فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 78

المأخذ الثالث- أن الحافظ ابن حجرمتناقض في الجرح والتعديل والحكم على الرواة:

قال أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل في (إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة المصطلح والجرح والتعديل) (1/45-46) : « وأما ابن حجر من جهة تصحيح الأحاديث والكلام عليها، فهو إلى التساهل أقرب، وقد بان لي هذا جليًا عند تحقيقي للفتح، فكم من حديث يضعف صاحبه في التقريب، ومع ذلك يحكم على سند الحديث - وهو من طريقه - بأنه حسن أو صحيح 0000

والحافظ ابن حجر رحمه الله على سعة اطلاعه وكثرة استفادة طلبة العلم منه ومن كتبه، يتساهل، وقد يحكم على الرجل في (التقريب) مثلًا بأنه صدوق، ويحكم عليه في (التلخيص الحبير) بأنه ضعيف جدًا أو ضعيف أو 0000

فلو جمعنا بين كلامه في (التلخيص) وفي (الدراية) وفي (الفتح) ، وجدناه يخالف كلامه في (التقريب) في مواضع كثيرة ».

قلت: والكلام على هذه الملاحظة من وجوه:

الوجه الأول- لا شك أن من لم يعرف منهج الحافظ ابن حجر في التقريب بشكل دقيق ، يتهمه بالتناقض ، وقد ذكرنا أمثلة كثيرة عند كلامنا عن المرتبة الخامسة والسادسة خاصة .

ولكننا إذا دققنا مليًّا وجدنا في الأغلب أنه ليس هناك تناقض عنده ، وقد اتهمه بهذه التهمة كثير من المعاصرين !! .

الوجه الثاني- الادعاء بأن الحافظ ابن حجر رحمه الله من المتساهلين في الحكم على الحديث ، غير صحيح ، ولكن إذا نظرنا إلى أحكامه في التقريب ومقارنتها مع غيرها نلاحظ لأول وهلة أنه من المتشددين لحدٍّ بعيد ، وذلك لأنه لا يهمل قولا في الجرح قيل في الراوي ، ولو قارنا بين التقريب والكاشف -وقد قارنت بينهما في كل التراجم المستدل بها في هذا الكتاب - لوجدنا أن الحافظ الذهبي متساهل , والحافظ ابن حجر متشدد ، بعكس ما فهم هؤلاء ، وهذا مثال مهم جدا يبين هذا:

ففي الكاشف (23) -أحمد بن حماد أبو جعفر التجيبي زغبة أخو عيسى زغبة عن سعيد بن أبي مريم وطبقته وعنه النسائي والطبراني وابن رشيق ثقة مأمون عاش أربعا وتسعين ومات 296

وفي تقريب التهذيب (28 ) - أحمد بن حماد بن مسلم أبو جعفر المصري صدوق من الحادية عشرة مات سنة ست وتسعين س

فلو أخذنا بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب فحديثه حسن ، ولو أخذنا بكلام الحافظ الذهبي لحكما على حديثه بأعلى دراجت الصحة ، والفارق بينهما كبير جدًّا.

الوجه الثالث- إذا فهمنا معنى أحكامه التي عليها خلاف بشكل دقيق بان لنا أنه ليس بمتناقض ولا سيما كلامه عن أصحاب المرتبة الخامسة والسادسة ، وكذلك بان أنه من المعتدلين في الجرح والتعديل بشكل عام ، ولا سيما في التطبيق العملي ، فقد سار على ما سار عليه أهل العلم من قبله .

الوجه الرابع- قوله"وقد يحكم على الرجل في (التقريب) مثلًا بأنه صدوق، ويحكم عليه في (التلخيص الحبير) بأنه ضعيف جدًا أو ضعيف أو".

قلت: في هذا الكلام نظر ، فنحن نحتاج إلى الأمثلة للتدليل على صحة مثل هذه الدعوى ، ولم أجد شيئا من هذا القبيل ، بل قد يحكم على راو بأنه صدوق سيء الحفظ أو مقبول أو مستور ويحسن له في كتبه الأخرى ، وقد ذكرنا أمثلة لذلك كثيرة ، فهذا يوضح مقصده في الحكم على الراوي ، أو أنه حكم عليه بهذا الحكم بسبب وجود متابعات له . وهناك انفكاك كبير بين الحكم على الراوي أو على سند بعينه ، وبين الحكم على متن الحديث الذي يرويه ، فقد يكون الراوي ضعيفًا ومع هذا يكون الحديث حسنا أو صحيحًا .

نعم قد نجد أنه يحكم على الراوي بالضعف في التقريب ، ويحكم على سند ورد فيه بالضعف الشديد .،كما في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير - (ج 1 / ص 290) نَعَمْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ أَبِي الْعَطَّافِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَوَقْتُهَا إِذَا ذَكَرَهَا"وَحَفْصٌ ضَعِيفٌ جِدًّا .

وفي تقريب التهذيب (1418 ) حفص بن عمر بن أبي العطاف السهمي مولاهم المدني ضعيف من الثامنة مات بعد الثمانين ق

فهل هناك تناقض بين الحكمين ؟

والجواب لا ، ففي السنن الكبرى للبيهقي (ج 2 / ص 219) (3308) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِى وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِى عَمْرٍو قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبُرُلُّسِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ أَبِى الْعَطَّافِ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « مَنْ نَسِىَ صَلاَةً فَوَقْتُهَا إِذَا ذَكَرَهَا » . كَذَا رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِى الْعَطَّافِ ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَوْ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.

{ج} وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قَالَ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مَا ذَكْرَنَا لَيْسَ فِيهِ « فَوَقْتُهَا إِذَا ذَكَرَهَا » .

فهذا الحديث فيه عدة علل: مخالفة الثقات ، والاضطراب في السند ، وضعف الراوي ، فهو قد حكم على الراوي هنا من هذه الحيثية ، ولا يشترط أن يكون حكمًا عاما ، ففي التقريب حكم عام ،و هنا حكم خاص ، فلا تناقض إن شاء الله .

وفي الجملة فإن منزلة الحافظ ابن حجر في هذا العلم تؤهله لأن يلاحظ من القرائن بعض ما هو خاف على من ليس مثله، وتيسر عليه أن يراعي من الاعتبارات بعض ما لا يقدر على مراعاته من هو دونه،بلا ريب .

المأخذ الرابع - عدم بيانه الدقيق لمعاني مصطلحاته النقدية وأحكامها بدقة:

ويقصد بها أنه لم يحدد بشكل دقيق مقاصده في المرتبة الخامسة والسادسة خاصة ( المقبول ) فأوقع من جاء بعده بحيرة شديدة إزاء هذه المصطلحات الجديدة، وبما أنهم قد عجزوا عن فهمها كما أراد الحافظ ابن حجر ،فلم يكن أمامهم سوى كيل التهم الجاهزة له ، وفي الحقيقة فإن أكثر الكلام الذي قيل في هذه الملاحظة قد انصبَّ على مرتبة المقبول بالدرجة الأولى ، ولكننا بفضل الله تعالى قد بينا في هذا الكتاب ما يحلُّ هذه الألغاز والحجى بشكل واضح ومفصل من خلال كلام الحافظ ابن حجر نفسه في كتبه الأخرى ، ومن خلال مقارنة كلامه بكلام أئمة الجرح والتعديل .

وأخيرًا أقول: مما يخفف اللوم على الحافظ ابن حجر في هذه القضية أننا لا نعلم أحدًا سبقه إلى بيان اصطلاحاته في النقد بدقة كاملة شاملة وتحديدها بوضوح تام مع بيان أحكام أحاديث أصحاب تلك المراتب عنده، لنطالبه هو بذلك، ثم إن كثيرًا من مراتب كتابه بينة في أنفسها واضحة معانيها معلومة أحكام أحاديثها، نعم هو لم يبين حكم كل مرتبة من مراتب كتابه ولا ذكر ما يقوم مقام ذلك البيان من بيان الشروط ونحوها، وكان عليه أن يفعل.

