وقال ابن أبي زيد القيرواني المالكي في مقدمة رسالته المشهورة:"، وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ: أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، ثُمَّ عثمان ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَنْ لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ إلَّا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ ، وَيُظَنَّ بِهِمْ أَحْسَنُ الْمَذَاهِبِ .. [1] "
وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة:"ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم أجمعين والكف عن الذي جرى بينهم فمن سب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو واحدا منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة". وقال:"لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ثم يستتيبه فإن تاب قبل منه وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويرجع" [2] .
وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث:"ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم، وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه رضي الله عنهن والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين.". [3]
وقال ابن تيمية في كتابه العقيدة الواسطية:"وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ: « لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ » ."
وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ . مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ . فَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ - وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ - وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ { اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ -: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ } وَبِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَلْ قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْجَنَّةِ كَالْعَشَرَةِ وَكَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ وَيُثَلِّثُونَ بِعثمان وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى تَقْدِيمِ عثمان فِي الْبَيْعَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عثمان وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عثمان وَسَكَتُوا أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيِّ وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا ؛ لَكِنْ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عثمان وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عثمان وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّة لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا هِيَ"مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ"وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عثمان ثُمَّ عَلِيٌّ وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ .وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ويتولونهم وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: { أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي } وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ - وَقَدْ اشْتَكَى إلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ - فَقَالَ: { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي } وَقَالَ: { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ } .
وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْآخِرَةِ خُصُوصًا خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أُمُّ أَكْثَرِ أَوْلَادِهِ وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضَدَهُ عَلَى أَمْرِهِ وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ وَالصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -" { فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ } ."
وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ . وَمِنْ طَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلِ أَوْ عَمَلٍ وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ" [4] ."
وقال أبو زُرْعَةَ:"إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَنَا حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ" [5] "."
وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله في مقدمة كتاب تَثْبِيتُ الْإِمَامَةِ وَتَرْتِيبُ الْخِلَافَةِ عن الصحابة:"سَمَحَتْ نُفُوسُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَهْلِ وَالدَّارِ ، فَفَارَقُوا الْأَوْطَانَ ، وَهَاجَرُوا الإخوان ، وَقَتَلُوا الْآبَاءَ وَالْإِخْوَانَ ، وَبَذَلُوا النُّفُوسَ صَابِرِينَ ، وَأَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ مُحْتَسِبِينَ ، وَنَاصَبُوا مَنْ نَاوَأَهُمْ مُتَوَكِّلِينَ ، فَآثَرُوا رِضَاء الله عَلَى الْغِنَاء ، وَالذُّلَ عَلَى الْعِزِّ ، وَالْغُرْبَةَ عَلَى الْوَطَنِ . هُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أولئك هُمُ الصَّادِقُونَ حقًا ، ثُمَّ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ والإيثار ، أَعَزُّ قَبَائِلِ الْعَرَبِ جَارًا ، وَاتَّخَذَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَارَهُمْ أَمْنًا وَقَرَارًا ، الْأَعِفَّاءُ الصُّبْرُ وَالْأَصْدِقَاءُ الزُّهْرُ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فَمَنِ انْطَوَتْ سَرِيرَتُهُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَدَانَ اللَّهَ تَعَالَى بتِفَضْيلِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ ، وَتَبَرَّأَ مِمَّنْ أَضْمَرَ بغضهم ، فَهُوَ الْفَائِزُ بِالْمَدْحِ الَّذِي مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَقَالَ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ . . الْآيَةَ ."
فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّى اللَّهُ شَرْحَ صُدُورِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَبَشَّرَهُمْ بِرِضْوَانِهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَقَالَ: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ جَعَلَهُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَجَعَلَهُمْ مَثَلًا لِلْكِتَابِيِّينَ ، لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، خَيْرُ الْأُمَمِ أمته وخير الْقُرُونِ قَرْنه ، يَرْفَعُ اللَّهُ مِنْ أَقْدَارِهِمْ ، إِذْ أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ مِنْ صِدْقِهِمْ وَصِحَّةِ إِيمَانِهِمْ وَخَالِصِ مودَتِهِمْ ، وَوُفُورِ عَقْلِهِمْ ، وَنَبَالَةِ رَأْيِهِمْ ، وَكَمَالِ نَصِيحَتِهِمْ ، وَتبِين ِ أَمَانَتِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أَجْمَعِينَ"."
هذه نماذج من أقوال علماء أهل الحديث فيما يجب اعتقاده في حق خيار الخلق بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه ورضي الله عن الصحابة أجمعين. ومما ينبغي التفطن له أن القدح في هؤلاء الصفوة المختارة رضي الله عنهم قدح في الدين لأنه لم يصل إلى من بعدهم إلا بواسطتهم ويؤكد ذلك كلام أبي زرعة - رحمه الله - حين يقول:"وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"والطعن في الصحابة رضوان الله عليهم، إنما هو طعن في الإسلام، لأنهم نَقَلةُ هذا الدين إلينا، وشهوده عندنا، ولم يتلقه غيرهم، وهم مصدر معرفتنا بالدين وكتابه وسنته وسائر أحكامه والقدح فيهم لا ولن يضرهم شيئا بل يفيدهم كما في حديث المفلس ولا يضر القادح إلا نفسه فمن وجد في قلبه محبة لهم وسلامة من الغل لهم وصان لسانه عن التعرض لهم إلا بخير فليحمد الله على هذه النعمة وليسأل الله الثبات على هذا الهدى ومن كان في قلبه غلٌّ لهم وأطلق لسانه بذكرهم بما لا يليق بهم فليتق الله في نفسه وليقلع عن هذه الجرائم وليتب إلى الله ما دام باب التوبة مفتوحا أمامه قبل أن يندم حيث لا ينفعه الندم. {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (8) سورة آل عمران ، { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (10) سورة الحشر.
قلت:"فالطعن في الصحابة رضي الله عنهم طعن في مقام النبوة والرسالة، فإن كل مسلم يجب أن يعتقد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وقام بما أمره الله به، ومن ذلك أنه بلغ أصحابه العلم وزكاهم ورباهم على عينه. قال عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] ، والحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قام بما أمره الله به، والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم ومربيهم ومعلمهم صلى الله عليه وسلم، كما أن الطعن فيهم مدخل للطعن في القرآن الكريم، فأين التواتر في تبليغه؟ وكيف نقطع بذلك إذا كانت عدالة حملته ونقلته مشكوكًا فيها؟!"
ونحن حينما نصف صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما هم له أهل، فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا دينهم، وثبتوا على إيمانهم، ولم يغمطوا بكذب أو نفاق، فالمنافقون الذين كشف الله سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدون الذين ارتدوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعده، ولم يتوبوا أو يرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم؛ هؤلاء وأولئك لا يدخلون في هذا الوصف إطلاقًا، ولا تنطبق عليهم هذه الشروط أبدًا، وهم بمعزل عن شرف الصحبة، وبالتالي هم بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول العلماء والأئمة:"إنهم عدول". وفي تعريف العلماء للصحابي ما يبين ذلك بجلاء، حيث عرفوه بأنه من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به ومات على ذلك.
فالخلاصة أن تعديل الصحابة رضي الله عنهم أمر متفق عليه بين المسلمين، ولا يطعن فيهم إلاَّ من غُمص في دينه وعقيدته، ورضي بأن يسلم عقله وفكره لأعدائه، معرضًا عن كلام الله وكلام رسوله وإجماع أئمة الإسلام." [6] "
(1) - مجمل اعتقاد أئمة السلف (ج 1 / ص 64) ورسالة القيرواني (ج 1 / ص 23) والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ج 1 / ص 388)
(2) - السنة ص419 والدرر السنية كاملة (ج 1 / ص 235) وفتاوى يسألونك (ج 7 / ص 245)
(3) - اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث (ج 1 / ص 124) وعقيدة السلف أصحاب الحديث (ج 1 / ص 32)
(4) - شرح العقيدة الواسطية (ج 1 / ص 323) ومجموع الفتاوى (ج 3 / ص 152)
(5) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 104 )
(6) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة (ج 7 / ص 411) رقم الفتوى 47533 عدالة الصحابة محل إجماع تاريخ الفتوى: 29 صفر 1425