5.وموقف محمد بن الحسن هذا يؤكده عبارته المشهورة في العينة: (هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، ذميمٌ، اخترعه أكلة الربا) (20) . وهذا الذم لا يقتصر على العينة الثنائية، كما تأوله البعض، بل يشمل الوساطة بالتورق كما سبق صريحًا.
ملاحظات عامة
1.إن اتفاق هؤلاء العلماء على منع هذه المعاملة، مع تباين مناهجهم، ما بين أهل الرأي وأهل الحديث، وتعدد مدارسهم، ما بين المدينة إلى البصرة إلى الكوفة، يشير إلى أن منعها يستند إلى أصل صحيح يتفقون عليه جميعًا، ألا وهو منع العينة وذمها، إذ يقتضي هذا سد الباب أمام اتخاذ البيع ذريعة للحصول على النقد الحاضر بدين في الذمة أكثر منه.
وسبق أن الوكالة بالتورق إعانة ومساعدة للمحتاج للنقد، فإذا كانت ممنوعة دل ذلك على أن تحصيل النقد بهذا الطريق من العينة المذمومة شرعًا.
2.إن الفتاوى السابقة تمنع توسط البائع لتحصيل النقد حتى بدون تواطؤ أو اتفاق مسبق بين المتورق وبين البائع، كما يظهر من سياق النصوص المنقولة عنهم. وإذا كان هذا ممنوعًا مع غياب التواطؤ، فهو مع وجوده أولى بالمنع. والتورق المنظم بالصورة التي يطبق بها اليوم يظهر فيها التواطؤ ظهورًا لا مزيد عليه، فالقول بمنعه إذن آكد وأوجب.
3.إن قرار مجمع الفقه الإسلامي بمنع التورق المنظم، مع عدم اطلاع أعضائه فيما يبدو على أقوال السلف في هذا الخصوص، يشهد على كمال هذه الشريعة الغراء وربانيتها وعصمتها، فالكل يصدر عن مشكاة واحدة تعصم من تمسك بها عن الانحراف، وتهديه إلى المحجة البيضاء التي سار عليها السلف الصالح، مهما باعدت بينهم القرون وتطاولت بهم الأزمان.
4.وكون هذه المعاملة معروفة منذ القرن الأول الهجري، وكانت مواقف السلف منها بهذا الحسم والوضوح، دليل على أن مسيرة التمويل الإسلامي اليوم بحاجة لمراجعة جادة. فانتشار التورق المنظم والمصرفي تراجع وتقهقر للتمويل الإسلامي من جهتين: الأولى أن هذه الصيغة ممنوعة منذ القدم، وبدلًا من إيجاد صيغ وأدوات مشروعة، تتجه المؤسسات الإسلامية إلى الصيغ المشبوهة والممنوعة. الثانية أنها صيغة قديمة ليس فيها جديد، حتى لو غضضنا الطرف عن مدى مشروعيتها. إن منهج تصميم الأدوات والصيغ المالية السائد بحاجة حقيقية إلى إعادة نظر، والبحث عن منهجية أكثر إبداعًا، وفي الوقت نفسه أبعد عن الشبهات.
والله تعالى المسؤول أن يهدينا إلى الحق فيما اختلف فيه بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والحمد لله رب العالمين.
[1] انظر: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية، 6/614؛ القواعد النورانية، دار ابن الجوزي، ص173.
[2] الطبقات لابن سعد، دار بيروت، 5/141.
[3] المصنف لعبد الرزاق، المكتب الإسلامي، 8/294-295؛ المصنف لابن أبي شيبة، الدار السلفية، 7/275-276. وإسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب. ووقع عند عبد الرزاق"عبد الملك بن أبي عاصم"بدل"داود"، والترجيح من ابن أبي شيبة. ( وأشكر فضيلة الشيخ د. عبد الله بن وكيل الشيخ -حفظه الله- على مراجعته لإسناد الحديث) .
[4] انظر مثلًا: المدونة، ط. السعادة، 4/244-248؛ المنتقى شرح الموطأ للباجي، 5/80.
[5] فقد ذكر عبد الرزاق العينة الثنائية في باب: الرجل يبيع السلعة ثم يريد شراءها بنقد، 8/184، بينما ذكر أثر سعيد في باب: الرجل يعيّن الرجل هل يشتريها منه أو يبيعها لنفسه. أما ابن أبي شيبة فقد ذكر العينة الثنائية في باب: الرجل يبيع السلعة بالنقد ثم يشتريها، 6/593، كما ذكر العينة في 6/47، 573، بينما ذكر أثر سعيد في باب: الرجل يبيع الدين إلى أجل.
[6] المصنف 6/47.
[7] سير أعلام النبلاء 4/577، 573.
[8] المصنف 8/295. والرواية الأولى إسنادها صحيح. والرواية الثانية فيها"رزيق بن أبي سلمى"، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/505 وسكت عليه. وجاء في الأصل في الرواية الثانية:"إذا ابتعته"، والتصحيح من حاشية التحقيق.
[9] انظر المصنف لابن أبي شيبة 6/48، بيان الدليل لابن تيمية، المكتب الإسلامي، ص73.
[10] سير أعلام النبلاء 8/55-56.
[11] المدونة 4/125، بحث"التورق كما تجريه المصارف"د. عبد الله السعيدي، ص18.
[12] النوادر والزيادات 6/94، وانظر الذخيرة 5/15.
[13] راجع بحث الكاتب:"التورق والتورق المنظم": دراسة تأصيلية، ص10-14.
[14] كتاب الأصل، عالم الكتب، 5/192. وهناك زيادة أضافها المحقق للنص للإيضاح، حذفت هنا.
[15] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط بولاق، 4/54.
[16] رد المحتار، ط بولاق، 4/114.
[17] الجامع الصغير، ط. عالم الكتب، ص (373) ، ( وأشكر فضيلة الشيخ د. علي الندوي -حفظه الله- لمراجعته الموضوع) .
[18] انظر: طلبة الطلبة، دار النفائس، ص242؛ تبيين الحقائق،4/163؛ مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الكتب العلمية، 3/194. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود، انظر السلسلة الصحيحة رقم (11) .
[19] انظر بحث"التورق والتورق المنظم"، ص19.
[20] فتح القدير، دار إحياء التراث، 6/224.
عبد الله بن محمد العمراني 30/6/1424
اسم الكتاب: المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية
المؤلف: عبد الله بن محمد العمراني.
الناشر:دار ابن الجوزي
عدد الصفحات: 723
جاء الكتاب في مقدمة ، وتمهيد، وبابين، وخاتمة .
أما المقدمة فتشمل أسباب اختيار الموضوع ، ومنهج البحث وخطته.
وأما التمهيد ففي: حقيقة القرض ، وفضله ، وبيان الأصل فيه.
وأما البابان فهما على النحو التالي:
الباب الأول: حقيقة المنفعة في القرض وأحكامها وضوابطها. ضمن ثلاثة فصول: الأول حول: حقيقة المنفعة في القرض. عرض فيه لتعريف المنفعة في القرض ،وأنواعها ،ثم لنظرية الفائدة عند الاقتصاديين.
والفصل الثاني كان في: أحكام المنفعة في القرض .عرض فيه لأحكام المنفعة المشروطة ،وغير المشروطة في القرض ،وحكم عقد القرض مع اشتراط المنفعة .
في حين كان الفصل الثالث في: ضوابط المنفعة في القرض.
أما الباب الثاني فخصصه لذكر تطبيقات معاصرة للمنفعة في القرض. خلال خمسة فصول: الأول في:الودائع المصرفية.والثاني في: السندات .والثالث في: الاعتمادات المستندية. والرابع في: خصم الأوراق التجارية.والخامس والأخير في: جمعيات الموظفين.
وفي نهاية البحث ذكر خاتمة اشتملت أهم نتائج البحث التي توصل إليها وهي:
1.القرض هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله ، وقد دلت على فضله الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.
2.الأصل في القرض أنه من عقود التبرعات لا المعاوضات.
3.يمكن تعريف المنفعة في القرض بأنها الفائدة أو المصلحة التي تعود لأحد أطراف عقد القرض بسبب هذا العقد.
4.المنفعة في القرض أنواع متعددة باعتبارات متعددة ، ومن ذلك أن المنفعة في القرض باعتبار ذات المنفعة ثلاثة أنواع: عينية ، وعرضية ،ومعنوية . وباعتبار المنتفع بها أربعة أنواع، وهي: أن تكون للمقترض، أو للمقرض ، أو لهما معًا ، أو لطرف ثالث . وباعتبار الشرط وعدمه نوعان: مشروطة وغير مشروطة . إلى غير ذلك من الاعتبارات.
5.الفائدة في اصطلاح الاقتصاديين هي: الثمن الذي يدفعه المقترض مقابل استخدام نقود المقرض . ولقد نشط الاقتصاديون الغربيون في ابتكار نظريات لتبريرها.
6.اتفق العلماء على أنه لا يجوز اشتراط زيادة في بدل القرض للمقرض ، وأن هذه الزيادة ربا. وسواء أكانت الزيادة في الصفة أم في القدر ، عينًا أم منفعة ، ولم يفرقوا في الحكم بين اشتراط الزيادة في بداية العقد أو عند تأجيل الوفاء.