المأخذ الخامس - اعتباره ما ورد في الرجل من الكلام الذي ينبغي أن لا يلتفت إليه:

قال محمد خلف سلامة:"إن ابن حجر ألزم نفسه في أحيان كثيرة باعتبار جميع ما قيل في الراوي من نقد، ومحاولة الجمع أو التوسط أو التوفيق بين كل تلك الأقوال ولو كان بعضها مما لا يستحق الإلتفات إليه ولا يساوي ذكره."

لقد أنزل ابن حجر كثيرًا من الثقات الذين حقهم التوثيق التام إلى رتبة أدنى من ذلك بسبب كلمة قالها بعض النقاد الواهمين فيها، أو بعض المتسرعين الذين عادتهم المجازفة، أو بعض الضعفاء الذين لا يلتفت إلى كلامهم إذا خالفوا فيه بعض الأئمة فضلًا عن كلامهم الذي يخالفون فيه كثيرًا منهم. ومن راجع (تحرير التقريب) وجد على ابن حجر كثيرًا من التعقبات التي تدخل في هذا الباب، وقد استغنيت بما هناك عن ذكر أمثلة لهذه المسألة.""

قلت: وفي كلامه نظر ، فلئن سلَّمنا بوجود شيء قليل جدا في حكم الحافظ ابن حجر رحمه الله على الرواة ، يكون حكمه توفيقيا لا تحقيقيا ، كما قلت في بعض الأحيان ،إلا أن المأخذ على هذا الكلام مردود من وجهين:

الوجه الأول- أن الحافظ ابن حجر لم يأخذ بكل ما قيل في الراوي ، سواء صح فيه أم لا كما زعم من قال ذلك ، بدليل أنه ردَّ على كثير من الأوهام والأخطاء التي قيلت بغير حق في حق المترجم له ، وقد ذكرت كثيرا من هذا في باب مضى ، وأذكر بعض الأمثلة للتدليل على سقوط هذه الشبهة:

ففي تقريب التهذيب (88) أحمد بن الفرات بن خالد الضبي أبو مسعود الرازي نزيل أصبهان ثقة حافظ تكلم فيه بلا مستند من الحادية عشرة مات سنة ثمان وخمسين د

(334) إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو النضر الدمشقي الفراديسي [وقد ينسب إلى جده] مولى عمر ابن عبدالعزيز صدوق ضعف بلا مستند مات سنة سبع وعشرين وله ست وثمانون سنة من العاشرة خ د س

(613) أيوب بن سليمان بن بلال القرشي المدني أبو يحيى ثقة لينه [الأزدي و] الساجي بلا دليل من التاسعة مات سنة أربع وعشرين خ د ت س

(5450) القاسم بن أمية الحذاء بالمهملة والذال المعجمة الثقيلة [المثقلة] بصري صدوق من كبار العاشرة ضعفه ابن حبان بلا مستند ووقع في بعض نسخ الترمذي أمية بن القاسم وهو خطأ ت

(69) أحمد بن عبدالملك بن واقد الحراني أبو يحيى الأسدي ثقة تكلم فيه بلا حجة من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين خ س ق

(82) أحمد بن علي النميري إمام مسجد سلمية صدوق ضعفه الأزدي بلا حجة من التاسعة د

(232) إبراهيم بن محمد بن خازم بمعجمتين أبو إسحاق ابن أبي معاوية الضرير الكوفي صدوق ضعفه الأزدي بلا حجة مات سنة ست وثلاثين من العاشرة د

ومن عادة الحافظ ابن حجر أنه يدقق في كلِّ كلمة ينقلها عن غيره ، فليس هو حاطب ليل ، كما يزعم مجددو العصر !!!

الوجه الثاني - كان عمدته في كلامه ليس من خلال بحثه هو ، ولكن اعتمد على كلام صاحبي التحرير - وكأن كلامهما كلام منزل - دون أن يتأكد بنفسه من صحة هذا الكلام أم لا ، وهكذا فليكن طالب العلم ، فأيهما أولى بهذه التهمة ناقل هذه الكلام أم الذين قالوه قبله ، أم الجميع ؟ .

المأخذ السادس-عدم وقوفه على جملة من أحكام النقاد في بعض رجال (التقريب) أو عدم استحضاره لها وقت كتابة تلك التراجم:

قال المحرران:"فات ابن حجر في (تهذيب التهذيب) ، وهو أصل (التقريب) جملة من أحكام النقاد على الرواة، وهذه الأحكام ليست كثيرة، ثم إنها على قسمين: قسم منها ليس بالمهم لأن ابن حجر قد ذكر من أقوال النقاد في ذلك الراوي ما يغني عما فاته من أقوال النقاد فيه أو عما وقف عليه منها ولم يذكره، وقسم آخر منها مهم وله شأن في اختيار الحكم على ذلك الراوي."

ولكن هذا المأخذ مما ينبغي أن يتسامح فيه وأن يلتمس فيه العذر لابن حجر لأن الإحاطة بأقوال النقاد المبثوثة في الكتب عزيزة أو متعذرة والكمال في التأليف مستحيل أو متعسر .""

قال الشيخ خلف:"كذا قالا، والحقُّ أن في الكتاب قصورًا إلا أنه ليس شديدًا ولا غريبًا، وهذا من التهويل الذي ينبغي أن يجتنب."

قلت: قال المحرران في التعقيب على ترجمة ( 622) أيوب بن أبي مسكين التميمي أبو العلاء القصاب الواسطي صدوق له أوهام من السابعة مات سنة أربعين د ت س

قالا:"بل صدوق حسن الحديث ، فإنما أنزل إلى هذه المرتبة بسبب الأوهام التي تقع له ، وإلا لكان ثقة ، فقد وثقه أحمد بن حنبل ومسلم ، والنسائي ، وابن سعد ، وقال أبو حاتم: لا بأس به ، شيخ صالح يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال الدارقطني: يعتبر به ، وإنما قال أبو حاتم والدارقطني ذلك خوفًا من أوهامه ، فيكون حديثه من الحسن إلا عند المخالفة فيضعف ، وهذا هو حال الصدوق عندنا".

أقول: لا منافاة بين الحكمين ، فالرجل صدوق لكن له أوهام ، وإنما قرن الحافظ لفظة له أوهام ، ونبه عليها ، كي يحذر الطالب الفطن من أوهامه ولا يتسرع في الأحكام ، وذكر الأوهام ينفعنا عند التعارض ، فمن لا أوهام له مقدم على من له أوهام .

ومع هذا سننقل ما قال الحافظ ابن حجر فيه في التهذيب لنبين عدم أمانة المحررين ، وتغييرهما نص الكلام ،

ففي تهذيب التهذيب [ج 1 -ص359 ] (754 ) د ت س أبي داود والترمذي والنسائي أيوب بن أبي مسكين ويقال مسكين التميمي أبو العلاء القصاب الواسطي روى عن قتادة وسعيد المقبري وأبي سفيان وغيرهم وعنه إسحاق بن يوسف الأزرق وخلف بن خليفة وهشيم ويزيد بن هارون وغيرهم،

قال أحمد لا بأس به وقال مرة رجل صالح ثقة ،وقال الفضل بن زياد عن أحمد كان مفتي أهل واسط وقال إسحاق الأزرق ما كان الثوري بأورع منه وما كان أبو حنيفة بأفقه منه وقال ابن سعد والنسائي ثقة وقال أبو حاتم لا بأس به شيخ صالح يكتب حديثه ولا يحتج به وقال الدارقطني يعتبر به وقال ابن عدي في حديثه بعض الاضطراب ولم أجد في سائر أحاديثه شيئا منكرا وهو ممن يكتب حديثه، قال تميم بن المنتصر عن يزيد بن هارون مات سنة 14 ،قلت وقال ابن حبان في الثقات كان يخطىء ،وقال أبو داود كان يتفقه ولم يكن يجيد الحفظ للإسناد ،وقال الحاكم أبو أحمد في حديثه بعض الاضطراب"."

وفي الكاشف (525 ) أيوب بن مسكين أبو العلاء التميمي الواسطي القصاب عن المقبري وقتادة وعنه يزيد بن هارون وخلق وثقه جماعة وقد لين مات 14 د ت س

وفي ميزان الاعتدال (1101 ) أيوب بن مسكين [ د، ت، س ] ويقال ابن أبي مسكين، أبو العلاء القصاب التميمي الواسطي.عن قتادة، والمقبرى.

وعنه يزيد، وإسحاق بن يوسف، ومحمد بن يزيد الواسطيون.

وثقه أحمد، وقال: كان مفتي أهل واسط،وقال إسحاق: ما كان الثوري بأورع منه.

وقال أبو حاتم: لا بأس به، ولا يحتج به،وقال الدارقطني: يعتبر به،وقال ابن عدى: في حديثه بعض الاضطراب،وقال أيضا: لم أجد له حديثا منكرا.

وفي تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 2 / ص 489) أيوب بن أبي مسكين أبو العلاء القصاب - د ت ن - الفقيه مفتي أهل واسط وعالمهم في زمانه. روى عن سعيد المقبري وقتادة وابن شبرمة وغيرهم.وعنه هشيم وإسحاق الأزرق ويزيد بن هارون.

قال أبو حاتم: لا بأس به.وقال غيره: صالح الحديث.

قلت: ومع إمامة الإمام الذهبي في علم الرجال ، فقد فاته بعض ما قيل في الرجل من أقوال ، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر جميعاَ في التهذيب .

ومع هذا فحكمه على هذا الراوي نفس حكم الحافظ ابن حجر .

ولذا فإننا نلاحظ على المحررين عدم الدقة في النقل ، وعدم استيعاب ما قيل في الراوي ، وهذا ما عاباه على الحافظ ابن حجر على حدِّ زعهما .

المأخذ السابع- اضطرابه في الذين وصفهم النقاد بالإغراب:

ذكر هذا المأخذ مؤلفا (تحرير التقريب) (1/47) فقالا: « واتخذنا قاعدة في أن من وصفه أحد الأئمة بالإغراب ثبتنا ذلك وإن لم يقل بها سوى ناقد واحد، فإن المؤلف قد اضطرب في ذلك، لا سيما في أقوال ابن حبان، وهو من أكثر المعنيين بتثبيت حالة الإغراب، على أننا لم نعتدَّ بكل ما قال فيه ابن حبان - وتابعه المؤلف عليه: (ربما أغرب) ، لأن (ربما) تفيد التقليل، وكل ثقة أو صدوق لا يعرى عن ذلك» .

قلت:

لا ينبغي أن يهدر قول ابن حبان أو غيره من النقاد في الراوي الذي يوثقه: (ربما أغرب) ، لأن ذلك الناقد يعلم أن كل الثقات أو أكثرهم ربما يغربون أو يهمون، فما كان ليخص بعضهم عند توثيقه له بهذه الزيادة (ربما أغرب) إلا لفائدة وهي على ما يظهر الإشعار بأنه ليس من ذوي الإتقان الفائق وأنه إذا خالفه ثقة من الذين لم يقل فيهم هذه الزيادة فالأصل تقديم رواية الموثَّق توثيقًا مطلقًا سالمًا من هذه الزيادة، على روايته.

لقد بالغ مؤلفا (التحرير) بإلغاء أكثر ما قاله ابن حبان وغيره من العبارات التي يشيرون بها إلى اتصاف راو ثقة أو صدوق بالإغراب أو الوهم أو المخالفة أو الخطأ، وكانا يبطلان أثر هذه الإشارات والاستثناءات بنحو قولهما (الثقة يخطئ) أو (كل أحد يهم) أو (الخطأ النادر لا يضر) أو (ليس الثقة بمعصوم) أو (هذا تعنت) أو (هذا لا يمنع إطلاق توثيقه) أو نحو هذه العبارات، التي تدل على توسعهم وعدم تحريهم في الحكم ، وليس هذا الصنيع منهما بسديد.

قال ابن حجر في (النكت) (2/678) في بعض الرواة: « وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات) ، فإنه قال فيه مع ذلك: (كان يخطئ) ، وذلك مما يتوقف به عن قبول أفراده » .

وقال في (مقدمة الفتح) (ص621) في مقدم بن محمد: « وثقه أبو بكر البزار والدارقطني وابن حبان، لكن لما ذكره في (الثقات) قال: (يغرب ويخالف) ، فهذا إن كثر منه حكم على حديثه بالشذوذ » .

وقال في (نتائج الأفكار) (1/59) ـ طبعة بغداد: « لم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل، إلا أن ابن حبان ذكره في (الثقات) وقال: يخطئ، وهذا عجيب منه لأن موسى مقل فإذا كان يخطئ مع قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه؟ فلعل من صححه أو حسنه تسامح لكون الحديث من فضائل الأعمال » .

وقال المعلمي في (التنكيل) (ص712) : « وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن عرفه من أثبت التوثيق، وقوله (ربما أخطأ) لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه » .

المأخذ الثامن - تشدده في أحكامه:

هذا الأمر ذكره الشيخ محمد عوامة في فهارس (الكاشف) (2/555) فقال: « أحكام ابن حجر في التقريب تميل إلى الشدة» .

وهذا تلخيص منه لما ذكره في تعليقه على ترجمة مروان بن جناح الدمشقي من الكاشف، حيث قال: « ووثق مروان أربعة من الأئمة، فاعتمد قولهم المصنف [يعني الذهبي] وقال الدارقطني في سؤالات البرقاني (515) : (لا بأس به) فاعتمده في (التقريب) (6566) ، وهذا المثال - وأمثلة أخرى كثيرة - تلقي الضوء على ميل الحافظ إلى التشدد في مراتب من كتابه (التقريب) » [1] .

قلت: الحافظ ابن حجر بريء من التشدد إلا في مسألة إطلاق التوثيق؛ فهو لا يخلو من تعنت فيها، فإنه اقتصر في جماعة حقهم التوثيق المطلق على الحكم لهم بكلمة (صدوق) ؛ لأنه وجد بعض العلماء قد قال في ذلك الراوي:"صدوق".

لكن الذي ينبغي في هذا المقام، أي انقسام الأئمة في الراوي إلى قائل صدوق وقائل ثقة، هو تحقيق النظر والتدقيق والموازنة وملاحظة القرائن ودراسة المرويات، فإن ترجح أحد القولين فهو الحُكم، وإلا أُخذ بأدناهما وهو التصديق لأن ذلك هو الأحوط، ولأنه يشبه أن يكون من جنس - أو من نظائر- تقديم الجرح على التعديل عند عدم القرينة المرجحة لأحدهما على الآخر؛ فيقاس عليه.

مما خالف فيه مؤلفا (تحرير التقريب) الحافظ ابن حجر وقد يظنُّ أن ابن حجر كان متشددًا في ذلك وأنهما كانا فيه معتدلين، والتحقيق أن ابن حجر كان معتدلًا فيه وكانا فيه متساهلين، كما في اعتمادهما ما ورد في بعض الروايات من توثيق الرواة لشيوخهم مع أن أولئك الرواة ليسوا من أهل النقد أو أنهم لم يعرفوا به، فلا تعلم صفاتهم في نقدهم ولا معاني مصطلحاتهم فيه؛ وكثير ممن شارك في النقد من غير الأئمة المعروفين يكثر منهم أن يريدوا بالتوثيق مطلق القبول والقوة، وأحيانًا مجرد العدالة وعدم الكذب المتعمد، غير ناظرين في تلك الأحكام إلى ضبط الراوي وحفظه؛ ومسلك ابن حجر في هذا الباب أعدل وهو به أعلم. [2]

