والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجوّل وأنفس تنفعل بما ترى، ووعي يلمّ بالأشياء ويحلّلها ويراقب الظواهر ويتفكّر بها.
والواقع أنه لا يمكن قراءة نصوص السفر الغربية إلى الديار المقدسة في فلسطين والأردن، أو إلى المناطق والأقاليم المجاورة، والشرق بصفة عامة، بمعزل عن جملة التطورات التي شهدها التاريخ الأوروبي في علاقته بالعرب والشرقيين عبر محطات كبرى (الحروب الصليبية، سقوط القسطنطنية، سقوط الأندلس، نشأة الاستعمار الحديث) وبالتالي فهي نصوص تأسرها النظرة الغربية المسبقة إلى الشرق والشرقيين. ولا يجوز عزل هذه النظرة أيضا عن استراتيجيات دول المركزية الغربية في التطلع نحو أراض وأسواق واستثمارات في الشرق، وذلك في ظل حراك إجتماعي، سياسي، علمي، اقتصادي، عسكري، إمبراطوري الطابع، ومن ثم حركة دؤوبة للبر جوازية الوليدة في مجتمعات دخلت عصور الصناعة الثقيلة وتحولت إلى مراجل أكول لم يكن ليكفيها ما تملكه من ثروة خاصة بها، فراحت عينها تتسع أكثر فأكثر على ثروات الشرق، وقد رافقها في الرحلة إليه وصافو الشرق من رسامين، ومستكشفين، ومغامرين عبر المدن والصحارى والجبال والسواحل قريبة وبعيدة عن عواصم الشرق.
بمتعة وحبّ اكتشاف للنظرة المختلفة يمكن قراءة جزء من نصوص الرّحالين الغربيين إلى الشرق والديار المقدسة، وبتحفظ وتنبه لما في السطور وبين السطور ووراء السطور يجب قراءة بقية الأجزاء. من دون إغفال أهمية هذه النصوص كوثائق عن رؤية الآخر لنا.