المطلب الخامس
أمثلة من كتاب التقريب
وهذه أمثلة من كتابه ( التقريب ) حسب ما ورد في ترقيم الكتاب:
(1) أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو علي ، نزيل بغداد ، صدوق ، من العاشرة مات سنة 36 اهـ أي 236 ، دفق .
(3) أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدّورقي النُّكري: البغدادي ، ثقة حافظ ، من العاشرة ، مات سنة (246) م د ت ق .
(5) أحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري ، صدوق كان يحفظ ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه ، من الحادية عشرة مات سنة (263) س ق.
6-أحمد بن إسحاق ابن الحصين ابن جابر السلمي أبو إسحاق السرماري بضم المهملة وبفتحها وحكي كسرها وإسكان الراء صدوق من الحادية عشرة مات سنة اثنتين وأربعين خ
7-أحمد بن إسحاق ابن زيد ابن عبدالله ابن أبي إسحاق الحضرمي أبو إسحاق البصري ثقة كان يحفظ من التاسعة مات سنة إحدى عشرة م د ت س
8-أحمد بن إسحاق ابن عيسى الأهوازي البزاز صاحب السلعة أبو إسحاق صدوق من الحادية عشرة مات سنة خمسين د
9-أحمد بن إسماعيل ابن محمد السهمي أبو حذافة سماعه للموطأ صحيح وخلط في غيره من العاشرة مات سنة تسع وخمسين ق
10-أحمد بن إشكاب الحضرمي أبو عبد الله الصفار واسم إشكاب مجمع وهو بكسر الهمزة بعدها معجمة ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة سبع عشرة أو بعدها خ
11-أحمد بن أيوب ابن راشد الضبي الشعيري بفتح المعجمة أبو الحسن مقبول من العاشرة بخ
12-أحمد بن بديل بن قريش أبو جعفر اليامي بالتحتانية قاضي الكوفة صدوق له أوهام من العاشرة مات سنة ثمان وخمسين ت ق
ونلاحظ عليها جميعًا الإيجاز ، والدقة .
فقد ذكر اسم الراوي كاملًا ، وبلده ، وصفته التي تميزه عن غيره ،وحكمه فيه جرحًا وتعديلًا ، و طبقته ، ومتى توفي ، ومن أخرج له من أصحاب الكتب الستة .
وقال الذهبي عنهم في الكاشف:
1-أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي عن شريك وحماد بن زيد وطبقتهما وعنه أبو داود والبغوي وأبو يعلى وخلق وثق مات 236 د
2-أحمد بن إبراهيم البغدادي الدورقي الحافظ عن هشيم ويزيد بن زريع والناس وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وحاجب بن أركين وخلق وله تصانيف توفي 246 م د ت ق
3-أحمد بن إبراهيم أبو عبدالملك البسري الدمشقي عن أبي الجماهر ومحمد بن عائذ وخلق وعنه النسائي وابن أبي العقب والطبراني وطائفة صدوق توفي 289 س
4-أحمد بن الأزهر بن منيع أبو الأزهر العبدي مولاهم النيسابوري الحافظ عن ابن نمير وأبي ضمرة و عبد الرزاق وخلق وعنه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابنا الشرقي وخلق صدوق قاله أبو حاتم وجزرة مات 261 س ق
5-أحمد بن إسحاق السلمي السرماري البخاري من يضرب بشجاعته المثل قتل ألفا من الترك سمع يعلى بن عبيد وطبقته وعنه البخاري وأهل بلده توفي 242 خ
6-أحمد بن إسحاق الحضرمي البصري أخو يعقوب ثقة سمع عكرمة بن عمار وهماما وعنه أبو خيثمة وعبد والصاغاني وآخرون توفي 211 م د ت س
7-أحمد بن إسحاق الأهوازي البزاز عن أبي أحمد الزبيري وعدة وعنه أبو داود وابن جرير وطائفة صدوق مات 25 د
8-أحمد بن إسماعيل أبو حذافة السهمي المدني، آخر أصحاب مالك وسمع الزنجي وإبراهيم بن سعد وطبقتهم وعنه ابن ماجة والمحاملي وابن مخلد، ضعِّف توفي 259 ق
9-أحمد بن إشكاب الكوفي الصفار نزل مصر عن شريك وطائفة وعنه البخاري والصاغاني وبكر بن سهل وكان حجة مكثرا مات 217 أو في 218 خ
10-أحمد بن بديل أبو جعفر اليامي قاضي الكوفة ثم همذان سمع أبا بكر ابن عياش وحفص بن غياث وعدة وعنه الترمذي وابن ماجة وابن صاعد وابن عيسى الوزير وخلق قال النسائي لا بأس به ولينه بن عدي والدارقطني وكان عابدا توفي 258 ت ق
فالذهبي يذكر اسم الراوي كاملا ، وكنيته ، وصفته ، وبلده ، ويذكر أهم من سمع منهم ، وأهم من روى عنه، وقد يذكر رأيه صريحًا في الراوي جرحا وتعديلًا ، وقد يذكر رأي غيره ، ويسكت عليه دةن ترجيح، وقد يذكر رأيه في الراوي ، ثم يبين أن فيه خلافًا ، فيذكر بعض من ضعَّفه ،وقد لا يذكر فيه شيئًا من الجرح والتعديل، ويذكر بعض صفاته الخاصة ، ومتى توفي ، ومن أخرج له من الأئمة الستة .