ـــــــــــــــــــــ

المطلب الثالث

خلاصة هذه الدراسة

1.القرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى بحفظه ،بقوله تعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر/9] ، وأمَّا السنَّة النبوية فقد أناط الله حفظها لهذه الأمة الخاتمة ، الشاهدة على الناس ، قال تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [البقرة/143] ، ولا نكون شهداء على الناس إلا إذا كنا عدولا مؤتمنين على هذه الرسالة ، محافظين عليها أشد المحافظة ، ناشرين لها في الخافقين ، ذابين عنها في كل حين .

2.علمُ الجرح والتعديل علمٌ تفرد به المسلمون ، لا يعرفه غيرهم من الأمم السابقة ، وهو من أصعب العلوم وأدقها ، ومن هنا فقد قيل:"الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ." [3]

3.وهو بحرٌ خضَمٌ لا ساحل له ، وكثير ممن ولجه غرق في لجَّته.

4.الجرح والتعديل قائم على غلبة الظنِّ ، ومن ثم فالاختلاف فيه كثير ، وهذا الاختلاف يؤدي بدوره إلى الاختلاف في الحكم على الراوي وعلى روايته.

5.لا يوجد راو من رواة الآثار ، إلا وتكلم عليه علماء الجرح والتعديل جرحًا وتعديلا ، ليحافظوا على السنَّة النبوية من أي دخيل أو وهم ، ونحوه ،مما أدى لحفظها ،ووصولها إلينا غضَّة نضرةً.

6.كلَّ إمام من أئمة الجرح والتعديل يعتبرُ أمةً وحده في أحكامه على الرواة ، وفي مصطلحاته.

7.علماء الجرح والتعديل ما بين متشدد ومتساهل ومعتدل ، والواجب علينا الأخذ بمنهج المعتدلين ، وهو الذي جرى عليه العمل خلال القرون المتطاولة .

8.كان عمل المتأخرين في الجرح والتعديل ، جمع ما قاله الأقدمون ، وضبط قواعدهم ، ضبطا محكمًا .

9.لقد خدمت الكتب الستة ( البخاري ، المسلم، واأبو داود ، الترمذي ، النسائي ، ابن ماجة ) خدمة عظيمة جدًّا ، سواء من حيث الكلام على رجالهما ، أو شروحهما ، وبيان معانيها ، أو شروطهما في قبول الأخبار وردّها .

(1) -"ومروان هذا مثلا قال أبو حاتم كما في (الجرح والتعديل) لابنه (8/125) فيه وفي أخيه روح: (مروان أحبُّ إلي، وهما شيخان يكتب حديثهما ولا يحتج بهما) ، وأورده الذهبي في (المغني) (2/651) وقال فيه: (قال أبو حاتم: لا يحتج به) ."

وأما الأربعة الذين عناهم فهم دحيم وأبو داود وأبو علي الحسين بن علي النيسابوري وابن حبان، أما دحيم فمتساهل في توثيق الشاميين كما نبه عليه مؤلفا (تحرير التقريب) ، وأما أبو علي النيسابوري فهو من علماء الحديث وكبار حفاظه ولكن لا يظهر أنه من أئمة النقد، وإن كان يدخل في جملة النقاد، وأما ابن حبان فاقتصر على ذكره في (ثقاته) ، وتساهُلُ ابن حبان في (الثقات) أشهر من أن ينبه عليه في كل مرة؛ وبهذا يتبين اعتدال الحافظ في هذا الراوي، وهذا شأنه الغالب عليه في نقد الرواة في مصنفاته في الجرح والتعديل إلا أنه يعتري ذلك أحيانًا شيء من تساهل."محمد خلف المصدر السابق"

(2) - انظر التقريب لمعالم منهج ابن حجر في تقريب التهذيب (محمد خلف سلامة )

(3) - صحيح مسلم (32 ) المقدمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت