فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 1226

فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقر ما هو مقبول مباح شرعًا ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعًا حماية للدين وإصلاحًا للناس . وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل .

كما قال ابن القيم رحمة الله:"من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه ، أن يدله على ما هو عوض له منه ، فيسّد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه ، فمثالة من العلماء: مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء ، يحمي العليل عما يضره ، ويصف له ما ينفعه ، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ."

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (13) وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم" (14) "

إن البحث عن البديل المباح عند المنع من المحظور هو مهمة العالم الثقة وإذا لم يقم بهذا الدور العظيم فلربما يُعتلى من قبل خلاق لهم في العلم أو الورع فيسيروا بهم نحو الانحلال هروبًا من العنت والحرج زعموا.

وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثورى رحمة الله:"إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد" (15)

5-حكم الحاكم يرفع الخلاف

قال الزركشي رحمه الله:"قالوا حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف ، وهذا مقيد بما لا ينقض فيه حكم الحاكم ، أما ينقض فيه فلا" (16) ومدار نقض الحكم على تبين الخطأ، والخطأ إما في اجتهاد الحاكم في الحكم الشرعي حيث تبين النص أو الاجماع أو القياس الجلي بخلافه ويكون الحكم مرتبًا على سبب صحيح ، وإما في السبب كأن يكون الحكم مرتبًا على سبب باطل كشهادة الزور مثلًا .

والتأمين التعاوني الإلزامي فيه خلاف قوي بين العلماء فلماذا لا يترجح جوازه بناءً على ترجيح الحاكم له والإلزام به .

هذه بعض التأملات التي جالت في خاطري حول مسألة التأمين وأهمية الإجتهاد في معرفة حكمه بما يحقق مقاصد التشريع من طاعة الخالق وإسعاد الخلق بأحكام الله الباهرة والله أعلم وصلى الله على نبيه وآله وسلم .

(1) - انظر: البحر المحيط 2/ 48 ، الدر المنثور 1 / 350 ، المحرر الوجيز 1 / 255 .

(2) - رواه مالك في الموطأ، كتاب الجهاد ، باب الترغيب في الجهاد 2/443 .

(3) - المرافقات 2 / 233 .

(4) - انظر: قرار هيئة كبار العلماء في دورته العاشرة 4/4/1397هـ ؛ قرار المجمع الفقهي التابع للرابطة في دورته الأولى 1398م وقرار المؤتمر الثاني للمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 1406هـ .

(5) - انظر ما سبق من قرارت المجامع والهيئات السابقة الذكر ، الاقتصاد الإسلامي للسالوس 1 / 455 ؛

مجلة المجمع الفقهي للرابطة العدد ( 11 ) ص 243 ، 256 ؛ مجلة الفقه الإسلامي العدد الثاني 2 /457 - 731

(6) - انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 449 ؛ إعلام الموقعيين لاين القيم 3/109 .

(7) - اعلام الموقعين 4/170 ، 171 .

(8) - فقة الضرورة وتطبيقاته المعاصرة ، آفاق وأبعاد . د. عبدالوهاب أبوسليمان ص 140 .

(9) - الأشباه والنظائر ص 71 .

(10) - انظر: رفع الحرج لابن حميد ص 261 .

(11) - الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 92 .

(12) - انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 88 ، 89 .

(13) - أخرجه البخاري في صحيحه ينحوه ، كتاب الاحكام ، باب بطانة الإمام وأهل مشورته رقمه ( 6659 ) .

(14) - إعلام الموقعين 4 /122 ؛ انظر:المجموع للنووي 1 / 87 ،83 ؛ الفتوي في الاسلام للقاسمي ص 83 (15) - جامع بيان العلم وفضله 1/784 .

(16) - المنثور في القواعد 2/69.

منصور بن تركي المطيري 11/3/1423

خلال السنوات العشر المنصرمة وأنا في بداية التكوين العلمي سواء من خلال الدراسة النظامية في المعهد العلمي والكلية ثم المعهد العالي للقضاء أو من خلال الدراسة على الشيخ محمد ابن عثيمين - رحمه الله -، ما زلت مقتنعا بجوانب من الكلام على موضوع التأمين التجاري، لكن كنت أعتقد أن هناك جوانب تمثل خللا يحتاج إلى مزيد بحث ونظر.

وبعد مدة من إمعان النظر - خاصة وقد تزايدت الحاجات إلى النظر المباشر في مسألة التأمين، وتغيرت كثير من الظروف التي تدعو إلى بيان شاف في حكم التأمين - وجدت أن كثيرا من القضايا المتعلقة بحكم التأمين لا يزال فيها أخطاء علمية لم أجد من وضحها، كما أن هناك بعض المسائل والأدلة لم يشر إليها ولم يمعن النظر فيها لذا سعيت إلى إظهارها وإبرازها، ولا شك أن مسألة التأمين مسألة حادثة في العصور المتأخرة وفي الوقت نفسه شائكة ومشكلة نوعا ما.

والتأمين يأخذ ثلاث صور وأنواع رئيسة هي التأمين الخيري، والتأمين التعاوني، والتأمين التجاري (1) ، حيث يقوم الخيري على مبدأ الزكاة والصدقة، والدافعون له هم الأغنياء، والمستفيدون منه هم الفقراء. وأما التعاوني فيقوم على اشتراك جماعة من الناس في دفع أقساط يؤديها الجميع ومن خلالها يمكن استفادة أي منهم بهذه المبالغ عند حصول الحادث أو الضرر، وتدير هذا التأمين جمعية تعاونية، أما التجاري فهو مثل التعاوني إلا أنه يهدف إلى الربح، وتديره شركة ربحية تجارية.

فالتأمين الخيري متفق على مشروعيته على تفاصيل أحكامه المعروفة في كتب الفقه، والتعاوني أجازه الكثيرون ومنعه البعض - وممن أجازه هيئة كبار العلماء. والتجاري وهو موضوع حديثنا مختلف فيه بين العلماء، ومن الأمور التي لاحظتها في الكلام على هذا النوع من التأمين هو التزايد في التدليل من كلا الطرفين المبيحين مطلقا والمانعين مطلقا، كما أني لاحظت وجود حق في أدلة كل فريق، وعليه سأظهر الرأي الوسط في هذا المقال المختصر والذي يأخذ بكل حق عند الآخر وتبيين ما عنده من خطأ بقدر الإمكان، والذي أعتقد أن الاهتمام به وتفعيله سيؤدي إلى تقريب كبير لوجهات النظر المتباينة.

حقيقة التأمين التجاري

أريد أن أبين هنا أن كلامي في هذا المقال منصب على حكم جوهر التأمين وذاته، ولست أقصد الكلام على عقود شركات التأمين الحالية التي يتضمن كثير منها مخالفات شرعية سواء في الشروط أو في بعض أنواع التأمين التي يقول بمخالفتها للشريعة حتى القائلون بإباحة التأمين مطلقا، والتأمين اصطلاح عربي حديث، يقابل في الاصطلاح الفرنسي (Assurance) والإنجليزي: (Insurance) ويعني تحقيق الأمان، والأمان بالفرنسية (Securite) وبالإنجليزية (Security) ومن هذين اللفظين دخلت كلمة (سوكرة) أو (سوكرتاة) إلى بعض الجهات العالمية في مثل الشام (2) وقد استخدمت في بعض البحوث القديمة.

وتعريفه القانوني كما عرفه بعض الباحثين فقال: هو التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له أو لمن يعينه عند تحقيق حادث احتمالي مبين في العقد مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه (3) .

التأمين التجاري قمار وغرر ولكن…

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت