سادسا - نشأةُ علم الجرح والتعديل:
نشأ علم الجرح والتعديل مع نشأة الرواية، وبناءًا على الحديث السابق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، هو أول من جرح وعدَّل، وعلى ذلك المنهج سار المحدثون، فطلبوا الإسناد وقوَّموا الرواة، وعدَّلوا في ذلك كل العدل، فأعطوا كل راو ما يستحقه من أوصاف الضبط والعدالة دون محاباة، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة في الاحتساب والتجرد.
فقد أثنى بعض الصحابة على بعض التابعين، وورد آثار عنهم في ذم بعضهم أيضًا؛ فقد يكون أبو بكر رضي الله تعالى عنه، هو أول من تثبت في الأخبار، فقد ثبت عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ؟ فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ،"حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعْطَاهَا السُّدُسَ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَقَالَ: مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ:"مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا" [1] .
والغرض من هذا الحديث، هو الدلالة على التثبت من قبل أبي بكر رضي الله عنه في الأخبار، ولم يكتفي براو واحد.
وكذلك فعل عمر رضي الله عنه، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ"فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ القَوْمِ ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَلِكَ" [2] "
قال ابن حبان:"وتبع عمر على ذلك التثبت علي رضي الله عنه باستحلاف من يحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كانوا ثقات مأمونين ليعلمهم توقي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"
وأخرج مسلم في مقدمة صحيحه (19) عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا ، فَعَادَ لَهُ ، ثُمَّ حَدَّثَهُ ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا ، فَعَادَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا ؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ ، وَعَرَفْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ:"إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ".
وعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَالِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي ، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَا تَسْمَعُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا ، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ ، وَالذَّلُولَ ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ" [3] .
وهذا الذي ذكر من احتياط بعض الصحابة في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتثبتهم من الرواة، لم يكن كثيرًا، ولا صريحًا بالاتهام؛ لعدم كثرة دواعيه، ولما سبق من قول عمر لأبي موسى أما إني لم أتهمك.
ثم تكلَّم التابعون في الجرح، وكان كلامهم في ذلك قليلًا أيضًا؛ لقرب العهد بمنبع الوحي، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعامة من تكلم فيه آنذاك إنما كان للمذهب، كالخوارج، أو لسوء الحفظ، أو الجهالة؛ فإنهم لم يكونوا يعرفوا الكذب.
قال علي بن المديني: محمد بن سيرين أول من فتش عن الإسناد، لا نعلم أحدا أول منه. [4]
وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: إنما سئل عن الإسناد أيام المختار. [5]
أخرج مسلم بسنده عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ:"لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" [6]
وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى خالد بن نزار قال: سمعت مالكا يقول: أول من أسند الحديث ابن شهاب الزهري. [7]
وقال يحيى بن سعيد القطان: الشعبي أول من فتش عن الإسناد. [8]
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحدا أول منه، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان ثم كان يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
قال يعقوب: قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان ابن عيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال. [9]
قال الذهبي:"فأول من زكى وجرح عند انقضاء عصر الصحابة: الشعبي، وابن سيرين، ونحوهما، وحفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة، تكلم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، كالأعمش، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس". [10]
فالنقولات التي سبقت عن أهل العلم في ذكرهم أول من بدأ بالتفتيش أقوال متقاربة، وذكروا علماء متعاصرين، لذلك فإن بداياتهم كانت متقاربة، أو كل واحد في بلده، أو كان
سابعا - أنواع المصنفات في الجرح والتعديل:
بما أن الحكم على الحديث صحة وضعفًا مبنيٌّ على أمور منها عدالة الرواة وضبطهم ، أو الطعن في عدالتهم وضبطهم ، لذلك قام العلماء بتصنيف الكتب التي فيها بيان عدالة الرواة وضبطهم منقولة عن الأئمة المُعَدِّلين الموثوقين ، وهذا ما يسمى بـ"التعديل"كما أن في تلك الكتب بيان الطعون الموجهة إلى عدالة بعض الرواة أو إلى ضبطهم وحفظهم كذلك منقولة عن الأئمة غير المتعصبين وهذا ما يسمَّى بـ"الجَرْح"ومن هنا أُطلق على تلك الكتب"كتب الجرح والتعديل"
وهذا الكتب كثيرة ومتنوعة ، فمنها المُفْرَدَة لبيان الرواة الثقات ، ومنها المفردة لبيان الضعفاء والمجروحين ، ومنها كتب لبيان الرواة الثقات والضعفاء ، ومن جهة أخرى فإن بعض هذه الكتب عام لذكر رواة الحديث بغض النظر عن رجال كتاب أو كتب خاصة من كتب الحديث، ومنها ما هو خاص بتراجم رواة كتاب خاص أو كتب معينة من كتب الحديث .
هذا ويعتبر عمل علماء الجرح والتعديل في تصنيف هذه الكتب عملا رائعا مهما جبارا ، إذ قاموا بمسح دقيق لتراجم جميع رواة الحديث ، وبيان الجرح أو التعديل الموجه إليهم أولًا ثم بيان من أخذوا عنه ومن أخذ عنهم ، وأين رحلوا ، ومتى التقوا ببعض الشيوخ ، وما إلى ذلك من تحديد زمنهم الذي عاشوا فيه بشكل لم يُسْبَقوا إليه ، بل ولم تصل الأمم المتحضرة في هذا العصر إلى القريب مما صنفه علماء الحديث من وضع هذه الموسوعات الضخمة في تراجم الرجال ورواة الحديث ، فحفظوا على مدى الأيام التعريف الكامل برواة الحديث ونقلته فجزاهم الله عنا خيرًا وإليك بعض الأسماء لهذه الكتب:
وهي: ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كتب جمعت بين الثقات والضعفاء،جرحا وتعديلا، فيأتي أحد التلاميذ فيذكر كلام شيخه في الرواة ، أو يأتي مؤلف فيذكر كلام المتقدمين في الرواة جرحًا وتعديلا، فمن أوائل وأشهر ما ألف في هذا القسم:
1-"العلل ومعرفة الشيوخ"لمحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، المتوفى سنة 242)هـ، وصف بأنه كتاب كبير، رواه عنه: الحسين بن إدريس الهروي أحد تلاميذه، وهو كتاب مفقود.
2-"من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال"رواية أبي خالد الدقاق، يزيد بن الهيثم بن طهمان، وهو مطبوع في مجلد صغير ، تحقيق: الدكتور أحمد نور يوسيف، وهو من منشورات دار المأمون للتراث.
3-"من كلام أبي عبد الله الإمام أحمد بن حنبل في علل الأحاديث ومعرفة الرجال"مما رواه عنه أبو بكر أحمد بن محمد المروذي، وأبو الحسن عبد الحميد الميموني، أبو الفضل صالح بن أحمد عن أبيه، وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد صغير، تحقيق: صبحي البدري السامرائي، وهو من منشورات مكتبة المعارف بالرياض، الطبعة الأولى، سنة (1409) هـ.
4-"الجرح والتعديل"لأبي عبد الرحمن محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، المتوفى سنة (327) هـ، وهو كتاب مطبوع في ثمان مجلدات، وهو من منشورات مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند، الطبعة الأولى ، ثم صورت عنه دار الكتب العلمية بيروت.
5-"الكمال في أسماء الرجال"للحافظ عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة (600) هـ.
6-"تهذيب الكمال في أسماء الرجال"لجمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، المتوفى سنة (742) هـ، وهو تهذيب للكتاب الذي قبله، وليس اختصارًا له، بل زاد عليه في أشياء عدة، وهو كتاب مطبوع في سبع مجلدات كبار، من منشورات مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى سنة (1418) هـ.
7-"تهذيب التهذيب"لأحمد بن علي بن حجر، المتوفى سنة (852) هـ، وهو كتاب مطبوع في ست مجلدات، تحقيق: خليل مأمون شيحا، وجماعة معه، وهو من منشورات دار المعرفة، توزيع دار المؤيد، الطبعة الأولى سنة (1417) هـ.
8-"تقريب التهذيب"له أيضا، وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد، تحقيق: عادل مرشد، الطبعة الأولى سنة (1416) هـ. وسوف أفرده ببحث لبيان منهجه في الجرح والتعديل .
القسم الثاني: كتب ألفت في الضعفاء فقط، وهي كثيرة، ومتنوعة، يختص بعضها بالرواة فقط، ويذكر البعض الآخر أحاديث ثم التنبيه على سبب ضعف تلك الأحاديث، وأنه ضعف بسبب فلان، ومن أشهر تلك الأنواع كلها:
1-"الضعفاء الصغير"للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة (256) هـ. وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد صغير تحقيق: محمود إبراهيم زايد، وهو من منشورات دار المعرفة بيروت.
2-"الضعفاء والمتروكين"، لأبي عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي، المتوفى سنة (303) هـ. وهو مطبوع مع كتاب البخاري المتقدم في مجلد احد.
3-"كتاب الضعفاء"لأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي، المتوفى سنة (322) هـ. وهو كتاب مطبوع في أربع مجلدات ، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، من منشورات دار الصميعي، الطبعة الأولى سنة (1420) هـ.
4-"كتاب المجروحين"لمحمد بن حبان ابن أحمد أبي حاتم البستي، المتوفى سنة (354) هـ.وهو كتاب مطبوع في ثلاث مجلدات، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، وهو من منشورات دار عباس الباز في مكة المكرمة.
5-"الكامل في ضعفاء الرجال"لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، المتوفى سنة (365) هـ. وهو كتاب مطبوع في تسع مجلدات، تحقيق: مجموعة من الباحثين: عبد الفتاح أبو سنة، وهو من منشورات دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى سنة (1418) هـ.
قال الحافظ ابن كثير: له كتاب الكامل في الجرح والتعديل ، لم يسبق إلى مثله ولم يلحق في شكله البداية 11/283
6-"الضعفاء والمتروكين"لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، المتوفى سنة (385) هـ.، وهو مطبوع في مجلد واحد، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، من منشورات دار المعارف بالرياض. الطبعة الأولى سنة (1404) هـ.
7-"تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين"لأبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين، المتوفى سنة (385) هـ. وهو مطبوع في مجلد لطيف، تحقيق: الدكتور عبد الرحيم القشقري، الطبعة الأولى سنة (1409) هـ.
8-ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي (748هـ)
وهو من أهم كتب الجرح والتعديل ، ذكر فيه كل راوٍ تُكُلّم فيه ، ولو بغير حق انظر الأرقام التالية: (2 و8 و10 و20 و54 و61 و...) ، وفيه (11053) أحد عشر ألفًا وثلاث وخمسون ترجمة وقد رتبه على حروف المعجم ، ويذكر المترجم له ، ثم يبين أهم من أخذ عنهم الحديث ، ثم يذكر من روى عنه ، ثم يذكر بعض مروياته أو أخباره ، ثم يذكر رأي علماء الجرح والتعديل فيه ، وقد يرجح رأيًا من الآراء انظر الأرقام (1 و2 و35 ...) ، ويأتي برأي جديد انظر الأرقام (8 و10 و17 و20 و22 و32 و53) .ويغلب عليه الاعتدال والانصاف ، ولايخلو من تشدد أحيانًا
9-لسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ)
وهو متابع للذهبي في ميزان الاعتدال ،فينقل فوله في كل ترجمة لم ترد في تهذيب التهذيب ، ثم يعقب عليه بما تحصل له في هذا الراوي ، وثد يوافقه في الحكم عليه ، وقد يخالفه ، وهو آخر كتاب الرواة المتكلم فيهم بحق أو بغير حق ، وهو من أنفس كتبه ، وله طبعات عديدة بعضها محقق وغالبها غير محقق .
القسم الثالث: كتب يذكر فيها الثقات فقط، فهم يذكرون تعديل الرواة، فلا يذكر فيها إلا الثقات في نظر المؤلف، ومن أشهر تلك الكتب هي:
1-"معرفة الثقات"لأبي الحسن أحمد بن عبد الله بن بن صالح العجلي الكوفي، نزيل طرابس الغرب، المتوفى سنة (261) هـ.
2-"كتاب الثقات"لمحمد بن حبان ابن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي، المتوفى سنة (354) هـ.
3-"تاريخ أسماء الثقات"لأبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين، المتوفى سنة (385) هـ. وهو مطبوع في مجلد واحد، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، وهو من منشورات دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى سنة 01406)هـ.
4-"تذكرة الحفاظ"لشمس الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة (748) هـ. وهو مطبوع في ثلاث مجلدات مع ذيله وهو من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، صحح عن النسخة القديمة المحفوظة في مكتبة الحرم المكي، وصورته دار إحياء التراث العربي.
5-"معرفة التابعين الثقات"، لابن حبان، تلخيص شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة ( 337) هـ.وهو كتاب مطبوع بتحقيق عطا الله بن عبد الغفار، أبو مطيع السندي، الناشر: أضواء السلف، وقد سبق في قسم الطبقات.
ثامنًا -صفة من يقبل منه الجرح والتعديل:
-أن يكون المتكلم عارفًا بمراتب الرجال، وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال [11] :
-أن يكون من أهل الورع والتقوى:
ذلك أن الورع، والتقوى يمنعانه من القول في الرجال بغير علم، ويمنعه الورع والتقوى من الجور والحيف في القول فيمن يتكلم فيه، فلا يقول فيه إلا الحق والصدق.
كما أن الورع والتقوى يجعله لا يخاف في الله لومة لائم، ويحمله على أن لا يحابي أحدا في هذا المجال، بل يقدِّم الاحتياط لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من يحبُّه أو يقرِّبه.
-أن يكون مجانبًا للعصبية والهوى.
إن صاحب الهوى يحمله هواه أن يجرح الثقة، أو يوثق الضعيف، وصاحب الهوى غالبا ما يسوقه هواه إلى الضلال. قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص، أي: لا أحد أضلَّ ممن اتبع هواه بغير هدى.
ومن الهوى الذي يمكن أن يسوق الإنسان إلى أن يقول في أخيه ما لا يقتضيه حاله ما يقع بين الفرق من اتهام كل منها الفرقة الأخرى.
-أن يكون المعدِّلُ والمجرِّحُ خاليًا من التساهل والتشدُّدِ:
ذلك أن تساهل المجرح يقتضي أن يوثق الضعيف، وقد يؤدي به تساهله إلى أن يحسن الظن بكل أحد، ومن ثم يوثقه، وهذا ينافي كمال الاحتياط لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك فإن التشدد في جرح الرواة يؤدي إلى إهدار كثير من السنة النبوية ، كما فعله الكثيرون اليوم ، فردوا كثيرا من الأحاديث المقبولة لاتباعهم منهج المتشددين في الجرح والتعديل .
-أن يكون عاريًا عن غرض النفس بالتحامل:
وهذا التحامل للغرض النفسي، يحصل غالبًا بين الأقران من العلماء، وليس كل العلماء بل بعضهم، ذلك أن العصمة لله ثم لرسله - عليهم الصلاة والسلام-.
-أن يكون المجرِّح أو المعدِّل عدلًا في نفسه:
فإن المجروح في نفسه لا يقوِّم غيره، وقد يكون أوثق منه، وهذا عابه المحدثون على أبي الفتح الأزدي [12] ، لما كثر طعنه في الرواة، وعابوا على أناس آخرين لكونهم ضعفاء، فضعفوا غيرهم أو وثقوهم، وفاقدُ الشيء لا يعطيه كما قالوا.
قال ابن حجر في ترجمة خثيم بن عراك بن مالك الغفاري: وثقه النسائي وابن حبان والعقيلي، وشذ الأزدي، فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات [13] .
-أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بهذا الشأن:
أي: يكون من يتصدى للتضعيف والتوثيق، من أهل الحديث البارعين فيه العارفين بمخارج الحديث، وطرق الرواية، وأنواع التحمل وكيفية الأداء، ونحو ذلك، ولو كان غير متخصص في هذا العلم فإنه لا يمكنه الطعن في الرواة أو توثيقهم بما لا يقتضيه حالهم.
-أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بالأسباب التي يجرح من أجلها الإنسان:
إذا كان المجرِّح أو المعدِّل لا يعرف أسباب الجرح، والتعديل، فإنه قد يجرح أو يعدِّل بغير أسبابهما.
فهناك أمور لا يستدلُّ بها على التعديل، كما توجد أسباب لا يجرح بها. قال أحمد بن يونس عن عبد الله بن عمر بن حفص العمري: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة.قال أهل العلم عن قوله هذا لا عبرة به؛ لأنه استدلَّ بهيئة عبد الله على توثيقه، والهيئة لا يستدلُّ بها على التوثيق.
فقد يأتي العامي في لباس العلماء وهيئتهم وهو عامي لا يعرف من العلم شيئًا كما أن أكثر العلماء يتحلون بالزهد والورع، فيلبسون الثياب الرثة البالية حتى لا يخطر في البال أنه من العلماء، فإذا تكلم عرف علمه وفقهه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحثُ الثاني
مراتب الجرح والتعديل [14]
لقد عني العلماءُ وأئمة الجرح والتعديل بذكر ألفاظ الجرح والتعديل ، وبيان مراتبهاودرجاتها ، وقد رتبها ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه الجرح والتعديل ، فجعلها أربع مراتب فأحسن وأجاد ، وتبعه في ذلك الإمامان ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث ، والنووي في مختصره المسمى بالتقريب ، والذي شرحه الإمام السيوطي بكتابه الجامع تدريب الراوي ، ثم جعلها الإمامان الذهبي و العراقي خمس مراتب .
ثم جاء الحافظ ابن حجر فجعلها ست مراتب .
-التقسيم المختار [15] :
1-ألفاظ التعديل:
"المرتبة الأولى: الوصفُ بما يدلُّ على المبالغة ، وهو الوصف بأفعل ، مثل فلان أوثق الناس ، وأعدل الناس ، وإليه المنتهى في التثبت ، ومثله قول الشافعي في ابن مهدي [16] : (لا أعرف له نظيرا في الدنيا) ، ومثله أيضًا قول هشام بن حسان في ابن سيرين:"حَدَّثَنِي أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْبَشَرِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ" [17] "
(1) - الموطأ (1080 ) صحيح
(2) - البخاري (6245 )
(3) - أخرجه مسلم (21)
(4) - شرح علل الترمذي ( 1: 52) .
(5) - علل الإمام أحمد رواية عبد الله (3: 380) .
(6) - برقم ( 25)
(7) - تقدمة الجرح والتعديل (1: 20) .
(8) - المحدث الفاصل (ص: 208) .، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (1: 55) .
(9) - ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (ج 1 / ص 28) و شرح علل الترمذي لابن رجب (1/52) .
(10) - ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص: 159- 162) .بتصرف.
(11) - انظر: هذه الفقرات كلها في مقدمة الرد الوافر لابن ناصر الدين).
(12) - أَبُو الفَتْحِ الأَزْدِيُّ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ ،الحَافِظُ، البَارعُ، أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ الأَزْدِيُّ المَوْصِلِيُّ، صَاحبُ كِتَابِ (الضُّعَفَاءِ) وَهُوَ مُجَلَّدٌ كَبِيْرٌ،قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ:كَانَ حَافِظًا،صَنَّفَ فِي عُلُومِ الحَدِيْثِ، وَسَأَلتُ البَرْقَانِيَّ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو النَّجِيْبِ عَبْدُ الغفَّارِ الأُرْمَوِيُّ، قَالَ:رَأَيْتُ أَهْلَ المَوْصِلِ يوهِّنُوْنَ أَبَا الفَتْحِ وَلاَ يعدُّوْنَهُ شَيْئًا،قَالَ الخَطِيْبُ:فِي حَدِيْثِهِ مَنَاكِيرُ،قُلْتُ:وَعَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ فِي (الضُّعَفَاءِ) مُؤَاخذَاتٌ، فَإِنَّهُ ضَعَّفَ جَمَاعَةً بِلاَ دليلٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ قَدْ وَثَّقَهُمْ،مَاتَ:فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.سير أعلام النبلاء (16/348-350) (250 )
(13) - هدي الساري (ص: 400) .
(14) - نزهة النظر (ج 1 / ص 174) وشرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 121) ومقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 23) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 270)
(15) - انظر الوسيط في أصول الحديث د- محمد محمد أبو شهبة ص 408 وما بعدها
(16) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (ج 1 / ص 350) وجرح الرواة وتعديلهم (ج 11 / ص 25)
(17) - الكفاية (1261 )