ـــــــــــــــــــــ
المبحث السادس
الكلام على مراتب الرواة عند الحافظ ابن حجر
المرتبة الأولى
الصحابة رضي الله عنهم
المطلب الأول
تعريف الصحابي وبم يعرف
الصحابة رضوان الله عليهم هم خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نشر الدعوة وحمل أعبائها، ومن ثم لم يقع خلاف"بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، وبه ساد أهل السير [1] "
1 -تعريف الصحابي:
أ ) لغة: الصحابة لغة مصدر بمعنى"الصحبة"ومنه"الصحابي"و"الصاحب ويجمع على أصحاب وصَحْب ، وكثر استعمال"الصحابة"بمعنى"الأصحاب". وأصل الصحبة في اللغة يطلق على مجرد الصحبة، دون اشتراط استمرارها طويلا، وعلى ذلك درج المحدثون."
ب) اصطلاحًا: من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا ومات على الإسلام ، ولو تخللت ذلك ردة على الأصح .
قال العراقي [2] :"وقد اخْتُلِفَ في حدِّ الصحابيِّ مَنْ هو ؟ على أقوالٍ:"
أحدُها: وهو المعروفُ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ أنَّهُ مَنْ رأى النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في حالِ إسلامهِ .
هكذا أطلقهُ كثيرٌ من أهلِ الحديثِ ومرادُهُم بذلكَ مَعَ زوالِ المانعِ منَ الرؤيةِ ، كالعمى ، وإلاَّ فمَنْ صحبَهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولم يرَهُ لعارضٍ بنظرهِ كابن أُمِّ مكتومٍ ونحوهِ معدودٌ في الصحابةِ بلا خلافٍ . قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ [3] : مَنْ صحبَهُ سنةً ، أو شهرًا ، أو يومًا ، أو ساعةً ، أو رآهُ؛ فهو من الصحابةِ . وقالَ البخاريُّ في صحيحهِ [4] : مَنْ صَحِبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أو رآهُ من المسلمينَ فهوَ من أصحابهِ .
وفي دخولِ الأعمى الذي جاءَ إلى النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) مسلمًا ، ولم يصحبْهُ ، ولم يجالسْهُ ؛ في عبارةِ البخاريِّ نظَرٌ .
فالعبارةُ السالمةُ مِنَ الاعتراضِ أنْ يقالَ: الصحابيُّ مَنْ لقيَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) مسلمًا ثمَّ ماتَ على الإسلامِ ؛ ليخرجَ مَنِ ارتدَّ وماتَ كافرًا ، كابنِ خَطَلٍ ، وربيعةَ بنِ أميةَ ، ومِقْيَسِ بنِ صُبَابَةَ ، ونحوهم . وفي دخولِ مَنْ لقيهُ مسلمًا ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسلمَ بعدَ وفاةِ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الصحابة نظرٌ كبيرٌ ، فإنَّ الرِّدَّةَ مُحبِطةٌ للعملِ عندَ أبي حنيفةَ ، ونصَّ عليهِ الشافعيُّ في"الأمِّ"، وإنْ كانَ الرافعيُّ قدْ حكى عنهُ: أنَّها إنَّما تُحْبَطُ بشرطِ اتصالها بالموتِ ، وحينئذٍ فالظاهرُ أنَّها محبطةٌ للصُّحْبَةِ المتقدمةِ ، كقُرَّةَ بنِ هُبَيْرةَ ، وكالأشعثِ بنِ قيسٍ .
أما مَنْ رَجَعَ إلى الإسلامِ في حياتِهِ ،كعبدِ اللهِ بنِ أبي سَرْحٍ، فلا مانعَ من دخولِهِ في الصُّحبةِ بدخولهِ الثاني في الإسلامِ ، واللهُ أعلمُ .
والمرادُ برؤية النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، رؤيتُهُ في حالِ حياتِهِ ، وإلاَّ فلو رآهُ بعدَ موتِهِ قبلَ الدفنِ ، أو بعدهُ ، فليسَ بصحابيٍّ على المشهورِ ، بلْ إنْ كانَ عاصَرَهُ ففيهِ الخلافُ الآتي ذِكْرُهُ . وإنْ كانَ وُلِدَ بعدَ موتِهِ فليستْ لهُ صحبةٌ بلا خلافٍ .
واحترزتُ بقولي: ( مسلمًا ) عمَّا لو رآهُ وهوَ كافرٌ ثم أسلمَ بعدَ وفاتِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فإنهُ ليسَ بصحابيٍّ على المشهورِ ، كرسولِ قيصرَ ، وقدْ خَرَّجَهُ أحمدُ في"المسندِ [5] "، وكعبدِ اللهِ بنِ صَيَّادٍ ، إنْ لَمْ يكنْ هو الدَّجالُ. [6] وقد عدَّهُ في الصحابةِ ، كذلكَ أبو بكرِ بنُ فتحونَ في ذيلِهِ على"الاستيعابِ". وحُكيَ: أنَّ الطبريَّ، وغيرهُ ترجمَ بهِ هكذا. [7]
وقولهم: مَنْ رأى النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، هلْ المرادُ رآهُ في حالِ نبوَّتِهِ ، أو أعمُّ مِنْ ذلكَ ؟ حتَّى يدخلَ مَنْ رآهُ قبلَ النبوةِ ، وماتَ قبلَ النبوةِ على دينِ الحنيفية كزيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ . فقد قالَ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"إنَّهُ يُبْعَثُ أمَّةً وحدَهُ" [8] . وقد ذكرَهُ في الصحابةِ أبو عبدِ اللهِ بنُ منده .
وكذلكَ لو رآهُ قبلَ النبوَّةِ ثمَّ غابَ عنهُ ، وعاشَ إلى بعدِ زمنِ البعثةِ ، وأسلمَ ثمَّ ماتَ ، ولمْ يرهُ . ولمْ أرَ مَنْ تَعرَّضَ لذلكَ ، ويدلُّ على أنَّ المرادَ: مَنْ رآهُ بَعْدَ نبوَّتِهِ أنَّهم ترجموا في الصحابةِ لمنْ وُلِدَ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) بعدَ النبوةِ ، كإبراهيمَ ، وعبد اللهِ ، ولم يترجموا لمنْ ولِدَ قبلَ النبوةِ وماتَ قبلها كالقاسمِ . وكذلكَ أيضًا ما المرادُ بقولهم: مَنْ رآهُ ؟ هلِ المرادُ رؤيتُهُ لهُ معَ تمييزهِ ، وعقلهِ ؟ حتى لا يدخلَ الأطفالُ الذينَ حَنَّكَهُمْ ولمْ يروهُ بعدَ التمييزِ ، ولا مَنْ رآهُ وهو لا يعقلُ ، أو المرادُ أعمُّ مِنْ ذلكَ ؟
ويدلُّ على اعتبارِ التمييزِ معَ الرؤيةِ ما قالَهُ شيخُنا الحافظُ أبو سعيدٍ بنُ العلائي في كتابِ"المراسيل"في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ: حنَّكهُ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ودعا لهُ [9] . ولا صحبةَ لهُ بلْ ولا رؤيةَ أيضًا ، وحديثهُ مرسلٌ قطعًا .
والقول الثاني: أنَّهُ مَنْ طالتْ صحبتُهُ لهُ ، وكثرتْ مجالستُهُ على طريقِ التَّبَعِ لهُ والأخذِ عنهُ .
حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ ، عنِ الأصوليينَ ، وقالَ: إنَّ اسمَ الصحابيِّ يقعُ على ذلكَ مِنْ حيثُ اللغةُ والظاهرُ ، قال: وأصحابُ الحديثِ يطلِقونَ اسمَ الصحبةِ على كلِّ مَنْ روى عنهُ حديثًا ، أو كلمةً ، ويتوسَّعُونَ حتَّى يَعدُّونَ مَنْ رآهُ رؤيةً مِنَ الصحابةِ ، قال: وهذا لِشَرَفِ منزلةِ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أَعطوا كلَّ مَنْ رآهُ حكمَ الصحبةِ .
هكذا حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ عن الأصوليينَ، وهوَ قولٌ لبعضهمْ ، حكاهُ الآمديُّ وابنُ الحاجبِ ، وغيرُهما . وبه جزمَ ابنُ الصبَّاغِ في"العدَّةِ"فقالَ: الصحابيُّ هوَ الذي لقِيَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وأقامَ عندَهُ ، واتَّبَعَهُ ، فأمَّا مَنْ وَفِدَ عليهِ وانصرفَ عنهُ منْ غيرِ مصاحبةٍ ، ومتابعةٍ ، فلا ينصرفُ إليهِ هذا الاسمُ . وقالَ القاضي أبو بكرِ بنُ الطيبِ الباقلانيُّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصحابيَّ مشتقٌ منَ الصحبةِ ، وأنَّهُ ليسَ بمشتقٍ مِن قدرٍ منها مخصوصٍ ، بلْ هوَ جارٍ على كلِّ مَنْ صَحِبَ غيرَهُ قليلًا كانَ ، أو كثيرًا ، يقالُ: صحِبْتُ فلانًا حولًا ودهرًا وسنةً وشهرًا ويومًا وساعةً ، قالَ: وذلكَ يوجبُ في حكمِ اللغةِ إجراءها على مَنْ صحِبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ساعةً مِن نهارٍ . هذا هوَ الأصلُ في اشتقاقِ الاسمِ . ومعَ ذلكَ فقد تقررَ للأئمةِ عرفٌ في أنَّهُمْ لا يستعملونَ هذهِ التسميةَ إلاَّ فيمَنْ كَثُرَتْ صحبتُهُ ، واتَّصَلَ لقاؤُهُ . ولا يُجْرُونَ ذلكَ على مَنْ لقِيَ المرءَ ساعةً ،
ومشى معهُ خُطًى وسمعَ منهُ حديثًا . فوجبَ لذلكَ ألاَّ يجريَ هذا الاسمُ في عرفِ الاستعمالِ إلا على مَنْ هذهِ حالهُ .
وقالَ الآمديُّ: الأشبهُ أنَّ الصحابيَّ مَنْ رآهُ وحكاهُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأكثرِ أصحابنا ، واختارهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا ؛ لأنَّ الصحبةَ تعمُّ القليلَ والكثيرَ ، نَعَم .. في كلامِ أبي زُرْعَةَ الرازيِّ ، وأبي داودَ ما يقتضي: أنَّ الصحبةَ أخصُّ منَ الرؤيةِ ، فإنهما قالا في طارقِ بنِ شهابٍ: لهُ رؤيةٌ ، وليستْ لهُ صحبةٌ [10] . وكذلك ما رويناه عن عاصمٍ الأحولِ قال: قدْ رأى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) غيرَ أنَّهُ لم تكنْ لهُ صحبةٌ [11] ، ويدلُّ على ذلكَ أيضًا ما رواهُ محمدُ بنُ سعدٍ في"الطبقاتِ"عن عليِّ بنِ محمدٍ عن شعبةَ ، عن موسى السيلانيِّ ، قال: أتيتُ أنسَ بنَ مالكٍ ، فقلتُ: أنتَ آخرُ مَنْ بقيَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ؟ قالَ: قدْ بقيَ قومٌ مِنَ الأعرابِ ، فأمَّا مِنْ أصحابهِ فأنا آخرُ مَنْ بقيَ انتهى [12] .
قال ابنُ الصلاحِ [13] : إسنادُهُ جيِّدٌ حدَّثَ بهِ مسلمٌ بحضرةِ أبي زُرْعَةَ .
والجوابُ عن ذلكَ: أنَّهُ أرادَ إثباتَ صحبةٍ خاصةٍ ليستْ لتلكَ الأعرابِ، وكذا أرادَ أبو زُرْعَةَ وأبو داودَ نفيَ الصحبةِ الخاصةِ دونَ العامةِ .
وليسَ هو الثبتُ الذي عليهِ العملُ عندَ أهلِ الحديثِ والأصولِ .
والقولُ الثالثُ: وهوَ ما رويَ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّهُ كانَ لا يعدُّ الصحابيَّ إلاَّ مَنْ أقامَ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سنةً أو سنتينِ ، وغزا معهُ غَزْوةً أو غزوتينِ .
قالَ ابنُ الصلاحِ [14] :"وكأنَّ المرادَ بهذا إنْ صحَّ عنهُ راجعٌ إلى المحكيِّ عنِ الأصوليينَ ؛ ولكنْ في عبارتِهِ ضيقٌ يوجبُ ألاَّ يُعَدَّ مِنَ الصحابةِ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَليُّ ومَنْ شارَكَهُ في فَقْدِ ظاهرِ ما اشترَطَهُ فيهم ، ممَّنْ لا نعلمُ خلافًا في عدِّهِ من الصحابةِ".
قلتُ: ولا يصحُّ هذا عن ابن المسيِّبِ . ففي الإسنادِ إليهِ محمدُ بنُ عمرَ الواقديُّ ضعيفٌ في الحديثِ .
والقولُ الرابعُ: أنَّهُ يُشترطُ مع طولِ الصحبةِ الأخذُ عنهُ .
حكاهُ الآمديُّ عن عمرِو بنِ يحيى ، فقال [15] : ذهبَ إلى أنَّ هذا الاسم إنَّما يسمى بهِ مَنْ طالتْ صحبتُهُ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) وأخذَ عنهُ العلمَ . وحكاهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا قولًا ، ولم يعزهُ لعمرِو بنِ يحيى ؛ ولكنْ أبدلَ الروايةَ بالأخذِ عنهُ ، وبينهما فرقٌ .
وعمرٌو هذا الظاهِرُ أنَّهُ الجاحظُ ، فقدْ ذكرَ الشيخُ أبو إسحاقَ في"اللمع": أنّ أباهُ اسمُهُ يحيى ، وذلكَ وهمٌ ، وإنَّما هو عمرُو بنُ بحرٍ أبو عثمان الجاحظُ من أئمةِ المعتزلةِ ، قالَ فيهِ ثعلبٌ: إنَّهُ غيرُ ثقةٍ ، ولا مأمونٍ [16] ،ولم أرَ هذا القولَ لغيرِ عمرٍو هذا. وكأنَّ ابنَ الحاجبِ أخذَ هذا القولَ مِن كلامِ الآمديِّ، ولذلكَ أسقطتُهُ منَ الخلافِ في حدِّ الصحابيِّ تبعًا لابنِ الصلاحِ .
والقولُ الخامسُ: أنَّهُ مَنْ رآهُ مسلمًا بالغًا عاقلًا .
حكاهُ الواقديُّ عن أهلِ العلمِ فقالَ: رأيتُ أهلَ العلمِ يقولونَ: كلُّ مَنْ رأى رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وقدْ أدركَ الحلمَ ، فأسلمَ ، وعقلَ أمرَ الدينِ ورضيهُ فهوَ عندنا ممَّنْ صحبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولوْ ساعةً من نهارٍ ، انتهى . والتقييدُ بالبلوغِ شاذٌّ .
والقول السادس: أنَّه مَنْ أدركَ زمنَهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهو مسلمٌ ، وإنْ لم يرَهُ .
وهو قولُ يحيى بنِ عثمان ابن صالحٍ المصريِّ فإنَّهُ قال: وممَّنْ دُفِنَ ، أي: بمصرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ممَّن أدركهُ ولمْ يسمعْ منهُ أبو تميمٍ الجيشانيُّ ، واسمهُ عبدُ اللهِ بنُ مالكٍ [17] انتهى.
وإنَّما هاجرَ أبو تميمٍ إلى المدينةِ في خلافَةِ عمرَ باتفاقِ أهلِ السِّيَرِ. وممَّنْ حكى هذا القولَ منَ الأصوليينَ القرافيُّ في"شرح التنقيح"وكذلكَ إن كانَ صغيرًا محكومًا بإسلامهِ تبعًا لأحدِ أبويهِ ، وعلى هذا عملَ ابنُ عبدِ البرِّ في"الاستيعاب"وابنُ منده في"معرفةِ الصحابةِ"، وقدْ بيَّنَ ابنُ عبدِ البرِّ في ترجمةِ الأحنفِ بنِ قيسٍ: أنَّ ذلكَ شرطُهُ .
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ في مقدمةِ كتابهِ: وبهذا كلِّهِ يستكملُ القَرْنُ الذي أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) على ما قالهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى صاحبُ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) . يريدُ بذلِكَ تفسيرَ القَرْنِ .
قلتُ: وإنَّما هوَ قولُ زُرَارةَ بنِ أوفى من التابعينَ: القَرْنُ مائةٌ وعشرونَ سنةً ، وهكذا رواهُ هوَ قبلَ ذلكَ بأربعِ ورقاتٍ، كلُّ ذلكَ في مقدمةِ"الاستيعابِ". وقد اختلفَ أهلُ اللغةِ في مُدَّةِ القَرْنِ ، فقالَ الجوهريُّ: هوَ ثمانونَ سنةً ، قالَ: ويقالُ ثلاثونَ . وحكى صاحبُ"المحكمِ"فيهِ ستةَ أقوالٍ: قيلَ: عشرُ سنينَ ، وقيلَ: عشرونَ ، وقيلَ: ثلاثونَ ، وقيلَ: ستونَ ، وقيلَ: سبعونَ ، وقيلَ: أربعونَ ، قالَ: وهوَ مقدارُ أهلِ التوسطِ في أعمارِ أهلِ الزمانِ ، فالقرنُ في كلِّ قومٍ على مقدارِ أعمارهم .
فعلى هذا يكونُ ما بينَ الستينَ والسبعينَ ، كما رواهُ الترمذيُّ (3896 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « أَعْمَارُ أُمَّتِى مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
وأما ابتداءُ قرنِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) فالظاهرُ أنَّهُ من حينِ البعثةِ ، أو من حينِ فُشُوِّ الإسلامِ . فعلى قولِ زرارةَ بنِ أوفى قد استوعبَ القرنُ جميعَ مَن رآهُ ، وقد روى ابنُ مَنْدَهْ في"الصحابةِ"من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ مرفوعًا:"القرنُ مائةُ سنةٍ".
(1) - الاستيعاب في أسماء الأصحاب: 1: 8.
(2) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 204)
(3) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (109)
(4) - صحيح البخارى 1 - باب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . ( 29 ) وَمَنْ صَحِبَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ .
(5) - مسند أحمد ( 17148و17149) وحديثه حسن
(6) - قلت قطعًا ليس هو الدجال ، ففي صحيح مسلم ( 7534 ) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ - قَالَ - فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ - قَالَ - وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِى. فَقُلْتُ إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ - قَالَ - فَفَعَلَ - قَالَ - فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ فَقَالَ اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ. فَقُلْتُ إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ. مَا بِى إِلاَّ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ - أَوْ قَالَ آخُذَ عَنْ يَدِهِ - فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِىَ النَّاسُ يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِىَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا خَفِىَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « هُوَ كَافِرٌ » . وَأَنَا مُسْلِمٌ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « هُوَ عَقِيمٌ لاَ يُولَدُ لَهُ » . وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِى بِالْمَدِينَةِ أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلاَ مَكَّةَ » . وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ.ثُمَّ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الآنَ. قَالَ قُلْتُ لَهُ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ.
(7) - انظر الإصابة ( 6614 )
(8) - هو في مسند البزار ( 1331) مطولا وسنده حسن
(9) - انظر ترجمته في الإصابة (6173 )
(10) - وفي التقريب ( 3000 ) طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي قال أبو داود رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ع
(11) - وفي التقريب ( 3345 ) عبد الله بن سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة المزني حليف بني مخزوم صحابي سكن البصرة م 4
(12) - تهذيب الكمال للمزي (ج 3 / ص 376) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق (ج 10 / ص 190)
(13) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 2 / ص 484)
(14) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 2 / ص 484) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي (ج 1 / ص 52)
(15) - الإحكام في أصول الأحكام (ج 1 / ص 336) والتقرير والتحبير (ج 4 / ص 167) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى (ج 3 / ص 24)
(16) - وفي سير أعلام النبلاء (11/527) (149) الجَاحِظُ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرٍ العَلاَّمَةُ، المُتَبَحِّرُ، ذُوْ الفُنُوْنَ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرِ بنِ مَحْبُوْبٍ البَصْرِيُّ، المُعْتَزِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. وقال بنهاية ترجمته:قُلْتُ: كَفَانَا الجَاحِظُ المَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الحَدِيْثِ إِلاَّ النَّزْرَ اليَسِيْرَ، وَلاَ هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الحَدِيْثِ، بَلَى فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلاَّمَةٌ، صَاحِبُ فُنُوْنٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ - عَفَا اللهُ عَنْهُ -. وانظر تاريخ الإسلام للذهبي (ج 4 / ص 431) ت 344
(17) - انظر الإصابة (9642 ) وفي الثقات للعجلي ( 2104 ) أبو تميم الجيشاني مصرى تابعي ثقة