المطلب الثالث
هل تشترطُ المتابعة لتحسين حديث المقبول ؟
إن المطالبة بالمتابعة إنما تكون لتقوبة سند ما ، فيه ضعف ما ، وليست حكمًا عاما في الراوي ، فلا تشترط المتابعة إلا لسدِّ خلل ما في رواية بعينها ، وهذا الخلل قد يكون من الثقة ، وحتى من الحافظ الثبت ، ومن باب أولى من الصدوق أو الصدوق الذي يهم .
فالحافظ الثبت إذا اختلط اشترطت المتابعة له إذا وقعت الرواية عنه ممن روى عنه بعد الاختلاط ، وكذلك الثقة المدلس إذا عنعن ، وكذلك الثقة إذا وهم أو أخطأ , ، وكذلك الثقة صاحب البدعة إذا روى ما ينصر بدعته .
وهكذا ، فإن المتابعة تشترط لعلاج خلل طارئ على السند في رواية خاصة ٍ ، وليست حكما عاما في الراوي .
وقد تقدم من أمثلة هذا المبحث أن ابن حجر وغيره حسَّنوا أحاديث بعض المقبولين من غير المطالبة بالمتابعة .
فقد حسَّن البخاري حديث البراء بن عازب في صفة راية النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تفرد به يونس بن عبيد ، وهو مقبول . [1]
وحسَّن ابن حجر حديث عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: « لَىُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ » . وقد تفرد به محمد بن ميمون وهو مقبول [2]
وحسَّن ابن حجر حديث علي في صفة الصلاة ، وقد تفرد به غزوان بن جرير عن أبيه ، وكلاهما مقبول . [3]
ولا بأس أن نختم هذا المبحث بالمثال وهو حديث علي كما في المعجم الكبير للطبراني ( 181) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ ، ثنا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ مُنْبِتَةٌ للشِّعْرِ مُذْهِبَةٌ لِلْقِذَا ، مُصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ". وعون هذا ذكره ابن أبي حاتم وقال: ورى عن أبيه عن جده ، روى عنه يونس بن راشد ومحمد بن موسى وعبد الملك بن أبي عياش ..اهـ [4] ولم يذكر فيه جرحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات وسكت عنه [5] ، وقال الهيثمي في مجمع ( 8353 ) عقب هذا الحديث: ، وَفِيهِ عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَلَمْ يَجْرَحْهُ أَحَدٌ ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ""
قلت: فهذا ليس له من الحديث إلا القليل ، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ، وهذا شرط المقبول عند ابن حجر ، وهذا الحديث الذي رواه عن أبيه عن جده تفرد به ، ولم يشاركه فيه أحد .
وقال الطبراني:"لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِهِ: النُّفَيْلِيُّ"
وقال أبو نعيم:"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا ابْنُهُ عَوْنٌ ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا يُونُسُ" [6]
وبعد كلِّ هذا نقول: إن هذا الحديث حسَّنه المنذري في الترغيب والترهيب [7] ، وحسَّنه ابن حجر في فتح الباري [8] ،وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي:"إسناده جيد".
قلتُ: فأين شرط المتابعة التي بها حسَّن ابن حجر هذا الحديث ؟ .
وبهذا نخلصُ إلى أن حديث المقبول حسنٌ لذاته ، سواء توبع أو لم يتابع ، والله أعلم" [9] ."
(قال علي) : وهذا المثال برأيي غير سديد ، وذلك لأن عونًا روى عنه جماعة ، وسكت عنه البخاري وأبو حاتم ، وذكره ابن حبان في الثقات ، ولم يطعن به أحد ، وحديثه هذا لم ينفرد به إلا من جهة أبيه ، وإلا فالحديث قد ورد من طرق أخرى صحيحة وحسنة ، وهو في سنن الترمذى (1862) عن ابن عباس وَقَدْ رُوِىَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ » . قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ لاَ نَعْرِفُهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ.
وفي سنن ابن ماجه (3624 ) حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنِى عثمان ابن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ » [10] .
(3625) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سليمان عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ » .
وفي مصنف ابن أبي شيبة (23951) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سليمان ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ ، فَإِنَّهُ يَشُدَّ الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ.
(23952) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قَالَ: حدَّثَنَا سفيان ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عثمان ابن خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: خَيْرُ أَكْحَالِكُمَ الإِثْمِدُ ، يَجْلُو الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ.
(26146) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سليمان ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالإثْمدِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَشُدُّ الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ. [11]
قلت: ولك أن تقول: صحيح إنه متابع ، ولكن الحافظ المنذري حسَّن إسناده وحده ، وحسنه الحافظ ابن حجر لذاته ، ولم يقل إنه حسنٌ لغيره ، حتى يكون هذا الاعتراض قي محلِّه .
(قال علي) : هذا الاعتراض صحيح من حيث المبدأ ، ولكن الحافظ ابن حجر رحمه الله ذكره ضمن عدة أحاديث في الموضوع نفسه ، بعضها صحيح وبعضها حسن ، وبعضها ضعيف ، لا سيَّما وأن الحافظ ابن حجر ، قد بين من حيث الجملة مقصده بهذه المرتبة أنه قليل الحديث ، لم يرو منكرات ، توبع ، فما هو المقصود بالمتابعة ؟
لا شك أن المقصود بها أن يروى الحديث من طرق أخرى سواء باللفظ أو بالمعنى.
وهذا الحديث انطبق تعريف المقبول عنده ، والمشكلة الأساسية هنا، أنه نصَّ في المرتبة السادسة على المقبول حيث توبع وإلا فهو ليُّن الحديث ،والحافظ ابن حجر رحمه الله حكم على الراوي بأنه (مقبول) ، وحكم على رواة آخرين باللين، ولم يفرد ليَّن الحديث بمرتبة خاصة ضمن المراتب الاثني عشر .
فما معنى ذلك ؟ .
لقد فهم من عبارة الحافظ ابن حجر كثير من علماء العصر أن من قال عنه مقبول يجب أن نبحث عن طرق وشواهد ومتابعات له ، فإن وجدنا حكمنا بحسنه ، وإلا حكمنا عليه بالضعف .
ولو دققنا مليًّا في كلام هؤلاء العلماء لوجدنا أنهم قد اتَّهموا الحافظ ابن حجر رحمه الله بالجهل - شعروا أم يشعروا - والسببُ في ذلك أننا أمام ثلاثة احتمالات:
الأول- أن الحافظ ابن حجر قد أفرد هؤلاء ( المقبولين ) بهذه المرتبة من مراتب التعديل، وهو يعلم أنهم توبعوا فحكم عليهم بهذا الحكم الخاص الذي تفرد به ، ومن ثمَّ فحديثهم حسَنٌ ، وذلك لأنه كان من أعلم علماء عصره بالجرح والتعديل ، وكتب في الرواة كلهم تقريبًا ، وكانت السنَّة النبوية بين يديه أكثر مما هي بين أيدينا اليوم ، فميَّز بين الراوي المتابع وبين الراوي غير المتابع ، وكفانا مؤتة البحث عن هؤلاء ، ويقوِّي هذا الرأي أنه قد حكم على رواة آخرين باللين نصًّا .
الاحتمال الثاني - أنه لم يبحث عن أحوالهم ووضع هذه القواعد للبحث عنهم لمن يأتي بعده من العلماء اللاحقين .
ويعترضُ على هذا الاحتمال وصف الحافظ ابن حجر بالجهل ، إذ كيف يسوغ له أن يقول عن راو بأنه ( مقبول ) وهو لا يعلم أنه يستحقُّ هذه المرتبة أم لا ؟!!
أليس في هذا تلبيسًا على من جاء بعده ؟!!
إذ لا بدَّ من البحث في كل راو قال عنه ذلك ، وعددهم كثير جدا.
الاحتمال الثالث- أن هذا الشرط الأخير وهو المتابعة بالمعنى الاصطلاحي يعتبر قيدا في حكم اللاغي تمامًا ، وذلك لأن أحاديثهم قليلة في الأصل لا تتجاوز رؤوس الأصابع ، لاسيَّما وأننا لو نظرنا في أحوال هؤلاء الرواة بشكل عام نجد أن الإمام البخاري قد سكت عليهم ، وكذلك أبو حاتم الرازي وأبو زرعة ، وذكرهم ابن حبان في الثقات ، وحسَّن لهم أو صحَّح الترمذي وابن حبان وابن خزيمة والحاكم والمنذري والعراقي والهيثمي وابن الملقن والبوصيري وسواهم ممن سبق الحافظ ابن حجر، وهم الذين يقول الحافظ الذهبي في الكاشف عن عديد منهم (وثِّقَ) .
والاحتمال الثاني هو أبعد هذه الاحتمالات واأضعفها ، على التحقيق ، ونحن نربأ بالحافظ ابن حجر - رحمه الله- أن ينزل إلى هذا المستوى بتاتًا .
وسوف نرى القول الفصل فيهم في المباحث التالية بعون الله تعالى .
(1) - انظر الفقرة (5) من الدليل الثالث من هذا المبحث
(2) - انظر الفقرة (1) من الدليل الرابع من هذا المبحث
(3) - انظر الفقرة (3) من الدليل الرابع من هذا المبحث
(4) - الجرح والتعديل [ ج6 - ص386 ] (2147)
(5) - الثقات 7/279 (10062)
(6) - الحلية (3802 )
(7) - الترغيب والترهيب للمنذري (3198)
(8) - فتح الباري لابن حجر (ج 16 / ص 223)
(9) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص (78-79)
(10) - وصححه الحاكم من حديثه (7462)
(11) - وانظر الصحيحة برقم ( 665 و724 و2642 ) وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الطرق في فتح الباري لابن حجر (ج 16 / ص 223) عند حديث علي