فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 78

أولا: يرى الخطيب البغدادي أن المجهول عند المحدثين هو (هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُشْتَهَرُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ , وَلَا عَرَفَهُ الْعُلَمَاءُ بِهِ , وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاو وَاحِدٍ , مِثْلُ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ وَجَبَّارٍ الطَّائِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَغَرَّ الْهَمْدَانِيِّ وَالْهَيْثَمِ بْنِ حَنَشٍ وَمَالِكِ بْنِ أَغَرَّ وَسَعِيدِ بْنِ ذِي جُدَّانَ وَقَيْسِ بْنِ كُرْكُمٍ وَخَمِرِ بْنِ مَالِكٍ , وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ , وَمِثْلُ سَمْعَأن ابن مُشَنَّجٍ وَالْهِزْهَازِ بْنِ مِيزَنٍ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا رَاوٍ إِلَّا الشَّعْبِيُّ , وَمِثْلُ بَكْرِ بْنِ قِرْوَاشٍ وَحَلَامِ بْنِ جَزْلٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا إِلَّا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ , وَمِثْلُ يَزِيدَ بْنِ سُحَيْمٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو , وَمِثْلُ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ , وَمِثْلُ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ , وَغَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا خَلْقٌ كَثِيرٌ تَتَّسِعُ أَسْمَاؤُهُمْ , وَأَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ كَذَلِكَ) [1]

ثانيًا: بينما يرى ابن الصلاح الشهرزوري أن المجهول من الرواة على ثلاثة أصناف وهم:

مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعًا .

المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور . ثم عرف المستور بقوله: قال بعض أئمتنا المستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا تعرف عدالته الباطنة .

المجهول العين . وقد أقر في حده ما ذكره الخطيب [2] .

ثالثًا: يذهب ابن حجر العسقلاني إلى أن المجهول من الرواة صنفان:

مجهول العين:- وهو من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق.

مجهول الحال:- وهو من روى عنه اثنان فأكثر ولم يوثق. [3]

رابعًا: بينما يذهب ابن حبان إلى أن الجهالة منحصرة في عين الراوي فمن انتفت عنه جهالة عينه فهو على العدالة إلى أن يثبت عكس ذلك . وكلامه هذا مبني على مذهبه في إثبات العدالة .

يقول ابن حبان:( فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس [4] أن يكون فوق الشيخ الذي ذكره رجل ضعيف لا يحتج بخبره .

أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته .

أو يكون مرسلًا فلا يلزم به حجة .

أو يكون منقطعًا .

أو يكون في الإسناد رجل مدلس . [5] .

التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره لان العدل من لم يعرف منه الجرح ... فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده ) [6]

غير أن العلماء لم يرتضوا منهج ابن حبان هذا يقول ابن حجر: ( وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه ) [7]

والذي يبدو والله أعلم - أن أقرب هذا الأقوال إلى الواقع هو ما ذكره ابن حجر . لأن ما ذكره الخطيب في حدِّه للمجهول بقوله: ( هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به) أمر فيه نوع من المرونة فإنه ليس كل من تصدَّى للحديث كان مشتهرًا ، ثم ما هو الحد الذي إذا وصل إليه المحدِّث كان مشتهرًا وإذا قصر عنه لم ينعت بالاشتهار .

أما ابن الصلاح فانه حينما صنف من كان مجهول العدالة إلى صنفين الأول مجهول العدالة ظاهرًا وباطنا والثاني مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر . وهو ما سماه بالمستور . فإني أرى أن هذا زيادة في التقسيمات والتعريفات . لأن جمهور العلماء قالوا: إن العدالة إنما تثبت بأشياء زائدة على الظاهر . وإنه يجب التحري ومحاولة سبر أغوار نفوس الرواة قبل الحكم على عدالتهم وعدم الاكتفاء بما يظهر من صلاحهم لخطورة ما يتعلق بهذا الحكم .

أما ابن حبان فان مذهبه هذا مخالف لما عليه الجمهور تبعًا لرأيه في إثبات العدالة وقد: صرح ابن حجر بأنه عجيب وإنه مخالف لجمهور المحدثين كما نقلنا عنه ذلك قبل قليل .

إذن فالمجهول أما أن يكون مجهول العين وأما أن يكون مجهول الحال أي العدالة . ولكل نوع من هاتين الجهالتين منهج للعلماء في التعامل معه . [8]

2-هل تقبل رواية المجهول ؟

قال الحافظ العراقي رحمه الله [9] :

"اختلفَ العلماءُ في قَبولِ روايةِ المجهولِ ، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ: مجهولِ العينِ ، ومجهولِ الحالِ ظاهرًا وباطنًا ، ومجهولِ الحال باطنًا ."

القسمُ الأولُ: مجهولُ العَيْنِ ، وهو مَنْ لم يروِ عنه إلا راوٍ واحدٌ . وفيه أقوالٌ:

الصحيحُ الذي عليه أكثرُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ ، وغيرِهم ، أنّهُ لا يقبلُ .

والثاني: يقبلُ مطلقًا.وهذا قولُ مَنْ لم يشترطْ في الراوي مزيدًا على الإسلامِ.

والثالثُ: إن كان المنفردُ بالروايةِ عنه لا يروي إلا عَنْ عَدْلٍ ، كابنِ مهديٍّ ، ويحيى بنِ سعيدٍ ، ومَنْ ذُكرَ معهُما ، واكتفينا في التعديلِ بواحدٍ قُبلَ ، وإلاّ فلا .

والرابعُ: إنْ كان مشهورًا في غيرِ العلمِ بالزُّهْدِ ، أو النَّجْدةِ قُبلَ ، وإلاّ فلا . وهو قولُ ابنِ عبدِ البرِّ ، وسيأتي نقلهُ عنه .

والخامسُ: إنْ زَكَّاه أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتعديلِ مع روايةِ واحدٍ عنهُ قُبل ، وإلاّ فلا . وهو اختيارُ أبي الحسنِ بنِ القطّانِ في كتابِ"بيان الوهمِ والإيهامِ".

والقسمُ الثاني: مجهولُ الحالِ في العدالةِ في الظاهرِ والباطنِ ، مع كونِهِ معروفَ العَيْنِ بروايةِ عدلينِ عنه . وفيه أقوالٌ:

أحدُها: وهو قولُ الجماهيرِ ، كما حكاهُ ابنُ الصلاحِ أنَّ روايتَهُ غيرُ مقبولةٍ.

والثاني: تقبلُ مطلقًا ، وإنْ لم تقبلْ روايةُ القسمِ الأولِ . قال ابنُ الصلاحِ: وقد يَقبلُ روايةَ المجهولِ العدالةِ مَنْ لا يَقبلُ روايةَ المجهولِ العينِ .

والثالثُ: إنْ كانَ الراويانِ ، أو الرواةُ عنه فيهم مَنْ لا يَروِي عن غيرِ عَدْلٍ قُبِلَ ، وإلاَّ فلاَ .

والقسمُ الثالثُ: مجهولُ العدالةِ الباطنةِ ، وهو عدلٌ في الظاهرِ ، فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ ، وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ ، قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ ، فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ ، فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ ، فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ.

قالَ ابنُ الصّلاحِ: ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم ، وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم ، واللهُ أعلمُ .""

وقال البزدوي [10] :

"وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْمَسْتُورِ كَالْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ أَهَمُّ فَلَا يَكُونُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا غَيْرُ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِيهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ"

وقال الإمام النووي رحمه الله [11] :

"وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُغَفَّلُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ , وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَنْ نَقْبَلُهُ ."

وَأَمَّا الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ , فَإِنْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ عَدْلَانِ اُشْتُرِطَتْ , وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ , قَالُوا: وَهُمَا جَارِيَانِ فِي رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , الْحَدِيثَ ( وَالْأَصَحُّ ) قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , وَكَذَا الْأَصَحُّ قَبُولُ قَوْلِهِ هُنَا وَالصِّيَامُ بِهِ , وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ الْأبانةِ وَالْعُدَّةِ وَالْمُتَوَلِّي""

وقال الآمدي رحمه الله [12] :

"المسألة الأولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية ،بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له."

وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفَى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا.

وقد احتج النافون بحجج الأولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات ،غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع ، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله فوجب أن لا يقبل ، ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق ومن ظهر إسلامه وسلم من الفسق ظاهرًا لا نسلِّم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقًا بدليل العدل المتفق على عدالته.

الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعًا لاحتمال مفسدة الكذب كالشهادة في العقوبات ، ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائمًا ظاهرًا غير أن احتمال الصدق مع ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا أظهر من احتمال الكذب ، ومع ذلك فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد ولا يمكن القياس على الشهادة ، لأن الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية ولهذا كان العدد والحرية مشترطًا في الشهادة دون الرواية ومتعبدًا فيها بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية ، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولًا ، وعلى هذا فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة اشتراط ذلك في الرواية.

الحجة الثالثة قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرطٌ في قبول الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى ، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار فلا تقبل أخباره دفعًا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلِّد اتباعه إجماعًا.

ولقائل أن يقول: المجمعُ على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا أو بمعنى آخر، والأول مسلم غير أن ما هو الشرط متحقق فيما نحن فيه ، والثاني ممنوع كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة ، وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع فالاعتبار بالمفتي غير ممكن، وذلك لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ، ولهذا كانت العدالة أغلب وقوعًا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله.

الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية فاعتبر فيه الخبرة الباطنية مبالغة في دفع الضرر كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول الشهادة.

ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في الحجة الثانية ، وبتقدير مناسبته فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم.

الحجة الخامسة قالوا: ردَّ عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة الحال وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة واشتهر ذلك فيما بين الصحابة ولم ينكره منكر فكان إجماعًا.

ولقائل أن يقول: أمَّا ردُّ عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر صدقها ولهذا قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ، وما نحن فيه ليس كذلك فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرًا فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه ، وأما ردُّ علي عليه السلام لخبر الأشجعي فإنما كان أيضًا لعدم ظهور صدقه عنده ولهذا وصفه بكونه بوالًا على عقبيه أي غير محترز في أمور دينه ، ويجب أن يكون كذلك وإلا كان مخالفًا لقوله صلى الله عليه وسلم. «إِنَّمَا نحكم بِالظَّاهِرِ ، وَالله يتَوَلَّى السرائر» [13]

والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي دليلًا ، والأصل عدم ذلك الدليل ، والمسألة اجتهادية ظنية فكان ذلك كافيًا فيها .

فإن قيل بيان وجود الدليل من جهة النص والإجماع والمعقول: أما النص فمن جهة الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات ، أمر بالتثبت مشروطًا بالفسق فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت فيه.

وأما السنة فمن وجهين: الأول قوله عليه السلام:"إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" [14] وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق فكان داخلًا تحت عموم الخبر الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه الأعرابي وقال أشهد أن لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده [15] قبل شهادته وأمر بالنداء بالصوم لما ثبت عنده إسلامه ولم يعلم منه ما يوجب فسقًا فالرواية أولى.

وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد والنسوان والأعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرًا.

وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق فكان خبره مقبولًا كإخباره بكون اللحم لحم مذكَّى ، وكون الماء طاهرًا أو نجسًا وكون الجارية المبيعة رقيقة ، وكونه متطهرًا عن الحدثين حتى يصح الاقتداء به ونحوه والثاني أنه لو أسلم كافر وروى عقيب إسلامه خبرًا من غير مهلة فمع ظهور إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه يمتنع رد روايته ، وإذا قبلت روايته حال إسلامه فطول مدته في الإسلام أولى أن لا توجب رده.

والجواب عن الآية أن العمل بموجبها نفيًا وإثباتًا متوقف على معرفة كونه فاسقًا أو ليس فاسقًا لا على عدم علمنا بفسقه ، وذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله ،وعن الخبر الأول من ثلاثة أوجه:

الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه لا بنفس النص المذكور ، والقياس عليه ممتنع لأن ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الاطلاع والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية غير متحقق في حق غيره.

الثاني أنه رتب الحكم على الظاهر وذلك وإن كان يدل على كونه علة لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلة.

الثالث المعارضة بقوله تعالى: { إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (36) سورة يونس ، وليس العمل بعموم أحد النصين وتأويل الآخر أولى من الآخر بل العمل بالآية أولى لأنها متواترة وما ذكروه آحاد.

وعن الخبر الثاني: لا نسلِّم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم من حال الأعرابي سوى الإسلام.

وعن الإجماع لا نسلِّم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا ردوا رواية من جهلوه كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس ورد علي شهادة الأعرابي.

وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع ؛ وذلك من وجهين:

الأول أن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى رتبة وأشرف منصبًا من الإخبار فيما ذكروه من الصور ، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما .

الثاني أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق ولا كذلك فيما نحن فيه.

وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله ، لاحتمال أن يكون كذوبًا وهو باق على طبعه .

وإن قبلنا روايته في مبدأ إسلامه فلا يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الإسلام ودوامه من رقة القلب وشدة الأخذ بموجباته والحرص على امتثال مأموراته واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب والتزمه ، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في دوامه.""

3-ما ترتفع به الجهالة:

بعد أن عرفنا الجهالة وأنواعها وأسباب ورودها بقي علينا أن نتعرف على منهج علماء الحديث فيما ترتفع فيه الجهالة عن الراوي . أو بعبارة أخرى ما هي الأمور التي إذا توفرت في الراوي زالت جهالته واشتهرت حاله .

وللجواب على هذا التساؤل نقول: ان لعلماء الحديث منهجًا في رفع الجهالة عن الراوي تبعًا لنوع الجهالة المتعلقة بالراوي . فما ترتفع به جهالة العين هو غير ما ترتفع به جهالة الحال وهما غير ما ترتفع به جهالة من أبهم اسمه وعينه

ويمكن إجمال مناهج العلماء في ذلك فيما يأتي:

أولا: ما ترتفع به جهالة العين:

والمقصود بجهالة العين أن الراوي لم يروِ عنه إلا واحد .

قال ابن حجر في ترجمة يحيى بن حرب المديني (قلت: قال ابن المديني: مجهول ما روى عنه غير موسى ) [16]

وقال ابن عدي (ولا أعلم أحدا يروي عنه غير مروان الفزاري وإذا روى عنه رجل واحد فهو شبه المجهول ) [17]

إذن فلا فرق عند العلماء بين مجهول العين أو شبه المجهول لأن كليهما لم يروِ عنهما إلا راويا واحدا .

ومن كان هذا حاله فان للعلماء فيما ترتفع به الجهالة عنه أقوالا:

ذهب الخطيب البغدادي إلى أن (أَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ كَذَلِكَ) [18] .

قال صاحب كتاب نصب الراية موافقا الخطيب فيما ذهب إليه: (وَإِنَّمَا يرتفع جَهَالَةُ الْمَجْهُولِ إذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَتَانِ مَشْهُورَانِ، فَأَمَّا إذَا رَوَى عَنْهُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ حُجَّةً، وَلَا ارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ، انْتَهَى.) [19] .

بينما ذهب فريق من العلماء كيحيى بن معين والذهبي وابن حجر في ،حد رأييه وغيرهم إلى أن جهالة العين ترتفع بأن يروي عنه اثنان فصاعدًا دون أن يشترط فيهما أن يكونا مشهورين في أهل العلم .

أخرج الخطيب البغدادي في الكفاية ( 227 ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَارِئُ , نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , يَقُولُ: إِذَا رَوَى عَنِ الْمُحَدِّثِ رَجُلَانِ ارْتَفَعَ عَنْهُ اسْمُ الْجَهَالَةِ قَالَ الْخَطِيبُ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ: فَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ عَدَالَتَهَ تَثْبُتُ بِذَلِكَ , وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ ) [20] .

وجاء في تعجيل المنفعة في ترجمة بركة بن يعلى التميمي (واستفدنا منهما أن لبركة راويين فارتفعت جهالة عينه والله المستعان ) [21] .

وجاء في تلخيص الحبير في ترجمة عبد الله بن بصير: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَصِيرٍ قِيلَ لَا يُعْرَفُ لِأَنَّهُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْهُ فَارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ عَيْنِهِ) [22] .

وذهب ابن حجر في رأيه الآخر إلى أن الراوي مجهول العين-وهو من لم يرو عنه إلا واحد-ينظر إلى ذلك الواحد الذي يروي عن ذلك المجهول . فإن كان من أئمة الحديث وحفاظهم عدَّ ذلك تعريفًا بعين ذلك الراوي:

(1) - الكفاية بَابُ ذِكْرِ الْمَجْهُولِ وَمَا بِهِ تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ الْمَجْهُولُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ

(2) -مقدمة ابن الصلاح/225-226 .

(3) -نزهة النظر/ابن حجر/50 .

(4) -يعني بالخصال الخمس ما يلي:

(5) - انظر الثقات لابن حبان ( 1/11)

(6) -الثقات لابن حبان (1/13 )

(7) -لسان الميزان/ابن حجر/1/14 . قلت: ولكن من الناحية العملية قوله هو الذي جرى عليه العمل في الأعم الأغلب ، فلم الإنكار عليه ؟!

(8) - جرح الرواة وتعديلهم (ج 7 / ص 1)

(9) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 114)

(10) - كشف الأسرار (ج 5 / ص 26)

(11) - المجموع شرح المهذب (ج 6 / ص 277)

(12) - الأحكام للآمدي (ج 2 / ص 78) والإحكام في أصول الأحكام (ج 1 / ص 324) فما بعد الشاملة 2

(13) - هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعلم من خرجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا ، وَسُئِلَ عَنهُ حَافظ زَمَاننَا جمال الدَّين الْمزي فَقَالَ: لَا أعرفهُ . وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» بَاب الحكم بِالظَّاهِرِ . ثمَّ أورد حَدِيث «إِنَّمَا أَنا بشر ...» وَقد أوردهُ الرَّافِعِيّ قبل هَذَا .البدر المنير (ج 9 / ص 590)

(14) - لا أصل له في المرفوع

(15) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلاَلَ -يَعْنِى رَمَضَانَ - فَقَالَ « أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا » .سنن أبى داود (2342) وصحح جمع إرساله

(16) -تهذيب التهذيب/ابن حجر 11/173 .

(17) -الكامل في ضعفاء الرجال/ابن عدي/3/389 .

(18) -الكفاية/ 111 .

(19) - نصب الراية (ج 2 / ص 39)

(20) - الكفاية - بَابُ ذِكْرِ الْمَجْهُولِ وَمَا بِهِ تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ

(21) -تعجيل المنفعة برجال الأئمة الأربعة/ابن حجر 1/50 .

(22) -تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير/ابن حجر/2/26 . وانظر البدر المنير (ج 9 / ص 282)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت