المطلب السابع
بعض الدراسات الحديثة حول هذه المرتبة
هناك بعض الدراسات حول هذا الأمر وهذه خلاصتها [1] :
"فأصحاب المرتبة الرابعة هم ممن يحسن حديثهم عند ابن حجر ."
ولاشك أننا حينما نقول في الحديث الصحيح إن منه درجة عالية ومنه درجة دنيا ، فكذلك في الحديث الحسن فإن منه ما يكون في أعلاه ، ومنه ما يكون في أدنى درجاته .
ولهذا بعدما بين الحافظ الذهبي تعريف الحديث الحسن في كتابه الموقظة ، وأراد أن يبين أمثلة له ، قال: ( فأعلى مراتب الحسن: ... الخ ) .
ولما عرف السخاوي الحديث الحسن في كتابه فتح المغيث قال: ( وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما ..الخ ) .
فهذا يدلُّ على أن الحسن قد يقيد بأنه في درجة أعلى أو في درجة أدنى .
فأراد الحافظ ابن حجر أن يبين أن أصحاب هذه المرتبة الخامسة هم ممن يحسن حديثهم إلا أنهم أقل من سابقيهم ، فهم قصروا عن سابقيهم قليلًا .
فهل من يقول إن أصحاب المرتبة الخامسة يضعف حديثهم يكون قصورهم عن المرتبة الرابعة قليلًا أو كثيرًا ؟!
-ومما يبين لك بوضوح ويؤكد أن مراد ابن حجر هو نزول أصحاب هذه المرتبة قليلًا عن سابقيهم ، وأنهم ما زالوا في درجة الاحتجاج:
هو تفسير ابن حجر نفسه لألفاظ ( سيء الحفظ وله أوهام .. ) وأن هذه الألفاظ تعني عنده قلة الغلط لا كثرته !!
فإنه قد بين هذا المعنى في كتابه ( هدي الساري ) في موطن لم أقف على من نبه عليه ! ، والحمد لله على فضله ، قال الحافظ: ( وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي ، وتارة يقل ..فحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيئ الحفظ ، أو له أوهام ، أو له مناكير ، وغير ذلك .. ) .
-أن المتأمل في تراجم أصحاب هذه المرتبة يجد أنهم ممن اختلف المحدثون فيهم بين التوثيق والتضعيف .
ومن قرائن الترجيح عند بعض الأئمة في حال أمثال هؤلاء الرواة هو تحسين حديث من اختلف فيه ، لأن راوي الحسن عندهم هو الراوي الذي اختلف فيه .
ومن أمثلة ذلك من كلام ابن حجر:
-قال في الفتح (13/187) لما بين خلاف الأئمة في حال عبدالرحمن بن أبي الزناد: ( فيكون غاية أمره أنه( مختلف فيه ) فلا يتجه الحكم بصحة ما ينفرد به ، بل غايته أن يكون حسنًا ).
-وقال في النكت (1/464) : ( ورواته ثقات إلا أن هشام بن سعد قد ضعف من قبل حفظه ، وأخرج له مسلم ، فحديثه في رتبة الحسن .. ) .
فانظر كيف جعل حديثه حسنًا لما تعارض عنده تضعيف بعض الأئمة له مع إخراج مسلم له في صحيحه .
وقد قال عن هشام بن سعد في التقريب ( صدوق له أوهام ) .
-أن الاستقراء لأصحاب هذه التراجم يدلُّ على أنهم في مرتبة من يحسن حديثهم.
وقد قام باستقراء أحوال هؤلاء الرواة فضيلة الدكتور عبدالعزيز التخيفي ، وخلص إلى نفس النتيجة ، ومما قاله بخصوص هذه المسألة:
( وقد تبين لي من خلال دراسة أحوال الرواة الذين وصفهم ابن حجر بذلك أن معظمهم محتجٌّ بحديثهم .
وقد سمعت فضيلة .. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله- وقد سئل عمن قال عنه ابن حجر: ( صدوق له أوهام ) أو ( صدوق يهم ) فذكر ما حاصله أن حديث هؤلاء محتج به .
أقول: لذلك فالظاهر لديَّ أن القيد في قوله ( صدوق له أوهام ) أو ( صدوق يهم ) قيد يستعمله ابن حجر في مواضيع كثيرة لبيان الواقع ، وهو أنه ما من راو موثق إلا وله بعض الأوهام .
وقد يستفاد من وصف الراوي الصدوق بأنه ( يهم ) أن له أوهامًا متعددة ، كما تشعر بذلك صيغة الفعل المضارع ( يهم ) ، لكن هذه الأوهام ليست غالبة على حديثه وإلا لانحطَّ الراوي إلى رتبة دون هذه مثل ضعيف أو سيء الحفظ ).
وممن رأيته قرر هذا الفهم الذي ذكرته: الدكتور وليد بن حسن العاني رحمه الله في كتابه ( منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها ) [2] .
وهو كتاب فيه فوائد ، إلا أن له بعض الآراء لم يسبق إليها !
وقال الشيخ المحقق ( الشريف: حاتم العوني ) - وفقه الله - بما يلي:
في معرض حديث له عن مراتب أحوال الرواة عند ابن حجر ، قال:
المرتبة الرابعة ظاهرة أن المراد بها من يحسن حديثه ..والتي وقع فيها إشكال طويل عريض هي المرتبة الخامسة .. فمنهم من يعتبرها مرتبة رد ومنهم من يعتبر بعضها مراتب رد وبعضها مرتبة قبول، فإذا قال صدوق له أوهام قالوا: مقبول ، وإذا قال: سيءالحفظ قالوا: مردود ، فليجؤون إلى دلالة العبارة هل تدلُّ على كثرة الخطأ أو قلته .... وقسم يقول: هي كلها مراتب قبول ، والذي أراه هوالثالث الأخير أنها جميعا ألفاظ قبول ، يدل على ذلك أمور:
1-أن ابن حجر قسَّم من يصح حديثه إلى طبقتين ، فهذا يشير إلى أن الحسن سوف يكون بنفس الطريقة ..
2-أنه لما ابتدأ الخامسة قال: وينقص عن ذلك قليلا ، والرابعة من يحسن حديثه يقينا .
3-أن المرتبة السادسة هي أول مراتب الردَّ ، بدليل أن في هذه المرتبة أول ما ينص على الرد ، ومتى ؟ .
إذا لم يتابع .. فتنصيصه على الرد وبهذه الدرجة من الخفة في هذه المرتبة يدل على أن ما قبلها مراتب قبول [3] .. .
4-تصرفات للحافظ صريحة فمثلا: شريك بن عبدالله وصفه بـ صدوق يخطئ كثيرا ، ثم ذكره في تعريف أهل التقديس في المرتبة الثالثة .. فإذا قال حدثنا فهو عند ابن حجر يكون مقبولا ، ولم يذكره في الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس
أمَّا من فرق بين العبارات فنقول له: ابن حجر ذكر هذه العبارات كلها في مرتبة واحدة وهو في سياق ذكر مراتب الجرح والتعديل وأول ما ساق ( صدوق سيء الحفظ ) مما يدل على أن كلها بمعنى واحد .. ويمكن أن يقال: هذه الألفاظ هي مراتب دقيقة ضمن مرتبة واحدة كـ صدوق سيء الحفظ في أقل مراتب الحسن وأعلى منه صدوق له أوهام ..
[ ثم أجاب على مداخلة لطالب لم تتضح ولعل الطالب قال: ألا يكون معناها لا يقبل ما وهم فيه ، أو قال: يكتب حديثه وينظر فيه ]
قال الشيخ: الراوي - حتى الثقة - لا نقبل ما ظهرت الدلالة على أنه وهم فيه بمخالفته لمن هو أولى منه ، أمر ثاني: لو قيل يكتب حديثه وينظر فيه ، بمعنى الموافقة ؟؟ يعني هل ووفق أو لا ؟؟ ، فمثله الصدوق يكتب وينظر هل ووفق أولا .. وقد نص في المقبول بأنه هو الذي يحتاج إلى متابعة .. حتى الصدوق لا يقبل قبولا تاما فهو إذا انفرد بأصل فحديثه منكر ، وإذا خالف من هو أولى منه فحديثه مردود ، وكذلك صدوق سيء الحفظ تماما ، مثل الثقة والثقة الثبت هما مرتبتان من مراتب التصحيح وتلك مرتبتان من مراتب التحسين ، فيقدم حديث الصدوق على الصدوق سيء الحفظ ، لكن لو أنه لم يخالف ولا انفرد بأصل ، وروى حديثا غريبا ولم يتفرد بأصل فحديثه مقبول .
وفي الأسئلة: سئل عن عبارة (سيء الحفظ ) هل هي جرح مفسر ؟ فقال:
سيء الحفظ جرح مفسر إذا انفردت دون وصف صدوق ، فإذا وصف بكونه صدوقا سيء الحفظ فيختلف المعنى ويكون حينها: سوء حفظه أنزله إلى درجة الصدوق . لأن كلمة سيء الحفظ وصف نسبي يختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف من قرنوا بهم ، كما تقول: كثير الخطأ وصف نسبي . [4]
وقال الشيخ: طارق عوض الله - وفقه الله - عن عبارات ابن حجر التي من المرتبة الخامسة -"وقد تتبعت هذه التراجم فتبين لي أن الحافظ ابن حجر - عليه رحمة الله - إذا قال:"صدوق"وقرنها بما يدلُّ على الضعف ، لا يقصد -حينئذ- من"صدوق"أكثر من إثبات عدالة الراوي ، وأنه ليس ممن يتعمد الكذب ، أو أنه بريء من البدعة التي اتهم بها ، أو أنه - على ما فيه من بدعة - صدوق لا يكذب انتصارا لبدعته ."
وقد أودعت نتيجة هذا التتبع في كتابي"ردع الجاني [5] ."
قلت: وكلامهم - بشكل عام- يؤيد ما ذهبنا إليه ، ولكنا قد أتينا بالأدلة الدامغة على صحة ذلك، ففيها الكفاية ، والفضل والمنة لله وحده.
(1) - المصدر: (النقد البناء لحديث أسماء ، ص 195 ) ttp://islamport.com/w/amm/Web/2569/8755.htm
(2) - منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها ( 87-125)
(3) - قلت: قوله عن المرتبة السادسة أنها أول مراتب الرد فيه نظر كبير ، ستجد الجواب الشافي عليه 0 بإذن الله - في كلامنا على مرتبة المقبول
(4) - المصدر: أشرطة بعنوان [ دروس في علوم الحديث ] ( عام 1418 هـ ) وعددها: أربعة . والمنقول هنا من آخر الشريط الثالث ،
(5) - ص: 324 - 326"فليرجع إليه من شاء ."