الدليل الثاني
أن المقبول عند ابن حجر في التقريب يقابل الثقة عند غيره من علماء النقد
قال الذهبي في الموقظة:"من أَخرَج له الشيخان على قسمين:"
أحدُهما: ما احتَجَّا به في الأصول .
وثانيهما: من خرَّجا له متابعةً وشَهادَةً واعتبارًا .
فمن احتَجَّا به أو أحدُهما ، ولم يُوثَّق ، ولا غُمِزَ ، فهو ثقة ، حديُثُه قوي .
ومن احتَجَّا به أو أحدُهما ، وتُكلِّم فيه:
فتارةً يكون الكلامُ فيه تعنُّتًا ، والجمهورُ على توثيقِه ، فهذا حديثُهُ قويّ أيضًا .
وتارةً يكون الكلامُ في تليينِهِ وحِفظِهِ له اعتبار . فهذا حديثهُ لا يَنحطُّ عن مرتبة الحسَن ، التي قد نُسمِّيها: من أدنى درجات ( الصحيح ) فما في الكتابين بحمد الله رجلٌ احتَجَّ به البخاريُّ أو مسلمٌ في الأصولِ ، ورواياتُه ضعيفة ، بل حَسَنةٌ أو صحيحة ،ومن خَرَّجَ له البخاريُّ أو مسلمٌ في الشواهد والمتابَعات ، ففيهم من في حِفظِه شيء ، وفي توثيِقه تردُّدٌ . فكلُّ منْ خُرِّجَ له في الصحيحين ، فقد قَفَزَ القَنْطَرة ، فلا مَعْدِلَ عنه إلا ببرهانٍ بَيِّن .
نعم ، الصحيحُ مراتب ، والثقاتُ طَبَقات ، فليس مَنْ وُثِّق مطلقًا كمن تُكلِّمَ فيه ، وليس من تُكلِّم في سُوءِ حفظِه واجتهادِه في الطَّلَب ، كمن ضعَّفوه ولا من ضعَّفوه ورَوَوْا له كمن تركوه ، ولا من تركوه كمن اتَّهموه وكذَّبوه ."اهـ [1] "
قلت: فالذي يعنيه الذهبي بقوله لم يوثق ولا غمز ممن روي له في الصحيحين يقابل المقبول عند ابن حجر ، وأنت ترى أن الذهبي نصَّ على أن من كان هذا حاله فهو ثقة وحديثه قوي .
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة حفص بن بغيل:"قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف،قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدلُّ على عدالته."
وهذا شئ كثير، ففى الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل." [2] "
فقوله: خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل ، هم الذين عناهم ابن حجر بمرتبة مقبول .
وقال الذهبي في موضع آخر من الميزان في ترجمة مالك بن الخير الزبادي المصري:"محله الصدق،يروى عن أبي قبيل، عن عبادة - مرفوعا: « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا » [3] ."
روى عنه حيوة بن شريح، وهو من طبقته، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين.
قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته - يريد أنه ما نصَّ أحد على أنه ثقة.
وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم.
والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح" [4] ."
قلت: وهذا يوضح ما تقدم ، وهؤلاء الذين روى عنهم الجماعة ، ولم ينص أحد على توثيقهم ولم يأتوا بما ينكر عليهم هم المقبولون عند ابن حجر ، والذهبي نصَّ على توثيقهم ، فيصحح حديثهم ، لكن ابن حجر جعلهم مقبولين ، فحسَّن حديثهم كما سيأتي.
فهذه ثلاثة نصوص من الذهبي في من هو مسكوت عنهم ، وروى لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما .
الأول - من احتجا به ولم يوثق ولا غمز .
والثاني: في الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل .
والثالث: في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أحد نصَّ على توثيقهم ، هؤلاء الخلق وأمثالهم في كتب السنن هم السبب الذي دعى ابن حجر لابتكار مرتبة جديدة يضيفها إلى مراتب التعديل ، وهي مرتبة مقبول .فالذهبي في النصِّ الأول جعلهم ثقات ، والثاني مستورون ، وفي الثالث حديثهم صحيح ، وهذا - كما ترى - اضطراب في الحكم من إمام كبير من أئمة النقد ، هذا الاضطراب جعل ابن حجر يفكر في ضبط هذا الأمر بابتكار هذه المرتبة وإدراج هؤلاء وأمثالهم فيها ، ونعم ما فعل . [5]
ومن هنا نقول: إن المنهجية والتنظيم العلمي عند ابن حجر فاقت ما كان عند سابقيه من النقاد ، وضبطت ما كان سائبًا من الاصطلاحات ، والذي بقي علينا هو معرفة أحكام هذه الاصطلاحات عنده ، وضبطها قدر الإمكان من خلال ما حكم به النقاد على أحاديث رجال هذه المرتبة ، ومن خلال ما حكم به ابن حجر نفسه على أحاديث هؤلاء ، وهذه خطوة في هذا الطريق ، نسأل الله السداد والتوفيق . [6]
(قال علي) : لو ضبط الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه المصطلحات بشكل دقيق ، لما حار من جاء بعده بفهم هذه الألغاز ، ولا سيما هذه المرتبة التي لم يسبق إليها ، فإذا كنا منصفين نجد الاضطراب في هذه المرتبة جليٌّ جدًّا ،أكثر من اضطراب الذهبي ، والله أعلم .
(1) - الموقظة في علم مصطلح الحديث (ج 1 / ص 18)
(2) - ميزان الاعتدال (ج 1 / ص 556)
(3) - مسند أحمد (23425) والمستدرك للحاكم (421) وقال:وَمَالِكُ بْنُ خَيْرٍ الزِّيَادِيُّ مِصْرِيٌّ ثِقَةٌ ، وَأَبُو قَبِيلٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، ومجمع الزوائد ( 532 ) حسن إسناده والأحاديث المختارة للضياء (ج 4 / ص 34) (445) وحسنه والترغيب والترهيب للمنذري (169) وحسنه
(4) - ميزان الاعتدال (ج 3 / ص 426)
قال الحافظ ابن حجر معقبًا:"وهذا الذي نسبه للجمهور لم يصرِّح به أحدٌ من أئمة النقد، إلا ابن حبان ، نعم هو حقٌّ في حقِّ من كان مشهورًا بطلب الحديث والانتساب إليه ، كما هو مقرر في علوم الحديث ، وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في الثقات في تاريخ الثقات ، فهو ثقة عنده ، وكذا نصَّ الحاكم في مستدركه على أنه ثقة ٌ ."
ثم إنَّ قول الشيخ: إن في رواة الصحيح عددا كبيرا ...إلى آخره مما ينازع فيه ، بل ليس كذلك ، بل هذا شيء نادرٌ ، لأنَّ غالبهم معروفون بالثقة إلا من خرَّجا له في الاستشهاد ، والله أعلم ."اللسان 6/439 (6267) ت عبد الفتاح أبو غدة."
قلت: لكن اعتراض الحافظ ابن حجر فيه نظر كذلك ، بدليل أنه قد أورد في التقريب رواة من رواة الصحيحين، فذكرهم بجرح أو بمرتبة مقبول ، وقد أخرجا لهم في الأصول والفروع ، والحافظ الذهبي قد دافع عن رواة الصحيحين دفاعًا رائعًا جدَّا، وبين أنهم قد قفزوا القنطرة .
(5) - قلت: بل اضطرب ابن حجر رحمه الله في هذه المرتبة أكثر من الذهبي بكثير ، وكلام الذهبي على رواة الصحيحين فقط ، وكلام ابن حجر عليهم وعلى غيرهم .
(6) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص (63-65)