فهرس الكتاب

الصفحة 1159 من 1226

4-الأصل في الميسر أنه أقل حرمة من الربا إلا أنه قد يزيد عليه إذا اجتمعت فيه الشرور والمفاسد القطعية والكثيرة، لذا قال ابن تيمية:"فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس فيه إلا مجرد أكل المال بالباطل" (22) ، وقال أيضا:"فالربا في ظلم الأموال أعظم من القمار… فلو لم يكن في الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه، وقد أباح الشارع أنواعا من الغرر للحاجة" (23) ، وفي موضع آخر يقول:"وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج، وأما القمار فقد يحصل فضل وقد لا يحصل" (24) ، ويقول:"ومفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا (25) ، وبهذا يتبين أن القمار الذي ليس فيه إلا مجرد القمار أقل حرمة من الربا. بهذا السياق نصل إلى نقطة مهمة وهي: ما موقف التأمين مما سبق؟: عند تأملنا للتأمين نجد أنه مجرد مخاطرة بالمال مبنية على استفادة المؤمن عليه عند حصول الحادث المحتمل وقوعه، وخسارته قسطه عند عدم هذا الحادث وربح المؤمن في هذا الحال، فإذا علمنا خلو التأمين من المفاسد المنصوص عليها في الآية وهي الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وعدم وقوع العداوة والبغضاء به، خاصة إذا قام عقد التأمين على قواعد بنود واضحة وغير مجملة، وكان محررا من جهة (شرعية أنواعه) . لم تكن مشكلته حينئذ إلا مجرد القمار الذي يغمر في جانب الحاجة الماسة والمصلحة الراجحة، والقاعدة الفقهية تقول: لا يجوز تعطيل المصالح الغالبة خوفا من المفاسد النادرة، والقاعدة الأخرى: أغلب ما بني عليه الشرع جلب المصالح الظاهرة ودرء المفاسد البينة" (26) .

فكان النظر وقتها محصورا في مدى"الحاجة للتأمين"ومدى أرجحية مصلحته بالنسبة لمفسدته بناء على القاعدة التي ذكرتها وهي أن ما حرم سدا للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة. (1) الحظر والتأمين، د. رفيق المصري ( ص 57) .

(2) نفس المرجع (ص 33) .

(3) التأمين وأحكامه للدكتور سليمان الثنيان (ص 40) .

(4) نفس المرجع (ص 212 - 240) ، وبحث لبعض أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كما في مجلة البحوث (عدد 19) (ص 71 - 126) .

(5) القاموس المحيط (ص 598) .

(6) د. المصري - مرجع سابق - (ص 73) .

(7) المدونة، كتاب الغرر (255/3) .

(8) الإمام الشافعي (237/3) .

(9) انظر المبسوط للسرخسي (101/15) ، وتبيين الحقائق للزيلعي (132/4) .

(10) سورة البقرة (آية 219) .

(11) انظر تفسير الطبري (370/2) ، وأحكام القرآن للجصاص (450/1) ، والمصنف لابن أبي شيبة (280/5) (194/6) .

(12) مجموع الفتاوى (283/19) ، وانظر القواعد النورانية (ص 194) .

(13) المجموع (22/29) .

(14) إعلام الموقعين (266/3) .

(15) الفروع (430/4) .

(16) د. المصري - مرجع سابق - (ص66) .

(17) سورة المائدة (آية 91) .

(18) انظر الفتاوى الكبرى (30/4) .

(19) انظر القواعد الكبرى للعز بن عبدالسلام (123/1) ، (77/2) ، والفروق للقرافي (62/2) الفرق (58) ، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (298/22) ، و (46/29) ، و (228/32) ، وزاد المعاد لابن القيم (242/2) و بدائع الفوائد له (722/3) والقواعد للمقري (ق 146) .

(20) الفتاوى الكبرى (473/4) .

(21) نفس المرجع (472/4) .

(22) نفس المرجع.

(23) نفس المرجع.

(24) مجموع الفتاوى (341/20)

(25) القواعد الكبرى للعز (138/1) ، و (83/1) .

(26) انظر الهامش رقم (2) .

د.سامي بن إبراهيم السويلم 6/5/1426

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فبالرغم من كثرة ما كتب عن التأمين، إلا أن الفرق بين التأمين التجاري والتعاوني قد التبس على كثيرين، إلى درجة التسوية بينهما ونفي الفارق المؤثر. وقد أدى ذلك إلى موقفين متناقضين، فمن جهة يرى البعض أنه إذا كان التأمين التعاوني جائزًا، ولا فرق بينه وبين التجاري، فالتجاري إذن جائز. وذهب البعض إلى العكس: فإذا كان التأمين التجاري محرمًا، ولا فرق بينه وبين التعاوني، فالجميع إذن ممنوع. و"كلا طرفي قصد الأمور ذميم"كما قال الشاعر.

ولذلك عنيت هذه الورقة بإبراز أهم الفروق، الفقهية والاقتصادية، بين التأمين التجاري والتعاوني، وتتبع أسباب تحريم التأمين التجاري ومفاسده، وبيان انتفائها من التأمين التعاوني، مما يؤكد النتيجة التي قررها جماهير الفقهاء المعاصرين، من حرمة الأول ومشروعية الثاني. وتحدد الورقة عددًا من الضوابط للتأمين التعاوني تنأى به عن مفاسد التأمين التجاري. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رؤية شرعية اقتصادية في الشركات التأمينية التعاونية التجارية

د: يوسف الزامل * 9/1/1425

حيث لايزال الحوار قائمًا بين المهتمين المختصين حول شرعية الشركات التأمينية التي تجمع بين هدف الربح والتعاون في آن واحد؛ فيمكن أن نضع بعض المبادئ التي يمكن أن تكون جوهرية في تطوير التفاعل العلمي حول هذا المجال الحيوي كما في الفقرات التالية:

1-إن الشريعة لاتمنع أن يكون في عقد واحد (أوعقدين في مؤسسة واحدة) بيع (متاجرة) وإحسان وتعاون (كسلف أوهبة أوتعويض) .. وأما حديث النهي عن سلف وبيع؛ فحمله المحققون على أنه يتوجه إلى البيع المشروط بانتفاع أحد أطراف العقد (وهو البائع) بسلف إلى المشتري مع كسبه من البيع؛ فيدخل الربا.. وأما الانتفاع من كل الأطراف بيوع وأسلاف مشتركة المنافع بينهم بالتساوي مع عدم اشتراط إتمام السلف بالبيع أوالبيع بالسلف؛ فلا وجه لمنعه، ولذلك فالتأمين التعاوني التجاري لا يتطرق اليه المنع من هذا الوجه، ولا يلزم أن يكون التأمين تبرعًا محضًا لا تجارة فيه للمؤمن عليهم أو من يضارب معهم برأسماله.

2-أن الذين يمنعون التأمين التعاوني التجاري ويقيدونه بأنه يجب أن يكون تطوعيًّا محضًا لايرجع فيه إلى المؤمن عليهم ولا غيرهم رأس مال ولاربح؛ بل يخرجون كل ما يدفعونه من أقساط على أنه صدقة مرتبة … هذا الرأي مبني على مبدأ النظر إلى الشركاء على أنهم مستقلون عن بعضهم البعض وأنهم ( كل واحد منهم ) يعتبر في حالة معاوضة مع الآخر بشكل مستمر، وأن الشركة ليست إلا مظله لهذه المعارضات … وبالتالي فينتج من هذه النظرة إلى أنه يتحتم ألا يستفيد أي شريك من هذه المعاوضات من الشريك الآخر بأي زيادة وإلا صارت ربًا ، فلا تحل إلا إذا كانت على وجه التبرع المحض والخروج المطلق عن رأس المال والتخلي عن الملكية..

هذا المبدأ السائد بين الفقهاء يقابله مبدأ الشخصية المعنوية المستقلة للشركة والتي ينصهر فيها الشركاء؛ فلا تكون التصرفات تحتها ممثلة لأحد أو بعض الشركاء؛ بل للشركة بشخصيتها الاعتبارية الكلية المستقلة عن الشخصيات الطبيعية لكل شريك … وظاهر فتوى الفقهاء تدل على عدم قبول مبدأ الشخصية المعنوية المستقلة ذات الذمة المالية المتميزة عن ذمم الشركاء، ولعل السبب في عدم قبوله (ظاهرًا) هو أنه مبدأ جديد ارتبط بظهور الشركات الحديثة، بينما تقوم الفتاوى على أشكال الشركات في الفقه الاسلامي التاريخي ، والتي وإن كان لا يظهر في أي منها على حدة مبدأ الذمة والشخصية المعنوية المالية المستقلة. فإنه يستنبط من مجموعة قواعد عدد من هذه الشركات (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت