المطلب التاسع
ملاحظات على أقوال الحافظ ابن حجر على هذه المرتبة
لقد كان الحافظ ابن حجر رحمه الله دقيقًا على حدٍّ بعيد في حكمه على رواة هذه المرتبة ، ولكن مما يؤخذ عليه ما يلي:
الملاحظة الأولى- لو قمنا بمقارنة بين التقريب وبين أصله التهذيب ، لوجدنا أن عديدا من رواة هذه المرتبة لم يضبطها الحافظ ابن حجر رحمه الله بشكل دقيق ، وغلب على أحكامه التوفيق بين الأقوال المختلفة ، دون التحقيق العميق فيها، لأنه ليست كل تهمة توجَّه للراوي تكون صحيحة ، وكان ينبغي على الحافظ رحمه الله أن يحقق في هذه التهمة ، حتى لا يغترَّ بها من جاء بعده ، فيردُّ حديث الراوي من أجلها.
مثال على ذلك أول ترجمة في التقريب:
1-أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو علي نزيل بغداد صدوق من العاشرة مات سنة ست وثلاثين د فق
وفي تهذيب التهذيب [ج 1 -ص 8 ] (1) د فق أبي داود وابن ماجة في التفسير أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي نزيل بغداد روى عن محمد بن ثابت العبدي وفرج بن فضالة وحماد بن زيد وعبد الله بن جعفر المديني ويزيد بن زريع وأبي عوانة وإبراهيم بن سعد وغيرهم.
روى عنه أبو داود حديثا واحدا وروى ابن ماجة في التفسير عن ابن أبي الدنيا عنه وأبو زرعة الرازي ومحمد بن عبد الله الحضرمي وموسى بن هارون وأبو يعلى الموصلي وأبو القاسم البغوي وآخرون ،وكتب عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال:لا بأس به، وقال صاحب تاريخ الموصل:كان ظاهر الصلاح والفضل، قال موسى بن هارون مات ليلة السبت لثمان مضين من ربيع الأول سنة 236 ،قلت: وذكره ابن حبان في الثقات ،وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة صدوق.""
قلت: فهذا الراوي يروي عن جماعة من الثقات ، ويروي عنه أئمة الحديث المعتبرين.
ويقول عنه الإمام يحيى بن معين (لا بأس به) وهي تساوي عنده ثقة كما مرّعنه في تفسيرها ، ويذكره ابن حبان في الثقات، ويقول عنه يحيى بن معين أيضًا: ثقة صدوق ، وهي على الصحيح من صيغ المبالغة ، وليس المقصود بها التردد في الحكم على الراوي ، فلماذا لا نقول عنه: (ثقة) ؟!!
وهل الثقة يحتاج لأكثر من هذا التعديل ؟!
وفي سير أعلام النبلاء (11/35) (15) أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَالِدٍ المَوْصِلِيُّ (د) الإِمَامُ، الثِّقَةُ، أَبُو عَلِيٍّ المَوْصِلِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ،عَنْ: إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَأَبِي الأَحْوَصِ، وَشَرِيْكٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ ثَابِتٍ، وَطَائِفَةٍ،حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو دَاوُدَ بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ الصُّوْفِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، وَمُطَيَّنٌ، وَأَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، وَمُوْسَى بنُ هَارُوْنَ، وَآخَرُوْنَ.
وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ،وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
فالصواب من القول أن يقول عنه ثقة ، وعنئذ يكون حديثه صحيحًا لذاته ، وليس حسنًا لذاته .
وقال في الراوي الثاني (2 ) أحمد بن إبراهيم بن فيل باسم الحيوان المعروف أبو الحسن البالسي نزيل أنطاكية صدوق من الثانية عشرة مات سنة أربع وثمانين كن
وفي تهذيب التهذيب [ج 1 -ص8 ] (2 ) كن مسند مالك أحمد بن إبراهيم بن فيل الأسدي أبو الحسن البالسي نزيل أنطاكية والد القاضي أبي طاهر.
روى عن أحمد بن أبي شعيب الحراني وأبي جعفر النفيلي وأبي النضر الفراديسي ودحيم وأبي مصعب الزهري في آخرين وسمع أبا توبة .
