فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 78

وقال الحافظ ابن حجر [1] :"وَالْقَرْن أَهْل زَمَان وَاحِد مُتَقَارِب اِشْتَرَكُوا فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور الْمَقْصُودَة ، وَيُقَال إِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِمَا إِذَا اِجْتَمَعُوا فِي زَمَن نَبِيّ أَوْ رَئِيس يَجْمَعهُمْ عَلَى مِلَّة أَوْ مَذْهَب أَوْ عَمَل ، وَيُطْلَق الْقَرْن عَلَى مُدَّة مِنْ الزَّمَان ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدهَا مِنْ عَشَرَة أَعْوَام إِلَى مِائَة وَعِشْرِينَ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّبْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعَشَرَة ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِل . وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ بَيْن الثَّلَاثِينَ وَالثَّمَانِينَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر عِنْد مُسْلِم مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَرْن مِائَة وَهُوَ الْمَشْهُور ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: الْقَرْن أُمَّة هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد ، وَثَبَتَتْ الْمِائَة فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر وَهِيَ مَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِرَاق ، وَلَمْ يَذْكُر صَاحِب"الْمُحْكَم"الْخَمْسِينَ وَذَكَرَ مِنْ عَشْر إِلَى سَبْعِينَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْقَدْر الْمُتَوَسِّط مِنْ أَعْمَار أَهْل كُلّ زَمَن ، وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال وَبِهِ صَرَّحَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَقَالَ: إِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْأَقْرَان ، وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ الْمُخْتَلَف مِنْ الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة مِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْقَرْن أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا ، أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ دُون ذَلِكَ فَلَا يَلْتَئِم عَلَى هَذَا الْقَوْل وَاللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ"

تعرف الصحبة بما يلي:

= إمَّا بالتواترِ ، كأبي بكرٍ ، وعمرَ ، وبقيةِ العشرةِ في خَلْقٍ منهم ،

= وإمَّا بالاستفاضةِ والشهرةِ القاصرةِ عنِ التواترِ ، كعُكَاشَةَ بنِ مِحْصنٍ ، وضِمَامِ بنِ ثعلبةَ ، وغيرِهما .

=وإمَّا بإخبارِ بعضِ الصحابةِ عنهُ أَنَّهُ صحابيٌّ ، كحُمَمَةَ بنِ أبي حُمَمَةَ الدَّوسِيِّ ، الذي ماتَ بأصبهانَ مبطونًا ، فشهدَ لهُ أبو موسى الأشعريُّ أنَّهُ سمِعَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وحكمَ لهُ بالشهادةِ ذكرَ ذلكَ أبو نُعَيْمٍ في"تاريخِ أصبهان" [2] .

وروينا قصتَهُ في مسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ ، ومعجمِ الطبرانيِّ . على أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ أبو موسى إنَّما أرادَ بذلكَ شهادةَ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) لِمَنْ قتلهُ بطنُهُ وفي عمومِهِم حممةٌ ، لا أنَّهُ سمَّاهُ باسمِهِ ، واللهُ أعلمُ [3] .

= وإمَّا بإخبارهِ عنْ نفسهِ أَنَّهُ صحابيٌّ بعدَ ثُبوتِ عدالتِهِ قبلَ إخبارهِ بذلكَ . هكذا أطلقَ ابنُ الصلاحِ تَبَعًَا للخطيبِ ، فإنهُ قالَ في"الكفايةِ" [4] : وقد يُحكمُ بأنَّهُ صحابيٌّ إذا كانَ ثقةً أمينًا مقبولَ القولِ ، إذا قالَ صحبتُ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) وكَثُرَ لقائي لهُ، فيحكم بأنَّهُ صحابيٌّ في الظاهرِ ، لموضعِ عدالَتِهِ ، وقبولِ خبرِهِ ، وإنْ لمْ يقطعْ بذلكَ كمَا يعملُ بروايتِهِ . هكذا ذكرهُ في آخرِ كلامِ القاضي أبي بكرٍ، والظاهرُ أنَّ هذا كلامُ القاضي.

قلت: ولا بدَّ من تقييدِ ما أطلِقَ منْ ذلكَ بأنْ يكونَ ادِّعاؤهُ لذلكَ يقتضيهِ الظاهرُ . أما لو ادَّعاهُ بعدَ مضيِّ مائةِ سنةٍ من حينِ وفاتهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فإنهُ لا يُقبلُ وإنْ كانتْ قدْ ثبَتَتْ عدالتُهُ قبلَ ذلكَ ، لقولهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الحديثِ الصحيحِ: « أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ » [5] .، يريدُ انخرامَ ذلكَ القرنِ . قالَ: ذلكَ في سنةِ وفاتِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهذا واضحٌ جليٌّ . وقد اشترطَ الأصوليونَ في قبولِ ذلكَ منهُ أن يكونَ قدْ عُرِفَتْ معاصرَتُهُ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، قالَ الآمديُّ [6] : فلوْ قالَ مَنْ عاصرَهُ أنا صحابيٌّ معَ إسلامهِ ، وعدالتِهِ ، فالظاهرُ صدقُهُ ، وحكاهما ابنُ الحاجبِ احتمالينِ من غيرِ ترجيحٍ ، قالَ: ويحتملُ أن لا يُصَدَّقَ لكونهِ متَّهمًا بدعوى رتبةٍ يثبتها لنفسِهِ . [7]

(1) - فتح الباري لابن حجر (ج 10 / ص 445) وانظر غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (ج 4 / ص 385)

(2) - معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (2113)

(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 13) (34489) وأحمد (20187 ) وشعب الإيمان للبيهقي (4144 ) والطيالسي ( 507 ) والإصابة في معرفة الصحابة (ج 1 / ص 243) كلهم عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيَّ ؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالَ لَهُ: حُمَمَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم , خَرَجَ إِلَى أَصْبَهَانَ غَازِيًا فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ حُمَمَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّ لِقَاءَك , فَإِنْ كَانَ حُمَمَةُ صَادِقًا فَاعْزِمْ لَهُ بِصِدْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاعْزِمْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَرِهَ , اللَّهُمَّ لاَ تَرُدُّ حُمَمَةَ مِنْ سَفَرِهِ هَذَا ، قَالَ: فَأَخَذَهُ الْمَوْتُ , فَمَاتَ بِأَصْبَهَانَ ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو مُوسَى ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ , أَلاَ إِنَّا وَاللهِ مَا سَمِعْنَا فِيمَا سَمِعْنَا مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم ، وَمَا بَلَغَ عِلْمُنَا إِلاَّ أَنَّ حُمَمَةَ شَهِيدٌ. 0 وهو حديث حسن)

(4) - الكفاية في علم الرواية (ج 1 / ص 51)

(5) - صحيح البخارى ( 116 ) وصحيح مسلم (6642 ) عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِى آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ « أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ » . قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَوَهَلَ النَّاسُ فِى مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ. أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ.

ينخرم: ينقطع وينقضى = وهل: ذهب وهمه إلى غير الصواب وقيل غلط ونسى

(6) - الإحكام في أصول الأحكام (ج 1 / ص 337)

(7) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 207)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت