فهذا الكلام نقلته لبيان أن العلماء يرون أنه في مسألة مد عجوة ودرهم لا بد من انقسام أجزاء أحدهما على قيمة الآخر على طريقة القاضي.
أو انقسام قيمة الثمن على قيمة المثمن على طريقة ابن رجب.
وعلى كلٍ لا بد من هذا التقسيم.
وقد نقلت هذا للإيضاح كما سبق، وإلا فإن هذا التفصيل كله يتعلق بالرواية الأولى وهي المنع. ونأتي الآن إلى الرواية الثانية يقول ابن رجب:
"والرواية الثانية: يجوز ذلك بشرط أن يكون مع الربوي من غير جنسه من الطرفين، أو يكون مع أحدهما ولكن المفرد أكثر من الذي معه غيره نص عليه أحمد في رواية جماعة، جعلا لغير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابلة الزيادة , ومن المتأخرين كالسامري من يشترط فيما إذا كان مع كل واحد من غير جنسه من الجانبين التساوي جعلا لكل جنس في مقابلة جنسه، وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره، لا سيما مع اختلافهما في القيمة، وعلى هذه الرواية فإنما يجوز ذلك ما لم يكن حيلة على الربا، وقد نص أحمد على هذا الشرط في رواية حرب ولا بد منه . وعلى هذه الرواية يكون التوزيع هاهنا للأفراد على الأفراد، وعلى الرواية الأولى هو من باب توزيع الأفراد على الجمل، أو توزيع الجمل على الجمل" (11) .
إذًا على هذه الرواية ـ الجواز ـ يكون التوزيع للأفراد على الأفراد، أي نجعل غير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابلة الزيادة، كما تقدم عن ابن رجب، وإذا اختل هذا المبدأ حرمت المعاملة.
وإذا أردنا أن نطبق هذه المقابلة، أو التقسيم، على مسألتنا فإنه ينتج من ذلك عدم الجواز.
ولبيان ذلك أقول:
طرحت شركة الصحراء أسهمها للإكتتاب بقيمة (50) ريالًا للسهم الواحد (12) .
وصُرف جزء يسير من هذه ألـ (50) في شراء أعيان، أو منافع ولنفرض أنها تشكل 10% من قيمة السهم، فبقي من الأموال النقدية 45 ريالًا.
ثم ارتفعت قيمة الأسهم لتصل إلى (220) ريالًا للسهم الواحد.
فإذا أردنا تطبيق مبدأ مد عجوة ودرهم فنقول:
ألـ (45) ريالًا من الثمن أي (220) مقابل ألـ (45) من المثمن (النقد في الشركة) ويبقى من الثمن 220ـ45=175
فهذا المبلغ المتبقي من الثمن وهو (175) لا يمكن أن يكون كله مقابل الأعيان والمنافع فقط لما يلي:
-هذه الأعيان والمنافع لا يعرفها كثير من المساهمين أصلًا، بل كثير من الناس لا يعرف عن هذه الشركة إلا أنها ما زالت نقودًا، وإذا كان المساهمون الذين رفعوا السهم لا يعرفون فيه هذه الحقوق والمنافع، بل قد تكون معرفتهم بوجود النقد أكثر من معرفتهم بها، فكيف نجعل سبب إرتفاع الأسهم منحصرًا في أشياء لا يعرفونها، أو معرفتهم بها قليلة.
ـ هذه القيمة قد ترتفع أو تنزل في دقائق، مما يدل أنها قيمة سوقية للسهم كله، نقده، وأعيانه، وحقوقه؛ لأن قيمة هذه الأعيان والحقوق لن ترتفع في دقائق بمفردها، بل الذي يرتفع هو السهم بكل موجوداته العينية, والنقدية، وغيرها, ولا يوجد مطلقًا ما يدل على أن هذا الإرتفاع إنما هو في قيمة الأعيان والمنافع فقط, بل هذه غاية في البعد، عند تصور حقيقة المعاملة.
إذ إن القول بأن هذه الأسهم ارتفع سعرها نظرًا للموجودات غير النقدية, وسمعت الشركة, ونحو ذلك, قول بعيد عن حقيقة ما يقع في أسواق تداول الأسهم؛ فإن المساهمين في الغالب لا يعرفون شيئًا كثيرًا عن الشركات، لا سيما الحديثة منها، إنما يتحكم في إرتفاع سعر الأسهم أو هبوطها ما يجري على الأسهم من مضاربات بين المتداولين، أو ظهور الإشاعات، أو تحركات كبار المساهمين، ونحو هذه الأسباب.
والمضاربات هي العنصر الأهم في إرتفاع قيم الأسهم, والمضاربون يرفعون قيم الأسهم من خلال الأساليب المتنوعة في العرض والطلب، وذلك كله بعيدًا عن مراعات شئ معين من موجودات الشركة من الحقوق والمنافع والأعيان والنقود، فإذا ارتفع السهم فهو يرتفع بكل موجوداته ولا يقصد منها شيئًا معينًا
ولا أدل على ذلك من أن أسهم بعض الشركات ترتفع رغم إعلانها الخسارة ووجود انطباع سيء عن أدائها عند المساهمين، وهذا كله يفترض أن يؤدي إلى تدني قيم الحقوق والموجودات العينية، ولكن مع ذلك ترتفع أسهمها بسبب المضاربات السوقية.
ومع ما سبق ما الذي يجعلنا نفترض أن الزيادة في قيمة السهم في مقابل تلك الموجودات (الأعيان والحقوق والمنافع) فقط.
وقد عرفنا أن هذا الارتفاع سببه الحقيقي المضاربات على الأسهم، وهي لا تفرق بين موجودات الشركة من النقود، والحقوق، والأعيان، وغيرها فهي في الواقع مقابل السهم برمته نقده وموجوداته.
فالزعم أن سبب الارتفاع هوالموجودات غير النقدية فقط يخالف الواقع.
وخلاصة ما سبق أن هذا الارتفاع لا يقابل هذه الحقوق والمنافع فقط، بل يقابل السهم كله نقده وحقوقه ومنافعه.
ونخلص من هذا إلى أن جزء من هذا المبلغ المتبقي (أي ألـ 175) مقابل للنقد الموجود في الشركة بالإضافة إلى ألـ (45) الأولى من الثمن أي أنه اشترى (45) ريالًا بـ (45) وزيادة وهذا هو ربا الفضل.
وبهذا يتبين أنه حتى على القول بجواز مسألة مد عجوة ودرهم فإنها لا تنطبق على شركة الصحراء لعدم تحقق شرط الجواز على ما سبق تفصيله.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم بالصواب.
وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لمزيد من الدراسة حول الموضوع:
(حكم تداول أسهم الشركات التي في مرحلة التأسيس)
(1) وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة إن شاء الله.
(2) أي قبل بدء النشاط.
(3) القوانين الفقهية ص166، مغني المحتاج 2/28، المغني 6/93.
(4) أي كبيع سيف محلى بفضة فإن الفضة التي في السيف ليست مقصودة.
(5) الشرح الكبير مع الإنصاف 12/79.
(6) البناية 7/518، المبسوط 12/189, المغني 6/93، الإنصاف مع الشرح الكبير 12/79.
(7) الشرح الكبير 12/78.
(8) مجموع الفتاوى 29/452.
(9) هكذا في المطبوعة والمحققة ولعل صوابها: (أجزاء) وذكر في المحققة نسخة ( إجزاء ) هكذا.
(10) قواعد ابن رجب 2/478.
(11) قواعد ابن رجب 2/480.
(12) سيكون التطبيق على سهم واحد ليسهل فهم المسألة وتصورها.
المصدر: الإسلام اليوم
يحيى بن موسى الزهراني
الحمد لله الذي خلق العباد لعبادة رب العباد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم التناد ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نشر العدل والحب في أرجاء البلاد ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . . وبعد: