) قلت: بل روى عنه غيره انظر تهذيب الكمال [ ج19 - ص536 ] (3888 ) وتهذيب التهذيب [ ج7 - ص153 ] (335 )

(14) - صحيح مسلم ( 1052و1053) قلت: لكنه صحابي ، وذكر له في تهذيب الكمال راو آخر (4882) وآخر في تهذيب التهذيب [ ج8 - ص339 ] (675)

(15) - بل روى عنه غيره انظر الإصابة في تمييز الصحابة [ ج6 - ص421 ] (8686)

(16) - ميزان الاعتدال (ج 1 / ص 556) 2109

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت