فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 1226

الزاوية الأولى: عدم الاعتراف بالشخصية القانونية المستقلة للشركات، وعدم اعتبار أن لها ذمة مالية مستقلة.. بل ينظر إليها كثير من المتفقهين وطلبة العلم على أنها (تجمع) ، لكنه مع ذلك عبارة عن أشخاص طبعيين مستقلين بعضهم عن بعض، لا تنبثق عنهم شخصية اعتبارية (معنوية) جديدة قائمة بذاتها، بل تنعكس تصرفات الشركة المالية وغير المالية مباشرة على الشخصية والذمة المالية المستقلة، فلا يتولد إذًا من مجموع ذممهم المالية ذمة مالية جديدة مستقلة عن أشخاصهم الطبعيين. لذلك فإن كلًا من الفريقين المتقابلين يفترض تساوي التأمين التعاوني التجاري مع التأمين التجاري التقليدي من حيث القابلية للغرر أو عدمها. فكلا النوعين من الشركات -في نظر الفريقين- عبارة عن مجموعة شركاء يجري بينهم التقابل والمواجهة، إما مع شركائهم أو مع عملائهم، إذ إن كل شريك طرف مستقل في شركته عن شركته، فهو على ذلك إما غانم وإما غارم -في نظر من يرى الغرر فيها- (المانع المطلق) ، وإما متاجر منتفع متكسب في نظر من لا يرى الغرر (المؤيد المطلق) . لذلك يقوم الفريق (المؤيد المطلق) -لإباحة جميع أنواع التأمين- بسرد جميع أوجه الشبه بين التأمين التجاري والتقليدي، والتامين التجاري التعاوني، ولا يرى فرقًا مؤثرًا للقول في اختلاف الحكم بينهما، وفي ذات الوقت يقوم الفريق (الرافض المطلق) لجميع أنواع التأمين التجاري التقليدي والتعاوني بسحب حكم الغررية على كل منها، مادام أنه يرى كل شركة عبارة عن هيئة شركاء يجتمعون لا على أنهم منصهرون في شخصية اعتبارية واحدة، بل على أنهم مجموعة شخصيات مستقلة في ذواتها ومالياتها، (وإن ظهرت في شكل هيئة واحدة) يسعى كل منهم للتبادل المالي والمادي مع الأطراف الآخرين (الشركاء) ، فهو إما غانم أو غارم.

فعدم قبول الشخصية القانونية المستقلة هو السبب الجوهري في عدم رؤية الفرق الجوهري والعلة المؤثرة من قبل (الفريق المؤيد المطلق) ، وهو أيضا السبب الرئيس في عدم قبول شركات تأمين تعاونية من قبل (الرافض المطلق) ، إلا إذا قامت على التطوُّع البحت الخالص الذي يتخلى فيه المتطوعون عن أموالهم التي يخرجونها كأقساط تبرع لا يعود إليهم شيء منها، فضلًا عن أن يحصل لهم منها أرباح تجارية. وبالتالي فلا ينبغي أن يحقق أي من الشركاء أي مكاسب إلا تغطية حوادثهم، أو حوادث غيرهم من الشركاء في الحقل الذي أرادوا تغطيته.

والخلاصة أنه لو قبل رأي كل من الفريقين هذا المبدأ في الشخصية المعنوية (الاعتبارية) -المستقلة عن الشركاء، وذات الذمة المالية المستقلة عنهم أيضًا، وهو الذي لا يسع الناس إلا قبوله في العصر الحاضر، (وكما أفتى بذلك العديد من المؤتمرات والمجامع الفقهية) - لأصبح الفرق بين التأمين التعاوني التجاري والتأمين التعاوني التقليدي جليًا واضحًا، ولأمكن إقامة شركات التأمين على أسس تجارية تعاونية تتحرك بفعاليات وكفاءة القطاع الخاص، ولا يترتب عليها مفاسد الظلم والغرر والربا الذي تقع فيه شركات التأمين التجارية التقليدية.* أستاذ مشارك قسم الاقتصاد جامعة الملك سعود

الورقة الأولى:التأمين بين المشروع والممنوع

لجنة البحث العلمي في الموقع

الورقة الثانية:التأمين التعاوني الإسلامي

معالي الشيخ/صالح بن عبد الله بن حميد

رئيس مجلس الشورى وخطيب الحرم المكي

الورقة الثالثة:تأملات فقهية..حول موضوع التأمين

د/مسفر بن علي القحطاني

أستاذ الفقه وأصوله /جامعة الملك فهد

الورقة الرابعة: التأمين بين الحلال والحرام

فضيلة الشيخ/عبد الله بن سليمان بن منيع

عضو هيئة كبار العلماء

لجنة البحث العلمي في الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

مما لا يخفى على من لديه معرفة بأوليات الدين الإسلامي اهتمام هذا الدين بالتكافل الاجتماعي ، وحثه على تخفيفه واقعًا عمليًا في حياة الناس ، ويتجلى هذا الأمر في الكثير من نصوص الكتاب والسنة ، ومن الواقع العملي الذي عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، فالزكاة ركن من أركان الإسلام رتب عليها الشارع الثواب والعقاب ، وهي تكافل اجتماعي محض ، بل إن الكتاب العزيز قد ذم من منع الناس ما يحتاجون إليه في أمور الحياة الأساسية واعتبر ذلك من صفات النفاق ، فقد قال تعالى في المنافقين:"الذين هم يراءون ويمنعون الماعون"الماعون /6-7 ، والماعون هو ما يحتاج إليه الناس من ضروريات الحياة كالأواني والقدور والمحراث ونحوها ، حسب أعراف الناس ، بل اعتبر من أبرز صفات المنكرين لليوم الآخر عدم الرأفة باليتيم وعدم إطعام المسكين والحض على إطعامه:"أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين"الماعون / 1-3 ، والسنة مليئة بالأدلة على ذلك ففي الحديث:"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره جائع"وحديث:"... أطعموا الطعام وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام"وواقع الصحابة العملي خير دليل على ذلك والسيرة طافحة ببيان ذلك فتآخي الأنصار مع المهاجرين وإشراكهم في أموالهم و تمليكهم وتزويجهم وغير ذلك ظاهر ومتواتر في السيرة العطرة للجيل النبوي القدوة.

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي توزيع الأخطار وتفتيتها على من أصيب بخطر لا قدرة له على دفعه ومن ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح ، وكذا جعل دية الخطأ وشبه العمد على العاقلة وهم عصبة القاتل خطأ ، والتكافل الاجتماعي في الإسلام لا يحتاج إلى مزيد بحث واستدلال فأمره ظاهر ولا ينكره إلا جاهل أو مكابر ،وهذا التكافل الإسلامي يقوم على مبدأ الإحسان المحض وحب الخير للآخرين مانعًا طرق الاستغلال لهذا الإحسان وامتصاص أموال الآخرين باسمه ، فقد أرشد الكتاب الكريم إلى ذلك بقوله:"ولا تمنن تستكثر"، أي لا تحسن إلى غيرك منتظرًا منه المقابل والمزيد .

ومنع الاتجار بذلك ( فكل قرض جر نفعًا فهو ربًا ) ، كما منع اشتراط الانتفاع بالرهن.

وهذه وغيرها تدل على أن مبنى التكافل الاجتماعي في الإسلام على الإحسان والإرفاق وطهارة النفس وتزكيتها لا على الجشع واستغلال حاجات الآخرين واستثمارها ، والتأمين إما أن يكون من التكافل المشروع المبني على الإحسان والإرفاق وزكاة النفس وطهارتها, وإما أن يكون من باب استغلال حاجات الآخرين واستثمارها ، وهو ما نهى عنه الشارع وجعله سحتًا يأخذه المرء بغير حق ، والتكافل الاجتماعي وتوزيع الأخطار ومساعدة الضعفاء من الأهداف الأساسية التي يسعى التأمين إلى تحقيقها ، لكن مما ينبغي التنبيه إليه أن يدرك المستفيد من التأمين أنه بأهدافه المشار إليها إما أن يتحقق بصورة مشروعة بحيث تكون الأهداف صحيحة والوسيلة إليها صحيحة ، وإما أن يتحقق بصورة غير مشروعة, بحيث تكون الأهداف صحيحة والوسيلة إليه محرمة. لأن التأمين في جملته نوعان: تأمين تجاري ، وتأمين تعاوني .

فما هو التأمين التجاري وما هو التأمين التعاوني ؟ وما الجائز منهما وما الممنوع ؟ هذا ما سنحاول إيضاحه في هذا البحث ليكون المرء على بينة من أمره ,فلا يلتبس عليه الممنوع بالمشروع, لا سيما في وقت قل فيه المتورعون فصاروا يطلقون اسم المشروع على الممنوع مستخدمين أساليب عامة وألفاظًا محتملة, ليضللوا بذلك على عامة الناس .

تمهيد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت