الأَْصْل فِي الْغِيبَةِ التَّحْرِيمُ لِلأَْدِلَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أُمُورًا سِتَّةً تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ ؛ وَلأَِنَّ الْمُجَوِّزَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ لاَ يُمْكِنُ الْوُصُول إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا وَتِلْكَ الأُْمُورُ هِيَ:
الأَْوَّل: التَّظَلُّمُ . يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ ، فَيَذْكُرُ أَنَّ فُلاَنًا ظَلَمَنِي وَفَعَل بِي كَذَا وَأَخَذَ لِي كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ . [2]
الثَّانِي: الاِسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ . وَبيانهُ أَنْ يَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ: فُلاَنٌ يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ إِزَالَةَ الْمُنْكَرِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا . [3]
الثَّالِثُ: الاِسْتِفْتَاءُ: وَبيانهُ أَنْ يَقُول لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ فُلاَنٌ بِكَذَا . فَهَل لَهُ ذَلِكَ أَمْ لاَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلاَصِ مِنْهُ وَتَحْصِيل حَقِّي وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنِّي ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ ، وَلَكِنَّ الأَْحْوَطَ أَنْ يَقُول: مَا تَقُول فِي رَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا ، أَوْ فِي زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ تَفْعَل كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَحْصُل لَهُ الْغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ ، [4] لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ أَبَا سفيان رَجُلٌ شَحِيحٌ ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ « خُذِى أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ » [5] . . وَلَمْ يَنْهَهَا رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ .
أَوَّلًا: جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ ، بَل وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ .
ثَانِيًا . الإِْخْبَارُ بِغِيبَةٍ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِهَا .
ثَالِثًا: إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، تَذْكُرُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ نَصِيحَةً لَهُ ، لاَ لِقَصْدِ الإِْيذَاءِ وَالإِْفْسَادِ .
رَابِعًا: إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا . وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَرَهُ ، فَعَلَيْك نَصِيحَتُهُ بِبيان حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ .
خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ لاَ يَقُومُ لَهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ ، فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةٌ لِيَسْتَبْدِل بِهِ غَيْرَهُ أَوْ يَعْرِفَ . فَلاَ يَغْتَرَّ بِهِ وَيُلْزِمُهُ الاِسْتِقَامَةَ [6]
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ . فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيُوبِ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَرُ [7] .
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ . . فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالأَْعْمَشِ وَالأَْعْرَجِ وَالأَْزْرَقِ وَالْقَصِيرِ وَالأَْعْمَى وَالأَْقْطَعِ وَنَحْوِهَا جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا ، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى . [8]
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية (ج 31 / ص 335) وشرح النووي على مسلم (ج 8 / ص 400) وفتح الباري لابن حجر (ج 17 / ص 212)
(2) - الأذكار للنووي 303 ط الكتاب العربي ، والجامع لأحكام القرآن 16 / 339 ط الكتب المصرية ، وفتح الباري 10 / 472 ط الرياض ، ومختصر منهاج القاصدين 173 نشر دار البيان .
(3) - شرح صحيح مسلم للنووي 16 / 142 ط المصرية ، والأذكار للنووي 303 ط الكتاب العربي ، ورفع الريبة للشوكاني ص13 ط السلفية ، والجامع لأحكام القرآن 16 / 339 ط الكتب المصرية ، وفتح الباري 10 / 472 ط الرياض ، ومختصر منهاج القاصدين 173 نشر دار البيان .
(4) - الأذكار للنووي 303 ط الكتب المصرية ، رفع الريبة 13 ط السلفية ، فتح الباري 10 / 472 ط الرياض ، شرح صحيح مسلم 16 / 142 ط المصرية .
(5) - صحيح البخاري (2211 ) ومسلم (4574 )
(6) - رفع الريبة ص13 ، 14 ط السلفية ، والأذكار للنووي 303 ط الكتاب العربي ، وشرح مسلم للنووي 16 / 142 ، 143 ط المصرية .
(7) - الأذكار للنووي 303 ط الكتب المصرية ، وشرح صحيح مسلم للنووي 16 / 143 ط المصرية ، وفتح الباري 10 / 472 ط الرياض ، ورفع الريبة 14 ط السلفية ، والآداب الشرعية لابن مفلح 1 / 276 ط الرياض
(8) - شرح صحيح مسلم للنووي 16 / 143 ط المصرية ، والأذكار للنووي ص304 ط الكتاب العربي ، ورفع الريبة ص 14ط السلفية ، وفتح الباري 10 / 472 ط الرياض .