المطلب الثاني
المآخذ التي قيلت على الحافظ ابن حجر رحمه الله ومناقشتها
مهما بلغ المرء من علم ودراية ، لا بد وأن يقع في بعض الأوهام ، أو الأخطاء ، وذلك لأنه بشرٌ معرَّض لما يتعرض له غيره من غلظ ، ونسيان ، ووهم ونحو ذلك ، وهو أمر طبيعي في الناس ، ولذلك رحم الله الإمام مالك عندما قال: ( ما من أحدِ إلا ردَّ ورُدَّ عليهِ إلا صاحب هذا القبر ) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه المؤآخذ التي قيلت في الحافظ ابن حجر رحمه الله بعضها صحيح ، وبعضها فيه شطط ، وبعضها الآخر غير صحيح .
وهذه أهم المؤآخذ التي قيلت فيه:
المأخذ الأول -اختلاف أحكامه على الراوي الواحد:
لو قمنا بمقارنة دقيقة بين كلامه في تقريب التهذيب على الراوي وبين كلامه عليه في كتبه الأخرى كمقدمة الفتح أو الفتح أو التلخيص الحبير ، لظهر لنا بشكل جليٍّ اختلاف في أحكامه ، فهل يعدُّ هذا من التناقض ؟ هذا ما صرح به كثير من العلماء المعاصرين ، فقد اتهموه بالتناقض .
وقال مؤلفا (تحرير التقريب) (1/15) : « ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في أحكامه تناقضًا عجيبًا [كذا قالا] فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر ... » .
أقول: ينبغي أن يفرق في هذا المقام بين نوعين من التناقض والاختلاف عند الحافظ ابن حجر:
النوع الأول: تناقضه واختلافه في كتبه التي ألَّفها في الجرح والتعديل؛ والحقُّ أن هذه الكتب إن لم تكن خالية من التناقض فهي تكاد تخلو منه، وإن وقع فيها شيء من اختلاف، فاختلاف قريب محتمل له وجهه، وله أسبابه ودواعيه، وشأن ابن حجر فيه كشأن سائر أهل العلم في علمهم.
النوع الثاني: تناقضه واختلافه في كتبه عامة؛ فإنه يَرِدُ في بعض كتبه في التخريج كـ (التلخيص الحبير) أو في الشرح كـ (الفتح) أحكام على بعض الرواة أو الأحاديث مخالفة لما في كتبه في الرجال، وبعض تلك الأحكام يكون لابن حجر فيها عذر قريب محتمل وبعضها لا يقبل منه [1] .
والغالب على ابن حجر عندما كان يتكلم على الراوي في كتاب من كتب التخريج أو الشروح أو الأجزاء الحديثية التي ألفها أنه كان في كثير من تلك الأحكام مائلًا في حكمه على ذلك الراوي إلى حاله في حديثه المعين الذي هو بصدد الكلام عليه نقدًا أو شرحًا، أو مائلًا إلى ما يقتضيه المقام أو يأذن به من تشدد أو تساهل بسبب ما وقع فيه من المقارنات أو لوحظ فيه من الأحوال أو حفَّه من الأمور والقرائن؛ وهذا بخلاف شأنه في كتبه المختصة بنقد الرواة فيكاد كلامه فيها يكون مقصورًا على النظر في حال الراوي في الجملة دون الالتفات إلى ما قد يؤثر في ذلك الحكم من موازنة براو آخر أو ملاحظة بعض أحاديث المترجم أو غير ذلك.
وينبغي أن يكون الضابط في هذا الباب هو أنه إذا اختلف كلام ابن حجر في الرجال في مواضع من كتبه، فإن أمكن الجمع الصحيح بين كلماته فهو المخرج، وإلا فالمعتمد هو قوله في كتبه المختصة بالرجال، دون قوله في غيرها من كتبه، ككتب التخريج وغيرها، هذا هو الأصل ولا مانع من الخروج عنه في بعض المواضع لدليل يقتضي ذلك الخروج.
والملاحظ على الحافظ ابن حجر اختصار العبارة وضغطها في كتابه التقريب ، وإذا اقتضى المقام التفصيل والإسهاب في حال هذا الراوي- كما فعل في مقدمة الفتح أو الفتح أو النكت على ابن الصلاح - فهذا بلا ريب يعطينا توضيحيا دقيقًا من الحافظ ابن حجر فيما يقصده في ذلك الراوي الذي أوجز القول فيه .
المأخذ الثاني - اضطرابه تجاه توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم:
قال مؤلفا (تحرير التقريب) (1/31) : « وقد اضطرب الحافظ ابن حجر اضطرابًا شديدًا في التقريب في موقفه من توثيق ابن حبان، أو ذكره لشخص ما في كتابه (الثقات) ، فهو تارة يعتد به، ولا يعتد به تارة أخرى. فقد حكم بجهالة عدد ممن تفرد بالرواية عنهم واحد ووثقهم ابن حبان، وحكم بجهالة حال من روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان، في حين أطلق على مثل هذا في مواضع أخرى لفظ (مستور) . وتوسع في إطلاق لفظ (مقبول) على من روى عنه واحد ووثقه ابن حبان، لكنه أطلق اللفظة عينها على من روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان ومن روى عنه ثلاثة ووثقه ابن حبان، ومن روى عنه أربعة أو خمسة أو ستة أو حتى أربعة عشر راويًا وروى عنه أبو داود، وهو لا يروي إلا عن ثقة. وفي الوقت نفسه أطلق لفظ (ثقة) على من روى عنه واحد فقط ووثقه ابن حبان، أو روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان، أو أكثر من ذلك ووثقه ابن حبان وحده.
ويشعر القارئ مع كل هذا في بعض الأحيان أن ابن حجر لا يقيم وزنًا البتة لتوثيق ابن حبان، فقد قال في ترجمة عامر بن مصعب من التقريب: (شيخ لابن جريج لا يعرف ... وقد وثقه ابن حبان على عادته) . وعامر هذا أخرج له البخاري في (الصحيح) مقرونًا، فلماذا لم يتبع هذه القاعدة في كتابه؟ ..."."
الرد على صاحبي تحرير التقريب:
قلت: وفي هذا الكلام شطط كبير ، والسبب فيما أرى هو عدم فهم المحررين لكلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في التقريب ، ومن ثم أطلقا هذه العبارات العائمة الخالية من التحقيق العلمي ، فالحافظ ابن حجر رحمه الله ، يعتدُّ بكل ما قيل في الراوي من جرح وتعديل حتى لو كان غير صحيح .
وهو يعتمد على توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل ، ولكنه يعمل المقارنة عندما تختلف الأحكام بين علماء الجرح والتعديل .
ولولا اعتداده بتوثيق ابن حبان ما كان قد استدركه في التهذيب على من سبقه ، ونص عليه في كل ترجمة لم يذكره المزي فيها ،ومن راجع تهذيب التهذيب يجد هذا جليًّا واضحًا ، لكن يظهر أن صاحبي التحرير ادعيا ادعاء أكبر منهما بكثير ، وراحا ينتقصان من الحافظ ابن حجر رحمه الله تصريحا وتلميحًا ، يتنزه عنه طالب العلم المبتدئ .
وسأناقش آخر كلمة قالاها وهي قولهم (ويشعر القارئ مع كل هذا في بعض الأحيان أن ابن حجر لا يقيم وزنًا البتة لتوثيق ابن حبان، فقد قال في ترجمة عامر بن مصعب من التقريب:(شيخ لابن جريج لا يعرف ... وقد وثقه ابن حبان على عادته) . وعامر هذا أخرج له البخاري في (الصحيح) مقرونًا، فلماذا لم يتبع هذه القاعدة في كتابه؟ ...".)"
قلت: هذا الكلام ليس صحيحا بحق الحافظ ابن حجر بتاتًا ، وأدلُّ على ذلك المثال الذي ساقاه ، وهذا تفصيله:
ففي تقريب التهذيب (3110) عامر بن مصعب شيخ لابن جريج لا يعرف قرنه بعمرو بن دينار وقد وثقه ابن حبان على عادته من الثالثة خ س
وفي تهذيب التهذيب [ج 5 -ص71 ] (134 ) خ سي البخاري والنسائي في اليوم والليلة عامر بن مصعب ويقال مصعب بن عامر روى عن عائشة وأبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم وطاووس وعنه ابن جريج وإبراهيم بن مهاجر الكوفي ذكره ابن حبان في الثقات روى له البخاري والنسائي حديثا واحدا مقرونا بعمرو بن دينار في الصرف""
قلتُ: أخشى أن يكون الذي روى عنه ابن جريج غير الذي روى عنه إبراهيم فقد قال ابن حبان في ثقات التابعين عامر بن مصعب يروي عن عائشة لا أعلم له راويا إلا إبراهيم بن مهاجر، وربما قال: مصعب بن عامر لا يعجبني الاعتبار بحديثه من رواية إبراهيم، وقال الدارقطني:عامر بن مصعب ليس بالقوي"."
وفي الكاشف (2547 ) عامر بن مصعب أرسل عن عائشة وله عن طاوس وعنه ابن جريج وغيره خ س
وفي الثقات لابن حبان (4509 ) عامر بن مصعب يروي عن عائشة لم أعلم له راويا إلا إبراهيم بن المهاجر ،وربما قال: مصعب بن عامر، لا يعجبني الاعتبار بحديث إبراهيم بن المهاجر"."
وفي الثقات لابن حبان (9923 ) عامر بن مصعب يروى عن طاوس روى عنه ابن جريج"."
وفي الجرح والتعديل [ج 6 -ص 328 ] (1826 ) عامر بن مصعب ويقال مصعب بن عامر روى عن عائشة وطاوس روى عنه إبراهيم بن مهاجر سمعت أبي يقول ذلك"."
وقال الحاكم قلتُ للدَّارَقُطْنِيِّ عامر بن مصعب ؟ قال ليس بالقوي. (435) [2] .
وفي ميزان الاعتدال (4093 ) عامر بن مصعب.قال الدار قطني: ليس بالقوى.
وفي مغاني الأخيار - (ج 6 / ص 36) (244 ) عامر بن مصعب: شيخ لابن جريح لا يعرف، ووثقه ابن حبان على عادته.
وفي المغني في الضعفاء للذهبي (3013 ) عامر بن مصعب قال الدارقطني ليس بالقوي.
قلت: هذا كلُّ ما قيل في الرجل ،أولا لم يرو عنه غير إبراهيم بن مهاجر بدليل كلام ابن حبان نفسه ، والثاني أن الدارقطني ضعفه ، والثالث أن ابن حبان نفسه قال لا تعجبتي رواية إبراهيم بن مهاجر يعني عنه ، فهل سيقول عنه الحافظ ابن حجر وثقه ابن حبان ؟!
وابن حبان نفسه ضعف روايته في الثقات ، فهل أهملنا قوله ؟ لا ، ومتى يرد هذا الاعتراض على الحافظ ابن حجر رحمه الله عندما يكون ابن حبان ذكر راويا ولم يطعن به ولا بروايته ، وسكت غيره عن ذلك الراوي ، فعندئذ يعتدُّ بكلامه كما هو واضح .
لكن يظهر أن محرري التقريب يحتاج تحريرهما إلى تحرير التحرير ، فهذا المثال الذي ذكراه يبين بجلاء أنهما لم يفهما مقصد الحافظ ابن حجر رحمه الله من قوله هذا في هذا الراوي.
ومن أكبر الردود عليهما من كلام الحافظ ابن حجر نفسه ، وهذه أدلة تدحض قولهم في إهمال الحافظ ابن حجر لتوثيق ابن حبان:
ففي التقريب ( 156) إبراهيم بن بشار الخراساني صاحب إبراهيم بن أدهم وثقه ابن حبان من العاشرة أيضا [مات في حدود الأربعين] تمييز
(336) إسحاق بن إبراهيم الثقفي أبو يعقوب الكوفي وثقه ابن حبان وفيه ضعف من الثامنة د ت س
(580) أويس بالتصغير بن أبي أويس [عديد بني تميم] عن أنس لعله ابن مالك عم مالك ابن أنس الفقيه وثقه ابن حبان من الثالثة س
(1870) رافع أبو الجعد الغطفاني الكوفي والد سالم مخضرم وثقه ابن حبان وقيل له صحبة م
(3127) عباد بن زياد أخو عبيد الله يكنى أبا حرب [من الرابعة] وثقه ابن حبان وكان والي سجستان سنة ثلاث وخمسين ومات سنة مائة م د س
(4134) عبدالعزيز أخو حذيفة ويقال ابن أخيه وثقه ابن حبان من الثانية وذكره بعضهم في الصحابة د
فهل بهد هذا يقال: إن الحافظ ابن حجر ، يعتدُّ بابن حبان مرة ولا يعتدُّ به أخرى ، أو يهمله ؟ !
وسنذكر مثالا آخر من تخبطهما ، قالا أيضا في المقدمة:"وتدبر بعد ذلك إهماله لتوثيق ابن حبان في عدد من التراجم، حينما صرَّح بتوثيق واحد من الأئمة حسب، فقال في ترجمة عامر بن عبدة العجلي: (وثقه ابن معين) ، ولم يقل (ثقة) مع أن العجلي وابن حبان قد وثقاه أيضًا.".
قلت:
أولا- هل نص الحافظ ابن حجر أن يذكر جميع أسماء من وثق الراوي حتى يرد عليه هذا الاعتراض ؟ والجواب كلا لم ينص على ذلك ، فبطل هذا الاعتراض من أصله .
ثانيا- هل في ذكره لتوثيق ابن معين وترك كلام ابن حبان والعجلي تأثير في الحكم على هذا الراوي ؟ .
نعم له تأثير في اختلاف أئمة الجرح والتعديل في هذا الراوي بعينه جرحا وتعديلا ، فلا بد من ذكر جميع أقوالهم والموازنة بينها ، ولكن الحافظ ابن حجر في كتابه التقريب يقول على الاختصار الدقيق للعبارة ، فهل نلزمه بما لم يلزم نفسه به ؟
والحافظ ابن حجر قد حكم على جلِّ الرواة في التقريب ، إلا في مواضع قليلة ، لم يحكم فيها عليه ، فنقل كلام غيره .
ولو قارنا بينه وبين الكاشف لوجدنا أن الحافظ الذهبي قد فعل هذا بكثير من الرواة ، فقد نقل حكم غيره فيهم فقط ، دون أن يبدي رأيه .
ثالثا- لنرجع إلى هذا الراوي لنرى سبب ذلك:
ففي تقريب التهذيب (3104 ) عامر بن عبدة بفتح الموحدة وبسكونها البجلي أبو إياس الكوفي وثقه ابن معين من الثالثة م قد
وفي الكاشف (2543) عامر بن عبدة البجلي عن ابن مسعود وعنه المسيب بن رافع مق
وفي تهذيب التهذيب [ جزء 5 - صفحة 68 ] (125 ) ص قد النسائي في خصائص علي وأبي داود في القدر عامر بن عبدة بفتح الباء وقيل بسكونها البجلي أبو إياس الكوفي روى عن ابن مسعود وعنه المسيب بن رافع، قال النسائي في الكنى أبو إياس عامر بن عبد الله ويقال بن عبدة ،وذكره ابن حبان في الثقات""
قلت: ذكر ابن ماكولا أنه روى عنه أيضا أبو إسحاق السبيعي وحكى ابن أبي حاتم عن ابن معين توثيقه قال أبو بشر الدولابي سمعت العباس بن محمد قال قال ابن معين عامر بن عبدة يعني بالتحريك وقال ابن عبد البر في كتاب الاستغناء في الكنى أبو إياس عامر بن عبدة تابعي ثقة ثم غفل فذكره في الصحابة ،وقال روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثا هو في مقدمة صحيح مسلم من طريق عامر بن عبدة عن عبد الله بن مسعود"."
وفي الثقات لابن حبان (4498 ) عامر بن عبدة أبو إياس البجلي من أهل الكوفة يروي عن ابن مسعود روى عنه المسيب بن رافع"."
وفي الثقات للعجلي (828 ) عامر بن عبدة البجلي من أصحاب عبد الله ثقة
وفي الجرح والتعديل [ج 6 -ص 327 ] (1818 ) عامر بن عبدة أبو إياس البجلي سمع ابن مسعود روى عنه المسيب بن رافع سمعت أبي يقول ذلك نا عبد الرحمن قال ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال أبو إياس ثقة"."
قلت: يظهر من ترجمته ما يلي:
المشهور أنه لم يرو عنه سوى المسيب بن رافع .
وكذلك فقد صرح ابن معين بتوثقه ،وأما عدم ابن ذكر ابن حبان في كلام الحافظ ابن حجر وهو يعلمه ، وذلك لأن ابن حبان ذكره في الثقات على قاعدته ، ولم يذكر فيه توثيقًا صريحًا ، بينما نصَّ يحيى بن معين على توثيقه ، وفرقٌ كبير بين الأمرين ، ويلاحظ على هذه الترجمة أمران:
الأول- أن الحافظ ابن حجر لم يشر إلى توثيق العجلي في التهذيب ولا في الإصابة في ترجمته ، مما يدلُّ على عدم اطلاعه عليه ، والله أعلم .
الثاني - أنه نقل عن ابن ماكولا أن لهذا الراوي راو آخر وهو أبو إسحاق السبيعي ، والظاهر أن الحافظ ابن حجر رحمه الله لم يظفر به ، وبما أنه لم يظفر به لم ينص على توثيقه ،بل اكتفى بذكر كلام إمام الجرح والتعديل ( يحيى بن معين)
ولقد بحثت عن هذه الرواية والتي فيها هذا الراوي الآخر فوجدتها بحمد الله تعالى،ففي أخبار مكة للفاكهي (959) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدَةَ قَالَ:"قُمْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ خَلْفَ الْمَقَامِ ، فَإِذَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ ، وَرَجُلٌ يَفْتَحُ عَلَيْهِ إِذَا أَخْطَأَ ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ ( وهذا إسناد صحيح )
وعلى ضوء ذلك فينبغي أن يقال عن هذا الراوي (ثقة ) باطلاق.
قلت: وهذا مثال آخر على تناقضهما ، قالا في معرض نقدهما للحافظ ابن حجر رحمه الله:"وقال في ترجمة عبد الله بن أبي نهيك وثقه النسائي)، ولم يطلق توثيقه، مع كون العجلي وابن حبان قد وثقاه".
قلت:
ففي التقريب ( 3669 ) عبد الله بن أبي نهيك بفتح النون المخزومي المدني ويقال عبيد الله مصغر وثقه النسائي من الثالثة د
وفي الكاشف (3025 ) عبد الله بن أبي نهيك المخزومي عن سعد وعنه ابن أبي مليكة وثق حب د
وفي ميزان الاعتدال (5402 ) عبيد الله بن أبي نهيك [ د ] .عن سعد بن أبي وقاص.لا يعرف.
وفي الثقات لابن حبان (3921 ) عبيد الله بن أبي نهيك يروى عن سعد بن أبي وقاص روى عنه ابن أبي مليكة.
وفي الثقات للعجلي (1172) عبيد الله بن أبي نهيك ثقة
وفي تهذيب التهذيب [ج 6 -ص53 ] (111 ) د أبي داود عبد الله بن أبي نهيك المخزومي حجازي ويقال عبيد الله، قال أبو حاتم عبيد الله بن أبي نهيك القاسم بن محمد ،روى عن سعد بن أبي وقاص وعنه ابن أبي مليكة ذكره ابن حبان في الثقات قلت: لكنه ذكره في عبيد الله مصغرا وكذا ذكره جماعة وقال النسائي والعجلي عبيد الله بن أبي نهيك ثقة"."
قلت: فتحصل لنا أنه لم يرو عنه غير ابن أبي مليكة .
وكذلك تبين لنا تناقض كلام الذهبي ، فقد قال في الكاشف وثقه ابن حبان ، وفي الميزان لا يعرف ، وبعد رجوعي لتذهيب تهذيب الكمال له لم أجده زاد حرفًا عما في تهذيب الكمال، بينما نجد الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه زاد (وقال النسائي والعجلي عبيد الله بن أبي نهيك ثقة".) يعني أنه بحث عمن تكلم في هذا الراوي فوجد أن النسائي والعجلي قد وثقاه ."
ولكن لماذا لم يذكر توثيق العجلي في التقريب ؟
قلت: اكتفى بتوفيق النسائي لأنه أعلى من العجلي ، فمن يوثقه النسائي - وهو متشدد في الرجال- أقوى بكثير ممن يوثقه العجلي .
كما أنه لم يقصد ذكر أسماء كل من وثقه حتى يؤخذ هذا عليه .
ولكن لماذا لم يوثق الحافظ ابن حجر من كان على شاكلة هذا الراوي كالذي قبله كذلك ؟.
السبب لأنه لم يروعنه سوى راوٍ واحد فقط ، ولو روى عنه راو آخر لنصَّ على توثيقه صراحة ، ولم أظفر له براوٍ آخر .
والأهم من ذلك أن الذي يتهم الحافظ ابن حجر بالتناقض أو القصور في الحكم ، قد وقع في نفس التهمة ، فهذا الراوي ليس له إلا حديث واحد ، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (120) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَوْهَبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ.""
قال الشيخ شعيب في تعليقه على الحديث:"إسناده صحيح، يزيد بن موهب: هو يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب، ثقة، عابد، وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، وعبيد الله بن أبي نهيك ذكره في"التقريب"في عبد الله، وقال: ويقال: عبيد الله مصغرًا. وثقه النسائي."
ويظهر أنه لم يرجع لتهذيب التهذيب بتاتًا !!
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (1476 ) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ"."
(1549 ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ"."
وقال محققه الشيخ شعيب:"صحيح لغيره ، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبد الله - ويقال: عبيد الله - بن أبي نهيك ، فقد أخرج له أبو داود، وهو لم يرو عنه غير عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر ابن حجر في التهذيب أن النسائي والعجلي وثقاه أيضا ، وقال الذهبي في الميزان 3/16: لا يعرف ."
وهذا تناقض جليٌّ ، مع أن مسند أحمد قد حقق بعد صحيح ابن حبان بزمان !!
وبعد هذه التخبطات العجيبة وصلا إلى النتيجة المضحكة التالية حيث قالا:"وهذا الموقف المضطرب من توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يمكن تقديم عشرات الأمثلة عليه، لا يمكن إحالته على سبب من الأسباب سوى الإبتعاد عن المنهج وخلو الكتاب منه، ومثله مثل مئات التراجم التي لم يحررها تحريرًا جيدًا".
قلت: وايم الله هما أحقُّ بهذا الوصف البعيد عن المنهج العلمي السليم .
هذا وقد رد عليهما الكثيرون ومن أهمهم الدكتور ماهر الفحل في كتاب القيم (كشف الإيهام لما تضمنه تحرير التقريب من الأوهام) ، والأمثلة التي سقتها من مقدمتهم لم يتعرض لها ، يقول في خلاصة دراسته لتحرير التقريب:"يمكن أن أصف منهج المحررين في كتابهم التحرير من خلال الدراسة التي قدمتها بعدة أمور من أهمها:"
1-عدم التحرير ، وذكر أرقامًا كثيرة تدل على ذلك ( وهي أرقام خاصة بتعليقاته ) أذكر منها عشرة (8،12،29،40،48،50،54،55،60،61، .... )
2-عدم الدقة ، راجع الأرقام (5،9،23،37،40،42،94،51،52،...)
3-الاعتماد على تهذيب الكمال فحسب ، انظر الأرقام (67،76،79،98،104،...)
4-الوهم الشديد، انظر الأرقام (67،583) .
5-عدم المنهجية ، انظر الأرقام (2،20،22،26،29،32،49،51،..)
6-الذهول عن بدهيات الأمور ، انظر الأرقام (25،42،48،50،51،59،60،61،63،...)
7-نقلهما أقوالًا لا أصل لها في كتب العلم ، انظر الأرقام (4،65،66،67،83،94،...)
8-الرواة الذين ذكرا إخراج صاحبي الصحيحين لهم أصولًا وهم في المتابعة ، انظر الأرقام (9،19،50،64،107،...)
9-الرواة الذين ذكرا أن صاحبي الصحيحين أخرجا لهم متابعة وهم في الأصول (185،471،486)
10-إطلاقهما بعض الأقوال من غير تثبت ، كقولهما: لم نجد أحدا وثقه أو قال فيه صدوق ، أو لا نعلم فيه جرحًا ، أو لم يوثقه إلا فلان ، أو لم يضعفه إلا فلان ، وما كان على هذه الشاكلة انظر الأرقام (24،38،64،76،79،137،139،149،152،160،161،...)
11-القول بلا برهان يسعف، انظر الأرقام (5،26،50،69،73،74،108 ،145،292،...)
12-المجازفة،انظر الأرقام (4،23،27،29،38،48،63،65،67،75،..)
13-الخروج عن اللياقة مع الحافظ ابن حجر، انظر الأرقام (39،73) .
14-الإسهاب الممل بلا فائدة ، والاستدراك بلا معنى ، انظر الأرقام (5،6،22،25،26،30،41،42،48،54،58،60،...)
15-التهافت، انظر الأرقام ( 1،536،545،567،568،583)
16-عدم استيعاب الأقوال ، انظر الأرقام (8،10،13،15،17،18،27،33،36،37،38،...)
17-تغيير النصوص ، انظر الأرقام (7،33،42،5،64،65،66،67،73،74،،75،...)
18-التناقض ، انظر الأرقام (3،5،8،12،22،26،27،33،34،35،41،48،49،59،..)
19-الرواة الذين اضطربت أقوالهم فيهم في بقية كتبهم ، انظر الأرقام (185،199،20،210،217،220،260،292،..)
20-التدليس ، انظر الأرقام (4،19،21،26،42،50،64،65،73،80،...)
21-متابعة طبعة الشيخ محمد عوامة من غير بحث ولا تدقيق ، انظر الأرقام (6،1،21،32،40،42،44،45،46،47،52،...)
وتعقيبه عليهما دقيق ، ولكن هناك بعض التعقيبات أو أشياء سكت عنها وقعا فيها سببها عدم فهم منهج الحافظ ابن حجر رحمه الله في التقريب بشكل دقيق .
(1) - إن اختلاف كلمات الناقد في راو معين واقع عند كثير من الأئمة، فإن مبنى هذا العلم الاجتهاد ومداره على النظر والاستقراء.
(2) - موسوعة أقوال الدارقطني (ج 23 / ص 24)