وعنه النسائي ثلاثة أحاديث من حديث مالك وأبو عوانة الإسفرائيني وأبو سعيد بن الأعرابي وخيثمة بن سليمان وأبو القاسم الطبراني وآخرون مات سنة 284.
قال ابن عساكر: كان ثقة ،وقال في التاريخ:روى عنه النسائي ولم يذكره في الشيوخ النبل ،قلت: وروى عنه محمد بن الحسن الهمداني ،وقال: إنه صالح ،وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في أسامي شيوخه رواية حمزة:لا بأس به، وذكر من عفته وورعه وثقته"."
قلت: ومثل هذا أيضًا حقُّه أن يقال عنه ثقةٌ ، فيكون حديثه صحيحًا ، وليس حسنًا .
ومثل ذلك غير قليل ، ولا سيَّما أن الحافظ نفسه لم يلتزم بهذه الأحكام ، فقد صحح حديث كثير من أحاديث هذه المرتبة ، مما جعل بعض المعاصرين ، يتهمه بالتناقض، فيكون يقول عنه صدوقًا ، ويصحح حديثه ؟!!.
ولذلك أرى الأخذ بتطيقاته العملية لهؤلاء الرواة ، وهو المحكُّ الواقعي لهم .
الملاحظة الثانية - في بعض من وصفهم في هذه المرتبة (صدوق يهم ، يخطئ ، سيء الحفظ، يدلس، يرسل، اتهم بكذا ..) فيه نظر ، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
قوله مثلا في دراج أبي السمح.
(1824 ) دراج بتثقيل الراء وآخره جيم بن سمعان أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف من الرابعة مات سنة ست وعشرين بخ 4
والصواب أن حديثه عنه حسن كما هو رأي الإمام يحيى بن معين وابن شاهين ، وابن عدي ، وقد صحح حديثه عن أبي الهيثم الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم ... [1]
وفي الضُّعَفَاءُ الْكَبِيرِ لِلْعُقَيْلِيِّ"دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ مصْرِيٌّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ"
(560 ) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"الشِّيَاعُ حَرَامٌ"يَعْنِي الْمُفَاخَرَةَ بِالْجِمَاعِ"لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ بِدَرَّاجٍ".
قلت: أولا كلام الإمام أحمد عليه هل يعني بالنكارة ، هي ما اصطلح عليه علماء الجرح والتعديل ؟ أم أنه يعني التفرد ليس إلا ، وهذا كثير عند الأقدمين.
ثانيا- هذا الحديث الذي ذكره العقيلي وبين تفرد دراج به ، أقول كل أحاديث دراج عن أبي الهيثم تفرد بها ، ولم يتابع عليها، ولكنه بالمقابل لم يخالف الثقات ، فما يضيره هذا التفرد ، لأنه ما من عالم إلا وتفرد بأحاديث لم يروها غيره ، ولم يسقط ذلك عدالته .
الثالث - هل خالف دراج الثقات في رواية هذا الحديث؟ هل نص الثقات أنه يجوز التفاخر بالجماع ؟ أم أن ذلك حرام ؟
رابعًا - لقد روى هذا الحديث أحمد في مسنده (11539) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الشِّيَاعُ حَرَامٌ » . قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ يَعْنِى بِهِ الَّذِى يَفْتَخِرُ بِالْجِمَاعِ. ، بل روى له جميع أحاديثه عن أبي الهيثم وسكت عليها ، فإذا كانت منكرة فلم يروها ويسكت عليها ؟ أليس في ذلك تلبيس على الناس ؟
خامسا- ويشهد لمعنى الحديث ما في مسند أحمد {6/457} (28350) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصٌ السَّرَّاجُ قَالَ سَمِعْتُ شَهْرًا يَقُولُ حَدَّثَتْنِى أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قُعُودٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: « لَعَلَّ رَجُلًا يَقُولُ مَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ وَلَعَلَّ امْرَأَةً تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا » . فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقُلْتُ إِى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ. قَالَ: « فَلاَ تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْطَانِ لَقِىَ شَيْطَانَةً فِى طَرِيقٍ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ » . وهو حديث حسن ، وقد وردت روايات أخرى بنحوه .
سادسا- من الأحاديث التي أنكرها ابن عدي على دراج في روايته عن أبي الهيثم - على فرض أنها منكرة - حديث (وَيْلٌ وَادٍ فِى جَهَنَّمَ يَهْوِى فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا...) وقد احتج به الحافظ ابن حجر في الفتح ، فقال:"قَوْله: ( وَيْل ) جَازَ الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ دُعَاء وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال: أَظْهَرهَا مَا رَوَاهُ اِبْن حبان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا"وَيْل وَادٍ فِي جَهَنَّم". [2] "
قلت: وقد أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده (12031) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ عَنْ أَبِى الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « وَيْلٌ وَادٍ فِى جَهَنَّمَ يَهْوِى فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ وَالصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا يَهْوِى بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا » . وصححه الحاكم في المستدرك (3873) ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان (7467)
والصواب من القول هو قول إمام الجرح والتعديل ( يحيى بن معين) الذي قال ما ورد بهذا الإسناد إسناده جيد .، ومن ثم لزم أن يقال: دراج أبو السمح ( صدوق ) بإطلاق دون تقييد .
وكقوله في ترجمة أحمد بن أبي الطيب صدوق حافظ له أغلاط ضعفه بسببها أبو حاتم (51)
أقول: الصواب أنه ثقة [3] .
وقوله عن أحمد بن أبي طيبة ... صدوق له أفراد (52) .
أقول: الصواب أنه صالح الحديث [4]
وقوله في ترجمة أحمد بن عبد الله بن أبي السفر (60) صدوق يهم وفي الكاشف (49) صدوق [5]
الملاحظة الثالثة - أحيانا نجد في قوله في مبالغة في غير محلها ، كقوله في ترجمة (2830 ) شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة مات سنة اثنتي عشرة بخ م 4
قلت: الصواب أنه صدوق يرسل وأما الأوهام المزعومة ، فأكثرها غير صحيح ، والموجود منها ، ليس بوهم على الصحيح ، [6]
وفي السير"شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ أَبُو سَعِيْدٍ الأَشْعرِيُّ (4، م مَقْرُوْنًا) الشَّامِيُّ، مَوْلَى الصَّحَابِيَّةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيْدَ الأَنْصَارِيَّةِ، كَانَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِيْنَ. وبعد أن استفاض في ترجمته قال قَالَ يَعْقُوْبُ بنُ سفيان: شَهْرٌ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيْهِ ابْنُ عَوْنٍ، فَهُوَ ثِقَةٌ،قُلْتُ: الرَّجُلُ غَيْرُ مَدْفُوْعٍ عَنْ صِدْقٍ وَعِلْمٍ، وَالاحْتِجَاجُ بِهِ مُتَرَجِّحٌ". [7]
وكقوله في (6291 ) محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي صدوق إلا أنه يدلس من الرابعة مات سنة ست وعشرين ع
أقول: بعد الرجوع لترجمته تبين لدىَّ أن رميه بالتدليس ليس صحيحا . وغاية ما تمسك به متهموه ، أن الليث بن سعد لقيه، وكان عنده كتاب عن جابر فقال له: هذا كله سمعته من جابر ؟ قال: لا ، قلت: فأعلم لي على ماسمعت ، قال: فاعلم لي على هذا الذي كتبته عنه .
أقول: ما الدليل على أن الأحاديث التي لم يسمعها من جابر ، كان يرويها عن جابر مباشرة ؟ وكذلك ممن سمع هذه الأحاديث؟ ولم يظهر لنا إلى الآن بالروايات المعنعنة عن جابر أن هناك واسطة بينهما ولا في رواية واحدة . علما أن طلاب جابر كانوا يقدمون أبا الزبير ليحفظ لهم أحاديث جابر ، فقد شهدوا له أنه أحفظهم لأحاديث جابر ، وقد لازمه مدة طويلة. كما أن الجماعة عدا البخاري أخرجوا لأبي الزبير عن جابر بالعنعنة ولم يعلوها بالإنقطاع ، علما أن ابن حبان اشترط في مقدمة صحيحه أن لايخرج لمدلس إلا إذا صرح بالتحديث وأخرج لأبي الزبير عن جابر بالعنعنة أحاديث فدلَّ على أن تهمة التدليس ليست ثابتة في حقِّه [8] .
ـــــــــــــــــــــ
المرتبة السادسة
من قال فيه مقبول عند المتابعة وإلا فلين
تمهيد:
هذا مصطلح جديد لم يسبق إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله ، ومن ثم فقد أوقع من جاء بعده بحيرة شديدة ، وغموض !
وقد احتار من جاء بعده ماذا يقصد بهذه المرتبة التي أسرف في استعمالها وعدد الرواة الذين وصفهم بهذا الوصف ناف على (1588) راويًا .
وقد حاول الدكتور العاني - رحمه الله - حل هذا اللغز ، فلنحاول أن نذكر رأيه ثم نعقَّب عليه .
قال العاني رحمه الله:
"هذه المرتبة أكثر ابن حجر من استعمالها في كتابه تقريب التهذيب ، ولم تكن قبله ظاهرة هذا الظهور ، ولم يستعملها سابقوه من النقاد ، ولا لاحقوه إلا قليلا - وقد استعلمها الإمام الذهبي في الكاشف في ثلاثة مواضع [9] "
إلا أن اجتهاد ابن حجر وتحريره أدياه إلى اعتماد هذه المرتبة بين مراتب التعديل ، وقد قسم المرتبة السادسة إلى قسمين:
الأولى - المقبول .
والثانية - لين الحديث ،وسوف نخصص القسم الأول لدراسة المسألة الأولى من المرتبة السادسة ، ونفرد قسمًا ثانيا لدراسة المسالة الثانية:
القسم الأول من المرتبة السادسة ( المقبول )
المطلب الأول
التعريف بالمقبول عند ابن حجر
قال رحمه الله:"من ليس له من الحديث إلا القيل ، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله"
وهذا المصطلح يقوم على ركنين: الأول- قلة الحديث ، والثاني - عدم ثبوت ما يقتضي ضعفه وترك حديثه .
وقد التزم رحمه الله بهذا أيما التزام .
ولقد تتبعت كثيرا من هؤلاء المقبولين ، فرأيت غالبهم ممن له الحديث الواحد ، أو الحديثين ، وقلَّ منهم من يتناول الثلاثة ، أما فوقها فهو نادر ، وقد وجدت أكثر راوٍ أدخله ابن حجر في هذه المرتبة راويًا عنده ستة أحاديث .
أما الركن الثاني - فإن أمثال هؤلاء المقلين قلما يرد فيهم الجرح ، لقلة حديثهم ، وبالتالي قلة خطئهم ، بل العكس هو الصحيح ، فغالبًا ما يوثقون ، ويوثقهم أئمة ، ولو كانوا من أصحاب الأحاديث الكثيرة ، لوضعهم ابن حجر في مرتبة ثقة أو صدوق ، لكن قلة حديثهم مع ورود التوثيق جعلهم ابن حجر في هذه المرتبة .
والملاحظ أن الركن الأساسي عند ابن حجر لهذه المرتبة هو قلة الحديث ، ومن كان عنده الحديث أو الحديثان أو الثلاثة ، ففي الغالب يكون ضبطه لها وتعداده إياها أكثر من ضبط صاحب الأحاديث الكثيرة ، ولذلك ترى الخلاف واسعًا بين العلماء في المرتبة الأعلى من هذه المرتبة ، وهي الخامسة بينما يكاد لا يظهر في هذه المرتبة.
وغالب الكلام الوارد في أصحاب هذه المرتبة يقوم أساسًا على التجهيل ، لأن هذا الراوي الذي لا يرو إلا حديثًا واحدا ، ففي الغالب يكون الراوي عنه واحدًا أيضًا .
وتفرد الراوي عن شيخ يضع ذلك الشيخ في عداد المجاهيل ، فغالب المقبولين في الأصل مجاهيل .
ولكن لورود التوثيق في هذا الراوي من إمام معتبر أو أكثر ، هو الذي يرفع من شأنه ، ويكون هذا التوثيق بمثابة رفع الجهالة ، أي يقوم مقام الراوي الآخر عنه ، بل يخرجه من هذه المرتبة ( مجهول الحال) إلى مرتبة أعلى ، وهي المقبولة عند ابن حجر .
ومن كان هذا حاله - أي قلة الحديث ، وورود التوثيق - ما المانع من قبول حديثه والاحتجاج به ؟ .
إنه لا مانع من ذلك ، سوى ما استقرَّ في أذهان البعض أن مصطلح ( مقبول) من مراتب الضعف عند ابن حجر ، وهو على التحقيق ليس كذلك .
وهذا ما يفسر وجود عشرات الرواة من هذه المرتبة في الصحيحين ، أما غير الصحيحين - ممن التزم الصحة - فشيء يفوق ذلك بكثير .
وإذا شئت التدليل على ما قدمنا من أن المقبول عند ابن حجر يقوم على ركن أساسي وهو قلة الحديث ، فإليك هذه النماذج:
1-بور بن أصرم المروزي مقبول (خ)
روى عن ابن المبارك وعنه البخاري حديثا واحدا في الجهاد وعبيد الله بن واصل البخاري وقال الإدريسي روى عنه أيضا إسحاق بن إسماعيل السمرقندي ومحمد بن المتوكل الاستيخي وغيرهم وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري أن ابن عدي قال لا يعرف . [10]
قلت: فهذا له حديث واحد ، ورى عنه البخاري [11] وغيره ، وقال ابن عدي لا يعرف ، وهذا القول مردود ، إذ عرفه البخاري وروى عنه في الصحيح .
2-جابر بن إسماعيل الحضرمي المصري ، مقبول (تخ م د س ق )
روى عن عقيل وحيي بن عبدالله المعافري.وعنه ابن وهب. ذكره ابن حبان في الثقات.
(قال علي) : وأخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه (147 ) مقرونا بابن لهيعة وقال: ابن لهيعة لا أحتجُّ به، وإنما أخرجت هذا الحديث لأن فيه جابر بن إسماعيل. [12]
فهذا لم يرو عنه إلا واحد ، ولم يوثقه إلا ابن حبان ، وليس له إلا حديث واحد ، واحتجَّ به واحد من أصحاب الصحاح
قلت: أخرج حديثه مسلم (1661) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالاَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
وله حديث آخر في المعجم الكبير للطبراني ( 5895) حَدَّثَنَا مُوسَى بن سَهْلٍ أَبُو عمران الْجَوْنِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ:"لَوْ أَنِّي أَسْقِيكُمْ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُمْ، وَقَدْ وَاللَّهِ سَقَيْتُ مِنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِي". ( قلت: وحديثه حسن )
قلت: فهشام بن عمار راو آخر ، وروى عنه يونس بن عبد الأعلى الصدفي كما في صحيح ابن خزيمة (921) أيضًا .
وهذا حديث آخر (52 ) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ: ثنا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ أَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا" [13] (وهو حديث صحيح)
قلت: ففي قول العاني - رحمه الله- نظر
3-حبيب الأعور المدني ، مولى عروة بن الزبير ( مقبول من الثالثة م د س)
روى عنه وعن أمه أسماء بنت أبي بكر وندبة مولاة ميمونة وعنه الزهري وعبد الواحد بن ميمون مولى عروة وأبو الأسود يتيم عروة وعبيد الله بن عروة والضحاك بن عثمان قال ابن سعد مات قديما في آخر سلطان بني أمية، وكان قليل الحديث روى له مسلم حديثا واحدا أي العمل أفضل [14] ، قلت: وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطىء قال:وإن لم يكن هو ابن هند بن أسماء فلا أدري من هو؟ [15]
وفي تاريخ الإسلام للذهبي"عن مولاه عروة وأم عروة أسماء بنت أبي بكر وندبة مولاة ميمونة.وعنه الزهري، ومات قبله، والضحاك بن عثمان الحزامي وأبو الأسود يتيم عروة. [16] "
وسكت عليه أبو حاتم والبخاري [17]
4-حماد بن حميد الخراساني ( مقبول خ)
عن عبيد الله بن معاذ بحديث في الاعتصام رواه عنه البخاري (7355 ) ولم يعرف إلا في هذا الحديث ووجد بعض النسخ العتيقة من الجامع قال أبو عبد الله: حماد بن حميد صاحب لنا حدثنا هذا الحديث وكان عبيد الله في الأحياء حينئذ.
قلت: وقال ابن مندة هو من أهل خراسان وقال ابن عدي:لا يعرف ، وذكر ابن أبي حاتم حماد بن حميد نزيل عسقلان.
روى عن أبي ضمرة وبشر بن بكر وأيوب بن سويد، سمع منه أبو حاتم وقال شيخ.
قال أبو الوليد الباجي في رجال البخاري يشبه عندي أن يكون هو هذا.
قلت: وهو كلام فارغ لما سلف من قول البخاري وابن مندة وابن عدى وهم أعرف به. [18]
وفي ميزان الاعتدال: حماد بن حميد.محدث لا يدرى من هو.روى عنه البخاري في صحيحه، عن عبيدالله بن معاذ، فهو أصغر من البخاري. [19]
5-خالد بن غلاق القيسي ( مقبول بخ م )
ويقال العيشي أبو حسان البصري،روى عن أبي هريرة حديث الدعاميص [20] ، وعنه سعيد الجريري وأبو السليل ضريب بن نقير، وذكره ابن حبان في الثقات.
قلت: وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث، وقال ابن ماكولا في علاق يقال فيه بالعين المهملة والأول أكثر. [21] ، (قال علي) : وسكت عليه البخاري وأبو حاتم
6-رفاعة بن الهيثم بن الحكم الواسطي ، ( مقبول م )
روى عن خالد بن عبدالله الواسطي وهشيم، وعنه مسلم وأسلم بن سهل وعبد الله بن محمد بن شيرويه وابراهيم بن محمد الصيدلاني،قلت: ذكر بعضهم أن مسلما روى عنه ثلاثة أحاديث. [22]
(1) - انظر تهذيب التهذيب [ ج3 - ص180 ] (397 ) والكامل 3/112-115 .
(2) - فتح الباري لابن حجر (ج 1 / ص 264)
(3) - وانظر تهذيب الكمال للمزي (ج 1 / ص 359) (52 ) التهذيب 1/45 والكاشف (42)
(4) - كما في الكاشف (43) تهذيب التهذيب [ ج1 - ص39 ] (74 ) وتهذيب الكمال للمزي (ج 1 / ص 359) (53 )
(5) - وانظر تهذيب التهذيب [ ج1 - ص42 ] (83 )
(6) - الكاشف (2336) وديوان الضعفاء (1903) وانظر الجامع في الجرح والتعديل (1838) والميزان: 2/284 والجرح والتعديل [ ج4 - ص382 ] (1668) والثقات للعجلي [ ج1 - ص461 ] (741) والتاريخ الكبير [ ج4 - ص258 ] (2730) وتهذيب الكمال [ ج12 - ص578 ] (2781) وتهذيب التهذيب [ ج4 - ص324 ] (635 )
(7) - سير أعلام النبلاء (4/372) (151 ) فما بعد
(8) - وقد تولَّى بالرد على من اتهمه بالتدليس صاحب كتاب تنبيه المسلم إلى تعدي الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- على صحيح مسلم فأفاد وأجاد
(9) - انظر الأرقام (292 و310 و395 )
(10) - تهذيب التهذيب 1/438 (926 )
(12) - تهذيب التهذيب (ج 2 / ص 33)
(13) - شرح معاني الآثار (ج 1 / ص 22)
(14) - عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِى مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- بِنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: « فَتُعِينُ الصَّانِعَ أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ » .صحيح مسلم (261) =الأخرق: الجاهل بما يجب أن يعمله ولم يكن في يديه صنعة يكتسب بها
(15) - تهذيب التهذيب (ج 2 / ص 169) (357)
(16) - تاريخ الإسلام للذهبي (ج 2 / ص 416)
(17) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج 3 / ص 113) (524) والبخاري في تاريخ البخاري (ج 1 / ص 400) [ 2588 ]
(18) - تهذيب التهذيب (ج 3 / ص 7)
(19) - ميزان الاعتدال (ج 1 / ص 589) (2243 )
(20) - مسلم برقم (6870 )
(21) - تهذيب التهذيب (ج 3 / ص 96)
(22) - تهذيب التهذيب (ج 3 / ص 244)